لا يكاد يخلو حضور وزير العدل عبد اللطيف وهبي بقبة البرلمان من إثارة الجدل واحتدام النقاش خاصة مع المعارضة حول عدد من القضايا المرتبطة بالسياسة الجنائية وحدود الاختصاص، وهو ما شهدته جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، الاثنين، من تصعيد مباشر بينه وبين نواب المعارضة.
وكان الخلاف جول أسئلة للنواب ركزت على عدد من الإشكالات التي اعتبرها الوزير لا تدخل ضمن اختصاصاته ولا يفهم لماذا تطرح عليه، خاصة ما يتعلق بالاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، واستقلال القضاء، ومراقبة الشهادات الطبية، وضبط حرية التعبير والتشهير ومشروع قانون مهنة المحاماة، وإن كان أجاب على بعض جوانب هذه المواضيع إلا أنه بدى غاضبا ومتدمرا أحيانا أخرى من طرح بعضها الآخر عليه، ما جعل النقاش يحتدم بينه وبين عدد منهم من جديد.
وخلال جوابه عن سؤال يتعلق بالاكتظاظ داخل السجون، أوضح وزير العدل أن تدبير المؤسسات السجنية لا يندرج ضمن الاختصاصات المباشرة لوزارته، مبرزا أن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج تخضع لرئاسة الحكومة، في حين أن قرارات الاعتقال تصدر عن القضاء والنيابة العامة، التي لا يملك أي سلطة مباشرة عليها.
وأكد أن وضعية الاكتظاظ الحالية هي نتيجة مباشرة لقرارات قضائية صادرة عن محاكم مستقلة، مشددا على أنه لا يملك أي سلطة للتدخل في عمل القضاة أو مساءلتهم أو توجيههم بخصوص قراراتهم الصادرة بشأن الاعتقال، باعتبار أن استقلال السلطة القضائية مبدأ دستوري، وأنهم خاضعون للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ماضيا بالقول "السجن عامر لأن كاين قرارات قضائية… ما يمكنش نطلب من القاضي علاش درتي الاعتقال، هم مستقلون عني".
وقال وهبي، في هذا الصدد، إن وزارة العدل أدخلت مجموعة من التعديلات على قانون المسطرة الجنائية تهدف إلى عقلنة اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، واللجوء إلى العقوبات البديلة غير أنه أقر بأن تفعيل هذه الآليات ما يزال محدودا، مرجعا ذلك إلى غياب الجرأة الكافية لدى بعض القضاة، حسب تعبيره، في اعتماد بدائل الاعتقال المتاحة قانونا، لافتا إلى أن تحميله مسؤولية هذه الوضعية يتجاوز حدود اختصاصه، حيث قال "ما تطالبونيش نكدب في بلاصة شي واحد".
في المقابل، أثار الفريق الاتحادي نقطة نظام، اعتبر فيها أن الحكومة مطالبة بالتفاعل مع الأسئلة البرلمانية في إطار التضامن الحكومي في حال غياب الوزير الوصي على مندوبية السجون، مؤكدا أن النواب غير معنيين بتوزيع الاختصاصات داخل الجهاز التنفيذي وبالخلافات الداخلية بين مكوناته. غير أن وزير العدل جدد التأكيد، بلهجة غاضبة، على أنه يدرك جيدا مبدأ التضامن الحكومي "ولا ينتظر أن يعلمه له أحد"، حسب قوله، مشددا على استقلالية السلطة القضائية، وأن هذا التضامن لا يمكن أن يمتد إلى المساءلة عن قراراته داخل البرلمان.
وفي موضوع سؤال آخر لفريق التجمع الوطني للأحرار، تطرق إلى إشكالية إصدار الشهادات الطبية، خصوصا ما يرتبط منها بالشواهد الوهمية أو غير الدقيقة، إذ أقر وزير العدل بصعوبة وتعقيد هذا الملف، قائلا "أنا وزير العدل والله ما عرفت كيفاش نضبطها"، معترفا بعدم وجود آليات قانونية دقيقة لمراقبة منح هذه الشهادات الطبية، باعتبارها خاضعة أولا وأخيرا للسلطة التقديرية للأطباء. وأوضح أن تدخل العدالة يظل محصورا في الحالات التي يثبت فيها وجود تزوير أو تأثير مباشر على الوضعية القانونية للأشخاص.
