في الساعات الأولى من فجر الخميس 16 أكتوبر، استفاقت مدينة تارودانت على وقع كارثة غير مسبوقة، بعدما شبّ حريق ضخم في سوق "جنان الجامع" بالمدينة العتيقة، أحد أقدم المراكز التجارية وأكثرها حيوية، مخلّفًا خسائر مادية جسيمة وصدمة عميقة بين سكان المدينة والتجار الذين فقدوا في دقائق ما بنوه خلال سنوات.
وبحسب مصادر محلية لـ"الصحراء المغربية"، فقد اندلع الحريق بشكل مفاجئ داخل السوق دون أن تُعرف أسبابه بعد، وانتشرت ألسنة اللهب بسرعة هائلة بسبب طبيعة السوق المتشابكة وضيق أزقته، فضلاً عن احتواء عدد من المحلات على مواد سريعة الاشتعال كالأقمشة والبلاستيك.
عناصر الوقاية المدنية هرعت إلى المكان فور الإشعار، مدعومة بالسلطات المحلية والأمن الوطني، لمحاولة السيطرة على النيران، لكن ضيق الممرات والتكدس الكبير للمحلات صعّبا مهمة الإطفاء، لتتحول العملية إلى سباق مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وقالت شهادات من عين المكان إن النيران التهمت نحو 85 بالمئة من المحلات التجارية، في حين لم تُسجَّل أي خسائر في الأرواح حتى الآن. أما الخسائر المالية، فتُقدر بملايين الدراهم، في وقت ما زال فيه الدخان يتصاعد من بين الأنقاض.
وأظهرت صور تداولها التجار على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد مروّعة: صفوف من المحلات تحوّلت إلى رماد، وسلع متفحمة متناثرة بين الركام، فيما وقف أصحابها مذهولين أمام المشهد، غير مصدقين أن كل ما ادخروه صار أثرًا بعد عين.
عدد من التجار تحدّثوا عن حالة حزن وذهول تخيّم على المدينة، معتبرين أن الكارثة وقعت في لحظة حساسة، حيث يستعد كثير منهم لمواسم البيع القادمة. وقال أحدهم: "كأن النار أكلت سنوات من التعب أمام أعيننا، ولم نملك إلا البكاء."
وفيما فتحت المصالح الأمنية تحقيقًا قضائيًا تحت إشراف النيابة العامة لمعرفة أسباب الحريق وتحديد المسؤوليات المحتملة، رجّحت بعض الآراء أن تكون مشاكل في الشبكة الكهربائية أو ضعف الصيانة وراء تفاقم الحادث، دون تأكيد رسمي حتى الآن.
السلطات المحلية بدورها أعلنت عن تدابير عاجلة لتطويق الخسائر ومنع امتداد الحريق إلى باقي الأحياء المجاورة، مع وعود بدعم المتضررين في أقرب وقت.
ويُرتقب أن يُفتح نقاش واسع في المدينة حول ضعف التدابير الوقائية داخل الأسواق الشعبية، خصوصًا تلك التي تعاني من بنية تحتية متقادمة وشبكات كهربائية متهالكة. فـ"جنان الجامع"، الذي كان قلبًا نابضًا للحياة التجارية، صار اليوم رمزًا مؤلمًا لهشاشة البنية التحتية وضعف أنظمة السلامة.
ويطالب التجار والساكنة اليوم بإعادة تأهيل السوق وفق معايير حديثة تضمن السلامة وتُجنب المدينة كوارث مماثلة في المستقبل، من خلال تركيب أنظمة إنذار مبكر وإطفاء أوتوماتيكية، وتنظيم المساحات الداخلية، وتأهيل الشبكات الكهربائية.
كارثة "جنان الجامع" ليست مجرد حريق عابر، بل جرس إنذار للسلطات والجماعات المحلية حول ضرورة إعادة التفكير في كيفية إدارة الأسواق العتيقة، حيث تختلط التجارة اليومية بتاريخ المدينة، وتلتقي النار مع الإهمال لتصنع مأساة.
تارودانت: سعيد أهمان