في ظل النقص الكبير في عدد السائقين المهنيين داخل أوروبا، وعلى رأسها إيطاليا، أعلنت السلطات الإيطالية عن تفعيل اتفاق مع المغرب يتيح الاعتراف المتبادل برخص السياقة، مما يفتح الباب أمام السائقين المغاربة للعمل بشكل قانوني ومؤطر في سوق النقل الأوروبي، وذلك دون الحاجة لاجتياز اختبارات إضافية بعد الاستقرار في إيطاليا.
ويأتي هذا الاتفاق، الذي دخل حيز التطبيق في يونيو، في توقيت حساس بالنسبة للبلدين، إذ تعاني إيطاليا من أزمة غير مسبوقة في قطاع النقل بسبب تقاعد أعداد كبيرة من السائقين المحليين، ورفض الشباب الإيطالي الاشتغال في ظروف قاسية ومرتبات غير مغرية. ووفق بيانات رسمية نشرها الاتحاد الوطني للنقل في إيطاليا (Confartigianato Trasporti)، فإن البلاد تحتاج بشكل عاجل إلى أكثر من 20,000 سائق شاحنة لسد الخصاص، خاصة في نقل السلع عبر المدن والموانئ الكبرى.
من جهة أخرى، يسعى المغرب إلى تعزيز فرص تشغيل الشباب، وتصدير كفاءاته في إطار هجرة مهنية قانونية ومنظمة، بدل الهجرة غير النظامية. وهذا ما جعل الاتفاق يلقى ترحيباً واسعاً لدى المؤسسات الحكومية وعلى رأسها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك)، التي أشرفت على تنسيق المشروع تقنياً ولوجيستيكياً.
وفي هذا السياق، احتضنت مدينة الدار البيضاء، بداية يوليوز الجاري، ورشة تقنية ضمت مؤسسات مغربية وإيطالية، عمومية وخاصة، إلى جانب ممثلين عن الاتحاد الأوروبي، لبحث سبل تنسيق برامج التكوين المهني المغربية مع المعايير الأوروبية، قصد تسهيل إدماج السائقين المغاربة في سوق الشغل الأوروبي.
وشدد المشاركون في الورشة على أن مطابقة برامج التكوين مع المعايير الأوروبية لن تساهم فقط في تسهيل اندماج السائقين في الخارج، بل ستعزز أيضًا من جودة النقل والسلامة الطرقية داخل المغرب.
"أنابيك" في قلب المشروع
أشرفت الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات "أنابيك" على تنسيق هذه المبادرة، التي تُعد من أبرز مشاريع التعاون في مجال التكوين والتشغيل بين المغرب ودولة أوروبية. وترى "أنابيك" في هذا الاتفاق فرصة لتعزيز التشغيل المنظم وتقليص البطالة، خصوصاً في فئة الشباب المؤهلين.
سعيد.م، شاب من العاصمة الاقتصادية في الثلاثين من عمره، حاصل على رخصة سياقة من الصنف C+E، يقول:
"درت تكوين في مراكز مهنية معتمدة، لكن الخدمة قليلة هنا فالمغرب. اليوم كاين فرصة ندير مساري المهني فإيطاليا قانونياً، بلا ما نغامر ولا نخاطر."
أما موني عزيز، مسؤول في مركز تكوين السائقين بالدار البيضاء، فأكد أن الطلب على التكوين المهني في مجال النقل ارتفع بـ40% منذ بداية 2025، والناس كيسولو بزاف على شروط العمل فإيطاليا وألمانيا".
امتيازات الاتفاق
الاتفاق بين الرباط وروما، الذي بدأ تنفيذه فعلياً يوم 3 يونيو 2025، يسمح للمقيمين الجدد في أي من البلدين باستخدام رخصتهم الأصلية لمدة معينة، مع إمكانية استبدالها بأخرى محلية دون الحاجة لاجتياز امتحانات نظرية أو تطبيقية، وهو ما يوفر الوقت والمال للمهاجرين الجدد.
كما أن الاعتراف المتبادل يندرج ضمن اتفاقية أوسع تهدف إلى مواءمة برامج التكوين المغربية مع المعايير الأوروبية، ما سيمكن السائقين المغاربة من ولوج سوق الشغل الدولي بكفاءة مهنية عالية.
خلفية اقتصادية واجتماعية
يعكس هذا الاتفاق تحولا نوعيا في العلاقة بين المغرب ودول الاتحاد الأوروبي، حيث لم تعد الهجرة تتم عبر قوارب الموت، بل من خلال قنوات قانونية ومؤطرة، تستند إلى التكوين والتعاقد الواضح، ما يُمكّن الشباب المغربي من العمل في الخارج بكرامة وحقوق مضمونة.
من جهتها، تستفيد إيطاليا من طاقات جديدة لتجديد قطاع النقل المتضرر، وتفادي أزمة لوجستية تؤثر على سلسلة التوريد المحلية.