بل ثلاث سنوات تقريبا، دوّى إنجاز أسود الأطلس في مونديال قطر، ليعيد رسم خريطة كرة القدم الإفريقية ويكسر احتكاراً دام عقوداً.
لكن صحيفة "ليكيب" الفرنسية، التي تسكن تفاصيل اللعبة، ذهبت أبعد من نشوة اللحظة، لتكشف في تقريرها الأخير أن ما جرى في الملاعب لم يكن سوى واجهة لمشروع أكبر بكثير: مشروع ينهض فيه المغرب كقوة رياضية صاعدة على مستوى البنية التحتية، التنظيم، والرؤية. "ليكيب" لم تكتف بالكلام من بعيد، بل أرسلت عدساتها إلى سلا، وطنجة، والرباط، لتسرد للقراء ما يشبه الحلم المتحول إلى واقع.
مدينة رياضية من الجيل الجديد
في قلب هذا التحول، يقع مركز محمد السادس لكرة القدم بسلا، وهو عبارة عن مدينة رياضية ممتدة على 35 هكتاراً، تضم 11 ملعباً، 5 فنادق، مسبحاً أولمبياً، مركزاً طبياً متقدماً ومرافق تأهيل هي الأحدث في القارة. هذا ليس مجرد مجمع رياضي، بل كما يقول فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم: "إنه بيت لجميع المنتخبات الوطنية، من الفوتسال إلى فتيات أقل من 17 سنة. لا يمكننا أن نطمح إلى التميز بدون قاعدة موحدة تجمع الجميع."
الصحفيون الفرنسيون لم يُخفوا دهشتهم من مشهد أعشاش اللقالق المستقرة على أعمدة الإنارة.. مشهدٌ أبقته الجامعة نزولاً عند تعلّق الجمهور المحلي بها، في مشهد يرمز لتوازن نادر بين التحديث والهوية البيئية.
طنجة تُشيّد معجزة هندسية
على بعد 300 كلم شمالاً، يتحول ملعب ابن بطوطة بطنجة إلى ورشة عملاقة. من 45 ألف مقعد، يتوسع ليتسع لأكثر من 62 ألف متفرج، بفضل قبة معدنية ضخمة تغطي 55 ألف متر مربع، لتصبح ثاني أكبر منشأة من نوعها بعد ماراكانا البرازيلية.
الأمر لم يكن سهلاً. وفقاً للمهندس أنور عمّوي، كان الخيار الأفضل هو الهدم الكامل، لكن ضغط الوقت فرض التوسعة المعمارية الدقيقة. المشروع يوظف 1200 عاملاً ويستخدم معدات ثقيلة استقدمت خصيصاً من إسبانيا، واختبارات مقاومة الرياح أنجزت في ألمانيا.
التحضير للكان والمونديال في وقت واحد
في حواره مع "ليكيب"، يؤكد لقجع أن "تسعة ملاعب باتت جاهزة وفق المعايير، اثنان منها سيستضيفان أيضاً مونديال 2030." ويضيف أن "المغرب لا يطمح فقط لتنظيم البطولة، بل لربحها أيضاً." ويرى أن الكان 2025 ستكون بمستوى اليورو، مع التأكيد على أن إفريقيا تستحق منصة كونية تليق بأبنائها.
لكن هذه الطموحات، كما تكشف ليكيب، لا تتعلق فقط بكرة القدم. المشروع يحمل أبعاداً جيوسياسية واقتصادية: سياحة رياضية، استثمارات، نقل، تكنولوجيا، وإشعاع إقليمي.
الرؤية الملكية والديبلوماسية الرياضية
الصحيفة الفرنسية ربطت هذا التحول بثلاثية ذكية: الرؤية الملكية، الحوكمة الرياضية، والشراكات المالية. إذ يشكل المشروع وسيلة ديبلوماسية ذكية تعيد رسم صورة المغرب على الساحة الدولية. فما يحصل في ورش الملاعب يوازيه نشاط سياسي: مؤتمرات للاتحاد الإفريقي، متحف لكرة القدم، ومقر مستقبلي للفيفا في المغرب.
وتؤكد "ليكيب" أن "أكثر من 60% من نفقات الكان ستستفيد منها قطاعات غير رياضية: كالفنادق، والنقل، والبنية التحتية."
ورغم المديح، لم تهمل الصحيفة الانتقادات التي تساءلت عن جدوى هذه الاستثمارات في بلد يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية. لكنها تلفت إلى تغير نبرة النقاش: لم يعد السؤال "هل نحتاج هذه المشاريع؟"، بل أصبح "كيف نضمن مردودها؟".
في مركز محمد السادس، مثلاً، تقول المصادر إن المجمع خفض 30% من كلفة التحضيرات اللوجستية، وساهم في رفع جودة التدريب واستقطاب السياحة الرياضية.
ما قامت به "ليكيب" مثال واضح لقيمة الصحافة الجادة. فقد نقلت كاميراتها إلى الورش، أحصت عدد المقاعد، اختبرت زمن التنقل بين الفنادق والملاعب، وقابلت المهندسين والعمال. وبهذا تكون الصحافة قد مارست دورها الحقيقي: التحقق، المراقبة، والشرح.
وهذه التغطية ليست فقط دعاية مجانية، بل هي عنصر مهم في بناء ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين، وضمان الشفافية والرقابة الشعبية.
المغرب لا يحلم.. بل يخطط
قبل خمسة أشهر من الكان وخمس سنوات من المونديال، تختصر "ليكيب" المشهد بجملة واحدة: "المغرب لا يحلم.. بل يخطط ويعمل." إنها قصة بلد قرر أن يبني مستقبله الرياضي على أرض صلبة، حيث تلتقي المطرقة بالميكروفون، والعرق بالضوء.