تتجه الحكومة نحو إطلاق إصلاحات هيكلية «حقيقية ومعقدة» في السياسة الدوائية الوطنية، مؤكدة أن الهدف لا يقتصر على المداخيل، إذ أن الرسوم الجمركية لا تشكل سوى جزء بسيط من إيرادات الدولة.
وكشف فوزي لقجع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، عن خطة حكومية طموحة وغير مسبوقة تهدف إلى إحداث «ثورة» في سوق الأدوية الوطنية، وذلك عبر اعتماد تخفيض جمركي جذري على عدد واسع من الأصناف الدوائية والمواد الخام المستعملة في صناعتها. وتأتي هذه الخطوة في إطار المساعي الرامية لتعزيز السيادة الدوائية وتحقيق التغطية الصحية الشاملة.
وتتمحور هذه الإجراءات، التي ستفعل مع بداية سنة 2026، حول تخفيض الرسوم الجمركية بنسبة تصل إلى 91 في المائة على 112 صنفا من الأدوية والمواد شبه الصيدلية الضرورية. ويشكل هذا التعديل، الذي يطال الفصل 30 من التعريفة الجمركية، محاولة حقيقية لتخفيف العبء المالي على المواطنين، مع الحفاظ في الوقت ذاته على توازن دقيق يحمي الصناعة الوطنية من الإغراق الأجنبي.
ويتمحور هذا التوجه، الذي أعلن عنه خلال المناقشة التفصيلية لمشروع قانون المالية وكذا ضمن تقرير نجاعة الأداء لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، حول تحقيق هدفين رئيسيين، يتعلقان بتخفيف العبء المالي على المواطن وضمان السيادة الدوائية، مع العمل على ضمان وفرة الدواء، وتحسين جودته، وتخفيض ثمنه.
وفي إطار مواكبة الاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى تعزيز الصناعة الصيدلانية، تميزت سنة 2023 بإعادة هيكلة شاملة لـ»الفصل 30» من التعريفة الجمركية. وأفرزت هذه المراجعة التعريفية التي جاءت بتنسيق مع وزارة الصحة وممثلي القطاع، مستويات مختلفة من رسم الاستيراد، همت 2.5 في المائة للمنتجات غير المصنعة محليا، بهدف تشجيع استيرادها وتيسير ولوج المواطنين للأدوية، ثم 30 في المائة للمنتجات التي يتم صنعها محليا، كإجراء حمائي للصناعة الوطنية، فضلا عن نسب بينية تتراوح بين 10 في المائة و 17.5 في المائة للمنتجات التي يتم استيرادها وتصنيعها محليا في آن واحد.
وفي هذا السياق، أكد لقجع أن الحكومة تنظر إلى هذا الإصلاح بعيدا عن كونه مجرد مسألة مداخيل؛ «فالرسوم الجمركية على الأدوية لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من إيرادات الدولة»، مفيدا أن أن الهدف الأسمى هو تخفيف العبء المالي المباشر عن المواطنين، إلى جانب ضمان استدامة صناديق التغطية الصحية التي تستنزفها استردادات الأدوية بشكل كبير.
وشدد لقجع على أن فعالية هذا التخفيض لن تتحقق إلا بتعزيز آليات المراقبة الصارمة، لضمان أن ينعكس خفض الرسوم الجمركية على الأدوية غير المصنعة محليا بشكل إيجابي ومباشر على أثمنة البيع النهائية للمستهلك.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية سيكون لديها الوقت الكافي لوضع سياسة دوائية حقيقية، تساهم في ضمان استدامة أنظمة التغطية الصحية.
وأكدت الحكومة أن السياسة الدوائية المستقبلية هي أعقد بكثير من مجرد رسوم جمركية، وتتطلب إصلاحات حقيقية تشمل الحكامة والأداء. وفي هذا الإطار، يتم ربط هذه الإصلاحات بالتوجهات الاستراتيجية للدولة لضمان وفرة المواد والمستلزمات الطبية اللازمة، كما تسهر على تعزيز تنمية صناعة دوائية محلية وتشجيع تطوير الأدوية الجنيسة.
وتم إعطاء مهلة كافية لـ الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية (التي تأسست ضمن ركائز الحكامة الجيدة للإصلاح الصحي) لوضع سياسة دوائية حقيقية، بهدف ضمان استدامة أنظمة التغطية الصحية، حيث تشكل استردادات الأدوية النسبة الأكبر من نفقات هذه الصناديق.
ووفق قانون المالية لسنة 2026، تهم التعديلات المقترحة خفضا كبيرا لـ 112 تسمية دولية. ونظرا للتطورات التكنولوجية وظهور مركبات دوائية جديدة، تقترح وزارة الصحة والفاعلون في القطاع إدخال تعديلات إضافية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026.
وتشمل هذه التعديلات 308 تسميات دولية مشتركة، وشهدت 156 منها تغييرات في نسبة رسم الاستيراد.
وتهم أهم هذه التعديلات حالات التخفيض التي شملت 112 تسمية دولية مشتركة خفضت رسومها من 30 في المائة إلى 2.5 في المائة، وكذا 10 تسميات إضافية شهدت تخفيضا من 30 في المائة إلى 10 في المائة، و 17.5 في المائة. وفي المقابل، عرفت 34 حالة رفعا في نسبة الرسم، حيث تم رفع الرسوم على تسميات من 2.5 في المائة لتصل إلى 10 في المائة أو 17.5 في المائة أو حتى 30 في المائة، وذلك بهدف حماية ودعم المنتجات الدوائية المصنعة محليا.