وأشار الوزير إلى أن فارقا بسيطا في تحديد مدة العجز، قد لا يتجاوز يوما واحدا، يمكن أن يترتب عنه تغيير في التكييف القانوني للوقائع، وقد يؤدي إلى اعتقال أشخاص بناء على معطيات طبية مشكوك فيها. وهو ما كان محل تعقيب من نواب الأغلبية، الذين نبهوا إلى خطورة الشواهد الطبية غير الدقيقة أو المبالغ فيها، والتي يترتب عنه آثار قانونية جسيمة، خاصة حين تحدد عجزا يفوق 21 يوما، ما يشكل مساسا بضمانات المحاكمة العادلة ومبادئ العدالة والإنصاف.
كما أبرز المسؤول الحكومي المجهودات المبذولة لتعزيز دور الطب الشرعي من خلال تكوين وزارة العدل لعدد من الأطباء الشرعيين، مع الإقرار في الوقت ذاته بوجود خصاص كبير وضعف في التحفيزات لدى هذه الفئة من الأطباء، كاشفا أن التعويض المخصص للطبيب الشرعي عن كل عملية تشريح يقوم بها لا يتجاوز، وفق التعريفة القضائية المعمول بها، 100 درهم، وهو ما يطرح إشكالات بنيوية ما تزال محل انتقادات دولية موجهة إلى المغرب، في إشارة من الوزير إلى أن الجهود المبذولة ما تزال غير كافية لمعالجة الإشكال بشكل جذري.
وفي جانب آخر، أثارت أسئلة البرلمانين مسألة التشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شدد وزير العدل على ضرورة التمييز بين حرية التعبير والمساس بالحياة الخاصة وكرامة الأفراد، مبرزا في هذا السياق أن غياب إطار قانوني متوازن ساهم في اتساع هذا الإشكال، داعيا إلى وضع تشريع يضمن حماية حرية التعبير دون تحويلها إلى وسيلة للاعتداء أو التشهير، معترفا أن مشروع قانون كان وضع من طرف وزير العدل السابق محمد بعبد القادر، وأنه شخصيا وقف ضده اعتقادا منه أنه يحد من حرية التعبير وأنه كان مخطئا، مطالبا بالتشريع في هذا الباب للحد من هذه المعظلة.
كما تطرق النقاش إلى مشروع قانون البصمة الجينية، حيث أوضح الوزير أن الهدف منه لا يتعلق بالمس بكرامة المتهمين أو حياتهم الخاصة، بل بإرساء آلية قانونية مؤطرة بضمانات واضحة، ومحددة في الزمان والغاية، ومرتبطة بطبيعة الجرائم، مع ضبط الجهات المخول لها حفظ واستعمال هذه المعطيات.
وفي ما يتعلق بمسؤولية الأحداث، أكد وهبي أن المسؤولية الجنائية تبقى شخصية، ولا يمكن تحميل الآباء تبعات جنائية عن أفعال أبنائهم، انسجاما مع المبادئ الشرعية والقانونية، مع الإشارة إلى إمكانية قيام مسؤولية مدنية في حالات محددة. ودعا في هذا الإطار إلى إخراج إطار قانوني خاص بالأطفال في تماس مع القانون، سواء عبر قانون جنائي خاص بالطفل أو مسطرة جنائية مستقلة بالأحداث.
واختتم النقاش بإثارة مستجدات مشروع قانون مهنة المحاماة، حيث عبر نواب عن تخوفهم من غياب توضيحات كافية بخصوص هذا المشروع وما خلفه من رفض بالاجماع لمقتضياته من طرف هيئات المحامين بالمغرب، معتبرين أن ذلك قد يؤدي إلى تأجيج التوتر من جديد، وهو ما نفاه الوزير متجاهلا الرد على الأسئلة في هذا الباب.