الشكايات وصلت سنة 2025 إلى أزيد من 300 .. بنعليلو: محاربة الفساد "معركة وجود" وتكلفة محاربته باهظة جدا

الصحراء المغربية
الثلاثاء 09 دجنبر 2025 - 19:44
تصوير: عيسى سوري

وصف محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محاربة الفساد بـ "معركة وجود" قائلا "الفساد، في كل تجلياته، ليس موضوعا قطاعيا، ولا ملفا تقنيا، ولا شأنا إداريا محضا. إنه معركة وجود، لأنه حين يتسلل إلى دواليب الدولة، ينهك الاقتصاد، ويشوه العدالة، ويسكت صوت الكفاءة، ويؤثر في مستقبل الشباب، ويزرع الشك في النفوس، ويحول المؤسسات إلى فضاء للعجز والتردد".

وأكد رئيس الهيئة، خلال اللقاء الذي نظمته لاستعراض استراتيجيتها الخماسية 2025 ـ 2030 بمدينة سلا، اليوم الثلاثاء، أن تكلفة محاربة الفساد باهظة وباهظة جدا،

على التنمية وأنها مسألة "أساسية ويجب الالتفات إليها"؛ إذ لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة في ظل الممارسات الفاسدة، معتمدين في ذلك على تقارير البرلمان الأوروبي والبنك الافريقي للتنمية وصندوق النقد الدولي، وهناك معايير منشورة تثبت ذلك، قائلا "قد نختلف في المعايير والنسب لكن يجب ان نتفق أن للفساد تكلفة باهظة على التنمية".

وكشف أن الهيئة تسعى اليوم للعمل على تأسيس جبهة وطنية تقوم على أربعة محاور تمس ما هو مجتمع مدني وحكومي وقضائي وإعلامي، وأن هذه الجبهة قادرة على مكافحة الفساد، لكن لا يمكن تشكيلها في الفضاء بل بمرجعية أساسية لها خمسة مداخل من أجل خلق تعبئة وطنية لمحاربة الفساد أجملها في جسور الوقاية، والاحتكام إلى الموجهات المعيارية في مكافحة الفساد، والانتقال من الاحتجاج إلى المساهمة، الاشتغال على التنشئة والتربية، وإحداث وساطات اجتماعية.

في سياق التحديات، أبرز بنعليلو "التحدي الواقعي" المتمثل في تملك اختصاصات الهيئة من قِبل المواطن، والمجتمع المدني، والمؤسسات، والحكومة، كشرط أساسي لتسهيل معالجة الملفات. وشدد على أن الهيئة تنطلق من رسالة دستورية وتعمل ببرنامج مؤسساتي، وليس بمنطق المعارضة أو المحاباة.

 

عدد الشكايات وصل لأزيد من 300 

وفي معرض أجوبته على أسئلة وسائل الإعلام، في ندوة صحفية باللقاء ذاته، أوضح بنعليلو ، على صعيد التبليغ، أن الهيئة اليوم تعرف تطورا مهما في الشكايات المتوصل بها والتي بلغت خلال سنة 2025 أزيد من 311 شكاية مقابل 85 شكاية خلال سنة 2023، ما اعتبره تطورا مهما رغم أن كل الشكايات المتوصل بها ليست كلها تصب في عمل الهيئة، إذ منها ما هو شخصي، لكنها تكشف أن المواطن اليوم أصبح يلجأ للهيئة وأصبحت الهيئة محفزا للمواطنين للتبليغ عن الفساد والرشوة، ليصبح مواطنا مبادرا إلى التبليغ، ومطالب بالشفافية، ويعتبر النزاهة حقا أساسيا من حقوقه وواجبا من واجباته.

