وسط حضور وازن من شخصيات مغربية وإسبانية، ستوضع غذا الجمعة 2025 "أول حجر" رمزي لإعادة إحياء مبنى معهد سيرفانتيس التاريخي بزنقة الجزائر في قلب مدينة الدار البيضاء. خطوة تحمل دلالات عميقة، ليس فقط على المستوى الثقافي، بل أيضاً على مستوى الذاكرة المشتركة التي نسجها هذا المبنى منذ تشييده سنة 1934.
ففي مشهد يجمع بين التاريخ والثقافة والدبلوماسية، تشهد الدار البيضاء صباح هذه الجمعة مراسم انطلاق مشروع إعادة تأهيل مقر معهد سيرفانتيس، بحضور مديره العام الشاعر والكاتب لويس غارسيا مونتيرو، وسفير إسبانيا بالمغرب إنريكي أوخيدا، إلى جانب شخصيات مغربية بارزة مثل محمد مهيدية والي جهة الدارالبيضاء سطات، وعبد اللطيف معزوز رئيس الجهة، ونبيلة الرميلي عمدة المدينة.
الاحتفال لن يكن عادياً، بل سيتخذ طابعاً توثيقياً، حيث وُضعت في "الوعاء الزجاجي التذكاري" وثائق ومجلات وعملات ومقتطفات من أعمال أدبية مثل "دون كيشوت بقراءة مغربية"، إلى جانب تقرير سنوي للمعهد بعنوان "الإسبانية في العالم 2024"، ليكون هذا الحفل شهادة على مرحلة جديدة في عمر هذا الصرح الثقافي.
من رماد النسيان إلى وهج الثقافة
شُيّد معهد سيرفانتيس في عهد الجمهورية الإسبانية الثانية وكان يُستخدم حينها كمدرسة تحت اسم "بعثة تيرسو دي مولينا الثقافية الإسبانية"، قبل أن يتحول في بداية التسعينيات إلى مقر رسمي لمعهد سيرفانتيس بالدار البيضاء، حيث لعب دوراً محورياً في نشر اللغة والثقافة الإسبانية في المغرب.
وبفضل مشروع ترميم شامل يمتد إلى غاية 2026، سيتحول هذا المبنى، الممتد على مساحة تفوق 2300 متر مربع بين طابقين وقبو، إلى واحد من أهم مراكز معهد سيرفانتيس على مستوى العالم.
وراء هذه العملية المعمارية المتميزة يقف المهندسان خيسوس أولارغي وعمر علوي، اللذان وضعا رؤية جديدة تعيد للمبنى طابعه الأصلي على شكل حرف "U"، من خلال استرجاع تفاصيله المعمارية القديمة: الجدران البيضاء، والنوافذ والأبواب الخشبية الأصلية، وربطه مجدداً بساحاته الداخلية وخارجه، بما في ذلك فتح أبوابه نحو كاتدرائية القلب المقدس وحديقة جامعة الدول العربية المجاورة.
ولن يكون المعهد مجرد مبنى، بل فضاء ثقافي متكامل يضم مكتبة، وقاعة عروض، ومقهى أدبي، وورشات، وحديقة مفتوحة، وقاعات دراسية وإدارية، تعيد للفضاء حضوره المدني والثقافي داخل قلب العاصمة الاقتصادية للمغرب.
الدار البيضاء تحتضن اللغة الإسبانية
الدار البيضاء ليست فقط المدينة التي تحتضن أقدم معهد سيرفانتيس في المغرب، بل أيضاً واحدة من أكثر المدن نشاطاً في تعليم اللغة الإسبانية، حيث يحتل معهدها المرتبة الخامسة عالمياً من حيث ساعات التدريس. ففي السنة الأكاديمية 2023-2024، سجّل المعهد ما يزيد عن 173 ألف ساعة تعليمية، بزيادة لافتة بلغت 37% عن السنة السابقة.
كما ارتفع عدد المسجلين إلى أكثر من 5.258 طالباً، فيما بلغ عدد المترشحين لامتحان DELE لتحديد الكفاءة في اللغة الإسبانية أكثر من 1.500 شخص، مع نمو بنسبة 24%، وافتتاح خمس مراكز امتحان جديدة بالمدينة ومحيطها.
المعهد الذي نقل مؤقتاً أنشطته التعليمية إلى شارع "كوري" القريب من زنقة الجزائر ريثما تنتهي الأشغال، يُعد اليوم جزءاً من استراتيجية إسبانية متكاملة لتعزيز حضورها الثقافي في المغرب، خاصة وأن عدد متعلمي الإسبانية في البلاد يفوق 62 ألف طالب، وقرابة 1.7 مليون مستخدم محتمل للغة حسب معطيات معهد سيرفانتيس لسنة 2023-2024.
ومع إعادة الحياة لهذا المبنى العريق، لا يستعيد الإسبان فقط واجهتهم الثقافية في المغرب، بل يُجددون عقداً تاريخياً من التبادل الإنساني والثقافي مع بلدٍ كان دائماً بوابة لهم نحو الجنوب، كما يُقدم للمغاربة فضاءً جديداً للانفتاح على حضارة أخرى، بلغة وأدب وتاريخ مشترك