على الرغم من أن السلطات المحلية والإقليمية بجهة الغرب قامت بواجبها على أكمل وجه، عبر التدخل السريع وتنظيم عمليات الإجلاء وتأمين مراكز الإيواء للمتضررين من الفيضانات، إلا أن بعض سكان دواوير إقليم القنيطرة ونواحيها أبوا إلا أن يكونوا جزءا فاعلا من جهود الإنقاذ والتخفيف من المعاناة، فمن موقعهم، وحسب إمكانياتهم، بادر المواطنون إلى مد يد العون للمنكوبين، مجسدين أسمى صور التضامن والتكافل التي تميز المجتمع المغربي في أوقات الشدة.
في إقليم القنيطرة، الذي شهد إجلاء أكثر من أربعة عشر ألف شخص، بادر عشرات العائلات إلى فتح أبواب منازلهم لاستقبال المتضررين من الدواوير المجاورة، فبعد أن ارتفع منسوب مياه واد سبو وهدد عددا من القرى والمناطق القروية، تحولت البيوت إلى ملاجئ دافئة، والشوارع إلى ممرات للتآزر والمساندة.
مبادرات شعبية تكمل الجهود الرسمية
ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها السلطات المحلية والإقليمية، من خلال تنظيم عمليات الإجلاء وتوفير مراكز الإيواء المؤقتة وتوزيع المساعدات، إلا أن بعض المواطنين أصروا على إضافة لمستهم الإنسانية الخاصة، لم ينتظر هؤلاء التوجيهات الرسمية، بل سارعوا من تلقاء أنفسهم إلى التعبير عن تضامنهم مع المتضررين بأشكال متعددة، من إيواء العائلات في منازلهم، وجمع المواد الغذائية والأغطية، وإعداد وتقديم وجبات الطعام الساخنة.
ولم تكتف بعض الأسر بتقديم المساعدات المادية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بفتح منازلها كاملة لاحتضان عائلات لا تربطها بها أي أواصر قرابة، فقط روابط الإنسانية، حيث حولت هذه الأسر غرفها ومرافقها إلى فضاءات مشتركة وتقاسمت مع الضيوف الجدد الطعام والدفء والأمان.
في هذا السياق، يقول محمد، أحد سكان إقليم القنيطرة، إنه استقبل عائلتين من دوار قريب تضرر بشكل كبير من الفيضانات، موضحا أن هذه المبادرة جاءت بدافع إنساني، رغم توفر مراكز إيواء رسمية ومجهزة، إلا أنه أبى إلا أن يقدم يد العون لمن هم بحاجة إليه خاصة وأن منزله كبير ويتوفر على غرف فارغة، معتبرا هذا الأمر واجبا، وختم تصريحه بالقول "اليوم هم وغذا قد نكون نحن من في الحاجة إلى من يمد لنا يد العون".
قوافل الخير من الدواوير
وفي جماعة محمد بن منصور، قدم سكان أحد الدواوير نموذجا حيا للكرم المغربي الأصيل، حيث تكاثف الأهالي وأحضروا شاحنة محملة بأطباق الكسكس لتقديم وجبات عشاء ساخنة للمتضررين، ولم تكن هذه المبادرة مجرد توزيع للطعام، بل رسالة محملة بالدعم المعنوي، تؤكد للمنكوبين أنهم ليسوا وحدهم في محنتهم.
وفي هذا السياق يقول أحد المتطوعين من الدوار: "نعم، هناك مساعدات رسمية ومراكز إيواء، لكننا أردنا أن نضيف لمستنا الخاصة، جمعنا ما استطعنا من مساهمات، النساء طبخن، والرجال نقلوا الطعام، فقط ليشعر إخواننا بأن هناك من يشاركهم همومهم".
حملات تضامنية عفوية
وفي إقليم سيدي قاسم، حيث تم إجلاء قرابة عشرة آلاف مواطن من جماعات الحوافات والمرابيح وغيرها، عبر العديد من السكان عن تضامنهم من خلال جمع المواد الغذائية والأغطية والملابس لفائدة المتضررين، وبالموازاة مع المساعدات الرسمية، نظمت عائلات وجمعيات محلية حملات تطوعية عفوية.
وتقول فاطمة، متطوعة في إحدى الجمعيات المحلية: "منذ اليوم الأول للأزمة، تلقينا اتصالات من مواطنين يريدون المساعدة، البعض جلب الطعام والأغطية، وآخرون قدموا المال أو خدمات النقل، لكن الأكثر تأثيرا كان عشرات العائلات التي عرضت استقبال المنكوبين في منازلها رغم وجود مراكز الإيواء الرسمية".
وفي الدواوير المحيطة بالقنيطرة، تطوع شباب المنطقة لنقل الأثاث والممتلكات من المنازل المهددة إلى أماكن آمنة، كما نظمت قوافل تضامنية نحو الدواوير الأكثر تضررا، مكملة بذلك الجهود الرسمية.
وبعد أن تهدأ المياه وتنحسر السيول، ستبقى هذه الصور المضيئة محفورة في الذاكرة الجماعية، والتي تجسد الحس التكافلي الذي يطبع المواطن المغربي الذي لا ينتظر التعليمات حين يتعلق الأمر بمد يد العون لأخيه المنكوب.