 

ترسانة قانونية ناقصة لمحاربة الفساد

وشدد بنعليلو على أن محاربة الفساد بكفاءة لا يمكن أن تتم بترسانة قانونية ناقصة، مؤكدًا التزام المغرب باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وفي هذا الإطار، جدد مطالب الهيئة بضرورة تجريم الإثراء غير المشروع لضمان عدم بقاء هذا الملف عرضة للمزايدات، وإخراج قانون تضارب المصالح، وإصدار قانون حماية المبلّغين بصيغة جديدة توفر حماية فعالة للموظفين في الإدارات الذين يملكون وثائق، وتحيين قانون التصريح بالممتلكات لتعزيز فعاليته ونجاعته. معتبرا أن هذه المطالب التشريعية تعد ركائز أساسية لـ "بناء كثلة وطنية واسعة تتقاطع فيها مسؤولية الدولة والمجتمع"، وتترجم التوجيهات الملكية السامية التي تعتبر محاربة الفساد التزاما دائما وغير قابل للمساومة.

 

بارومتر ومؤشر وطني لقياس النزاهة 

كما أكد على ضرورة تطوير المنظومة القانونية والأليات القانونية لحماية المبلغين عن جرائم الفساد، التي وإن كانت في مستوياتها الحالية متوفرة للهيئة، لكنها ترغب اليوم في تمديدها لتشمل الموظف العمومي، المواجه من جهة بضرورة التبليغ ومن جهة أخرى بكتمان السر المهني واتلاف الوثائق والحرمان من الترقية.

وأشار إلى أن الهيئة تعمل على تحديد الإطار القانوني والتنظيمي لمن هم المبلغون، وما هو الفساد المُبلّغ عنه، وكيف يتم التبليغ. كما أكدت على ضرورة إيجاد توازن بين حدود التشهير وحدود التبليغ عبر نقاشات واسعة.

وبخصوص تحقيق قياس دقيق وفعال، كشف بنعليلو عن تعاون مكثف مع المندوبية السامية للتخطيط لوضع بارومتر ومؤشر وطني لقياس النزاهة والفساد يستهدف المجالين العام والخاص، بدلًا من الاكتفاء بالاعتماد على المؤشرات الدولية. كما تعمل الهيئة على اتفاقية مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب لتسريع التعاون مع القطاع الخاص، باعتباره جزءا أصيلا من النقاش العمومي حول الفساد.

وفيما يتعلق بالإرادة السياسية، فضل رئيس الهيئة الحديث عن "الواقع السياسي"، مشيرا إلى وجود "هوة وفراغ بين التشريع والواقع". وأوضح أن المواطن "لا ينتظر القوانين، بل ينتظر وقع هذه النصوص على حياته اليومية"، مشيرا إلى وجود نصوص "ميتة" كالذي يخص تبسيط المساطر.

 

الفساد أصبح يعتبر فشلا في الحكامة 

وأشار رئيس الهيئة، في كلمته الافتتاحية لهذا اللقاء، الذي عرف حضور مصطفى بايتاس الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، فضلا عن عدد من رؤساء المؤسسات والهيئات الدستورية والقضائية والحكومية، إلى أن الفساد يمس جوهر الدولة ومقومات العدالة الاجتماعية والاقتصادية، مضيفا أن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد شأنا تقنيا أو إداريا محضا، بل مسارا مصيريا يرتبط بإعادة بناء الثقة وترسيخ دولة حديثة ونزيهة.

وخلال تقديمه للاستراتيجية الخماسية للهيئة، في كلمته الافتتاحية لهذا اللقاء، أكد رئيس الهيئة أن اللحظة التي يعيشها المغرب تفرض التعامل مع الفساد باعتباره خطرا بنيويا يهدد السياسات العمومية ويؤثر في المنظومة الإدارية والاقتصادية، مشيرا إلى أن مخاطر الفساد لم تعد مرتبطة بانحرافات فردية، بل بصيغ حديثة ذات امتدادات تقنية ومالية، وبقدرة كبيرة على التخفي والتكيف، وفي أحيان كثيرة ذات ارتباطات خارجية.

