بعد أكثر من سبع سنوات متتالية من الجفاف، حمل الموسم الفلاحي الحالي مؤشرات إيجابية على مستوى التساقطات المطرية، ما ساهم في إعادة بعض التوازن إلى المنظومة الفلاحية، لا سيما في ما يتعلق بالمراعي والثروة الحيوانية، غير أن هذا التحسن، ورغم أهميته، لا ينعكس بالضرورة بشكل فوري على إنتاج اللحوم الحمراء أو على أسعارها في السوق الوطنية، وفقا لما أكده عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي المعتمد لدى وزارة الفلاحة.
وأوضح البوتشيشي في تصريح لـ"الصحراء المغربية" أن التساقطات الأخيرة ساهمت في تحسين الوضعية المائية بعد سنوات من الإجهاد المناخي، خاصة على مستوى السدود الموجهة لمياه الشرب، التي تظل أولوية استراتيجية قبل أي استعمال فلاحي أو رعوي، لا سيما في المناطق التي عانت خصاصا حادا خلال السنوات الماضية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن تأثير الأمطار على المراعي المخصصة للمواشي يبقى مرتبطا بالظرفية الموسمية، مؤكدا أن الفترة الحالية، التي تتسم بانخفاض درجات الحرارة، لا تسمح بعد بنمو نباتي قوي ذي قيمة غذائية عالية، وأضاف أن التحسن الحقيقي للغطاء النباتي يرتقب خلال شهري فبراير ومارس، حيث ستعرف المراعي انتعاشا ملموسا، سينعكس إيجابا على تغذية القطيع والتخفيف تدريجيا من الضغط على الأعلاف المركبة.
ورغم هذا التحسن المرتقب، أكد المستشار الفلاحي المعتمد لدى وزارة الفلاحة أن الأعلاف الطبيعية، في مرحلتها الحالية، لا تشكل بديلا فعليا للأعلاف المركبة، خاصة في عمليات التسمين، موضحا أن القيمة الغذائية للنباتات الربيعية المبكرة تبقى ضعيفة، ولا تلبي حاجيات العجول أو الخرفان الموجهة للإنتاج، وأشار إلى أن الكسابة لا يزالون يعتمدون، إلى حدود الساعة، على أعلاف مثل النخالة والتبن، في انتظار تحسن أفضل في الغطاء النباتي، علما أن جزءا كبيرا من المراعي الوطنية يرتبط بزراعات الحبوب والقطاني والأعلاف العلفية.
وفي ما يتعلق بإنتاج اللحوم الحمراء، أوضح البوتشيشي أن الأمطار الأخيرة لن يكون لها تأثير مباشر على العرض خلال ربيع السنة الجارية، نظرا لكون دورات التسمين تتطلب وقتا وتقنيات خاصة، وأضاف أن النباتات الربيعية المبكرة تكون ضعيفة من حيث القيمة الغذائية ولا تتيح إنتاج عجول أو خرفان جاهزة للذبح في هذه المرحلة.
وأبرز المستشار الفلاحي أن تحسن الظروف المناخية شجع عددا من الكسابة على الاحتفاظ بقطعانهم، ما ساهم في تحقيق نوع من التوازن النسبي بين العرض والطلب، غير أن هذا التوازن يظل هشا، بفعل الارتباط البنيوي لسلسلة إنتاج اللحوم الحمراء بكلفة الأعلاف المستوردة، التي تخضع لتقلبات السوق الدولية، موضحا أن المغرب يعتمد بشكل كبير على هذه الأعلاف إلى غاية موشم الحصاد الوطني.
وتوقع في هذا الإطار أن تعرف أسعار التبن انخفاضا تدريجيا ما بين شهري ماي ويونيو، لتتراوح بين 10 و12 دراهما للحزمة، بعد أن بلغت مستويات مرتفعة خلال فترات الجفاف، وهو ما قد يخفف جزئيا من كلفة الإنتاج دون أن ينعكس بالضرورة على أسعار البيع للمستهلك.
وفي هذا الصدد، دعا البوتشيشي الكسابة إلى توخي الحذر عند الانتقال من الأعلاف الجافة إلى الأعلاف الخضراء، محذرا من التغيير المفاجئ الذي قد يتسبب في اضطرابات هضمية ونفوق داخل القطيع، وأكد على ضرورة اعتماد التدرج في التغذية، والاستعانة بالأطباء البياطرة لمواكبة هذه المرحلة، سواء من حيث الوقاية أو التتبع الصحي.
وأفاد المصدر ذاته أن التراجع الحاد في قطيع الأبقار وطنيا دفع البلاد إلى الاعتماد بشكل متزايد على استيراد العجول واللحوم، خاصة من أمريكا اللاتينية والبرازيل، ورغم أن هذه الواردات تساهم في ضمان استمرارية التزويد، إلا أن كلفتها تبقى شبه مستقرة، ما يجعل أي انخفاض كبير في أسعار اللحوم محليا، أمرا غير متوقع في المدى القريب.
واعتبر البوتشيشي أن الوضع يستدعي اعتماد مخطط استعجالي لإعادة بناء القطيع الوطني، يرتكز على دعم المربين، والحفاظ على إناث الأبقار، وتشجيع التوالد، إلى جانب ضبط عمليات الذبح، وأكد أن استمرار تراجع عدد الإناث يشكل تهديدا مباشرا لمستقبل القطاع، وقد يؤدي إلى تقلص أكبر في حجم القطيع، وارتفاع كلفة الإنتاج، وزيادة الاعتماد على الأسواق الخارجية، ما يجعل التدخل الاستباقي خيارا استراتيجيا ضروريا.