في تحليل مفصل لإحدى أبرز قنوات انتقال قراراته، كشف بنك المغرب في ورقة عمل حديثة أصدرها، أخيرا، بعنوان "السياسة النقدية وأسعار الأصول العقارية في المغرب"، عن وجود تأثير سلبي ولكنه بطيء وضعيف نسبيا للسياسة النقدية التقييدية على أسعار العقار في المغرب.
واعتمدت الدراسة، التي أنجزتها الباحثة حسناء حمو وعلي، والتي غطت بيانات الفترة الممتدة من سنة 2006 حتى الربع الأول لعام 2024، على نموذج الانحدار الذاتي المتجه الهيكلي (SVAR) لتحديد حجم وطبيعة هذه الاستجابة.
وأظهرت النتائج الكمية للدراسة أن تأثير صدمات أسعار الفائدة يأتي بعد فترة زمنية طويلة نسبيا وبحجم متواضع، مفيدة أن صدمة سعر الفائدة بين البنوك (TMP)، وهي صدمة ترفع السعر المرجعي بـ10 نقاط أساس، تؤدي إلى انخفاض أسعار المساكن بنسبة 0.4 في المائة، ويحدث هذا بعد أربعة فصول (سنة كاملة)، في حين أن صدمة أسعار سندات الخزينة (TBR_1Y)، وهي زيادة قدرها 12 نقطة أساس في سعر فائدة السندات لأجل سنة واحدة، تؤدي إلى انخفاض أسعار المساكن بنسبة 0.3 في المائة، ويظهر هذا التأثير متأخرا بعد ستة فصول (سنة ونصف).
وأرجعت الدراسة الطبيعة المتأخرة والمحدودة لهذه الاستجابة إلى جملة من الجمود الهيكلي، التي يتميز بها السوق العقاري المغربي، كاشفة أن هذا الجمود الهيكلي يتجلى في هيمنة القروض ذات الفائدة الثابتة، الشيء الذي يقلل من تأثر المقترضين الحاليين بالتغيرات الفورية في سعر الفائدة الرئيسي، وكذا في القطاع غير الرسمي الواسع، حيث تتم نسبة كبيرة من المعاملات العقارية خارج الرقابة التنظيمية الرسمية.
وأبرزت الدراسة الأهمية القصوى للقطاع العقاري في النظام المالي، حيث وصلت القروض العقارية المستحقة حتى عام 2023 ما مجموعه 303 ملايير درهم، وهو ما يمثل أكثر من 28 في المائة من إجمالي الائتمان البنكي الممنوح، مفيدة أن قروض السكن، تحديدا، شهدت نموا مطردا لتصل إلى 243 مليار درهم.
وتخلص الدراسة إلى أن فهم آليات انتقال السياسة النقدية في ظل هذه الخصائص الهيكلية، يعد أمرا بالغ الأهمية لصانعي السياسات الذين يسعون إلى الموازنة بين أهداف النمو الاقتصادي والاستقرار المالي، مؤكدة ضرورة الأخذ في الاعتبار هذا التأخير الزمني عند صياغة القرارات النقدية.
وبالنسبة لدور قروض السكن في آلية انتقال السياسة النقدية، كشفت الدراسة أن قروض السكن (أو الرهن العقاري) تعد القناة الرئيسية التي تنتقل عبرها تأثيرات السياسة النقدية إلى أسعار العقارات، وذلك لسببين أساسيين ذكرتهما الدراسة، يهمان قناة الائتمان (Credit Channel)، فعندما يرفع بنك المغرب سعر الفائدة الرئيسي، يصبح اقتراض المال من البنوك أكثر تكلفة، وهذا الارتفاع يترجم إلى أسعار فائدة أعلى على قروض السكن الجديدة، مما يقلل من قدرة الأسر على تحمل تكاليف الاقتراض، وبالتالي يقلل من الطلب على المساكن، وينعكس سلبا على الأسعار.
كما تعزو الدراسة نفسها السبب الثاني إلى الجمود الهيكلي، حيث كشفت الدراسة أن هيمنة القروض ذات الفائدة الثابتة في المغرب تقلل من سرعة وكفاءة انتقال تأثير السياسة النقدية، مؤكدة أن الأسر التي لديها قروض سكن بأسعار ثابتة لا تتأثر بالتغيرات الجديدة في أسعار الفائدة المرجعية، مما يساهم في إبطاء وتأخير استجابة أسعار العقارات.
وخلصت الدراسة إلى أن قروض السكن تمثل الوزن الأكبر في القطاع العقاري، وهي القناة الأساسية التي يحاول بنك المغرب من خلالها التأثير على استقرار أسعار العقارات، رغم وجود عوامل هيكلية (مثل القروض ذات الفائدة الثابتة) التي تبطئ من فعالية هذا التأثير.