وشدد على أن الفساد لم يعد يُعرف فقط بكونه خرقا للقانون، بل باعتباره "فشلا في الحكامة، واعتلالا في العلاقة بين المواطن ومؤسساته، وانحرافا عن المصلحة العامة، وتهديدا مباشرا لشرعية الفعل العمومي". واعتبر أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تظل رهينة بردود الفعل أو التدخل بعد وقوع الضرر، ولا بمتابعة حالات فردية متفرقة، بل بالانتقال إلى منظومة مؤسسة على الوقاية الذكية والاستباق والإنذار المبكر والذكاء المؤسساتي.

 

استراتيجية خماسية بتشخيص معمق

وعن الاستراتيجية الخماسية التي استعرضتها الهيئة خلال اللقاء، قال المسؤول إنها نتيجة تشخيص معمق ولا توجد أي علاقة بينها وبين الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد (2015/2025)، وأن الاستراتيجية الخماسية المعلن عنها تهم الهيئة فقط عبر تحديد كيفية الاشتغال وتنسيق علاقاتها مع الحكومة وكل السلطات المعنية والمجتمع المدني والمجتمع الدولي، مؤكدا في هذا الإطار أن الهيئة وضعت "وثيقة للاشتغال بوضوح أمام الجميع".

وأضاف قائلا إن "استراتيجية الهيئة ليست بعيدة عن استراتيجية الحكومة لكنها ستُقيّم هذه الأخيرة، وفي الأيام القليلة المقبلة ستكشف عن نتائج تقييمها لنتائج عشر سنوات من التطبيق، لكي تُحدد ما الذي أنجز وما لم يُنجز ولماذا"، ومضى قائلا "خاصنا نعطيو الحساب للمواطن".

 

 بناء نموذج جديد للنزاهة العمومية 

وانطلاقا من هذا التشخيص، أوضح رئيس الهيئة أن الاستراتيجية الخماسية الجديدة تستند إلى وعي جماعي بضرورة بناء نموذج جديد للنزاهة العمومية يقوم على قيادة مؤسساتية واضحة، وعلى هندسة شاملة توحد جهود الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، مؤكدا أن الهيئة تسعى إلى الانتقال من معالجة الوقائع إلى بناء أنظمة قادرة على قياس الظواهر وتحليلها والتنبؤ بها.

وأشار إلى أن الاستراتيجية ترتكز على مرجعيات دستورية واضحة تجعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة ومن حماية المال العام وترسيخ النزاهة أسسا للدولة الحديثة، إضافة إلى التحول القانوني الذي عرفته الهيئة، والذي نقلها من مؤسسة استشارية محدودة الصلاحيات إلى قطب وطني مرجعي قادر على قيادة السياسات العمومية في مجال النزاهة ومكافحة الفساد.

ولفت إلى أن الاستراتيجية، التي تمتد لخمس سنوات تشكل "هندسة جديدة لطريقة اشتغال الهيئة" ولعلاقتها بباقي المؤسسات، بما يجعلها قادرة على التأثير والتوجيه والتحليل والتعبئة، وعلى الانسجام مع الممارسات الفضلى عالميا والتزامات المغرب الدولية، موضحا أنها ليست برنامجا إداريا، بل "مشروع مؤسسة برؤية أفقية" يقوم على مشاريع مهيكلة وجداول زمنية دقيقة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

وأوضح رئيس الهيئة أن الاستراتيجية تتأسس على إدراك ضرورة الانتقال من أساليب تقليدية في مكافحة الفساد إلى منظومة متكاملة قادرة على مواجهة ظواهر معقدة ومتطورة، مشددا على أن العالم يتحرك بسرعة، وأن أساليب الفساد تتطور بوتيرة أكبر، ما يجعل التصدي التقليدي غير قادر على حماية الدولة والمجتمع.

 

 

تصوير: عيسى سوري


بنعليلو يكشف عن الاسترتيجية الخماسية للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة لمحاربة الفساد




تابعونا على فيسبوك