تصل الحكومتان في المغرب وإسبانيا إلى الاجتماع الرفيع الذي ينعقد هذا الخميس، 4 دجنبر الجاري، في مدريد، ومعهما خارطة الطريق التي وُقعت في مارس 2022 عقب التحول الذي قامت به مدريد لصالح مقاربة الرباط في قضية الصحراء. ورغم ما يزال بينها من بعض الإشكالية المحدودة، إلا أن الطرفين يدخلان هذا الموعد السياسي الكبير في مناخ أكثر هدوء، وإرادة واضحة لإعادة تثبيت الشراكة بعد سنوات من التوتر.
في الأشهر الأخيرة، بدا أن الرباط حصلت على دعم دبلوماسي لافت، بعدما عبّرت دول مؤثرة داخل الأمم المتحدة عن مساندتها لمقترح الحكم الذاتي. وفي مدريد، قُرئ ذلك باعتباره ضمانة لاستقرار المنطقة. يقول مصدر حكومي إسباني لصحيفة "الباييس": "مصلحة إسبانيا أن يكون المغرب شريكا قويا يمكن الاعتماد عليه"، في إشارة إلى أن توسّع الاعتراف الدولي بالمبادرة المغربية يفتح الباب لمرحلة أكثر واقعية.
الجانب الاقتصادي، وهو العمود الفقري للعلاقات الثنائية، وصل إلى أرقام غير مسبوقة. فقد تجاوز التبادل التجاري بين البلدين عتبة 20 مليار أورو سنويا، لتحتفظ إسبانيا بلقب الشريك الأول للمغرب، بينما بات المغرب أكبر وجهة إفريقية للاستثمارات الإسبانية. الصناعة والطاقة والبنية التحتية تشكّل اليوم محركات رئيسية لهذه الشراكة، وفق تقديرات أورَدتها وسائل إعلام إسبانية مثل "إلباييس" و"لافانغارديا".
أما ملف الهجرة، الذي ظل لسنوات بؤرة خلاف، فقد أصبح اليوم مثالا على أنه "حين تعمل السياسة بشكل جيد، تنعكس النتائج على الأرض". هكذا علّقت مصادر دبلوماسية في مدريد. وقد أشادت بروكسيل بالإدارة "المسؤولة والفعالة" التي يعتمدها المغرب. كما شهدت جزر الكناري انخفاضا ملحوظا في تدفقات الهجرة غير النظامية خلال الأشهر الأخيرة، بالتوازي مع تعزيز التنسيق الأمني في معبري بسبتة ومليلية.
وتدخل مشاريع النقل بين البلدين بدورها إلى جدول أعمال القمة. الرابط الثابت عبر مضيق جبل طارق، وهو مشروع بقي لسنوات في الأدراج، عاد إلى الواجهة بقوة. لجنة الخبراء المشتركة عادت للاجتماعات، وتقدّمت في الدراسات التقنية، كما ذكرت "إل موندو". فإذا قُدّر لهذا المشروع أن يتحقق، فسيعيد رسم حركة البشر والتجارة بين ضفتي المتوسط.
وتُسجّل مدريد باهتمام الدور الذي يلعبه المغرب في الانتقال الطاقي. فالرباط، التي راكمت تجربة رائدة في الطاقات المتجددة، تسعى لفتح أبواب جديدة للتعاون مع الشركات الإسبانية في مجالات الربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر، وهو قطاع يثير اهتماما متزايدا لدى صناع القرار في مدريد وبروكسيل.
صحيح أن نقاطاً خلافية ما تزال حاضرة، مثل ترسيم الحدود البحرية أو استكمال فتح الجمارك التجارية، لكن لغة القطيعة لا توجد في قاموس البلدين. في الرباط ومدريد، المزاج العام يقول إن "ما يجمع البلدين أكبر مما يفرقهما".
ويلخص دبلوماسي إسباني الموقف بعبارة لافتة: "العلاقة مع المغرب ليست خيارا، بل ضرورة مشتركة". ومن الجانب المغربي يأتي الصوت ذاته تقريباً: "البلدان يكسبان عندما ينظران إلى الأمام".
بهذه الروح، تبدو قمة مدريد محطة جديدة في مسار طويل ومعقد، لكنه يظل أحد أهم المسارات التي ترسم استقرار غرب المتوسط ومستقبله.