في تحليله الأخير، أبرز معهد Instituto Coordenadas الإسباني الرصين أن التسوية النهائية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية باتت أقرب من أي وقت مضى، في ظل التغيرات الجيوسياسية الدولية والدعم الأمريكي المتجدد والصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وقد أشار المعهد، المعروف بتحليلاته الدقيقة حول تقاطع الحوكمة والاقتصاد، إلى أن المغرب استطاع، خلال السنوات الأخيرة، أن يحقق مكاسب دبلوماسية حاسمة، خاصة بعد اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ولايته الأولى بسيادة المغرب على صحرائه. واليوم، مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، يُتوقع أن تُستكمل هذه الدينامية بوضع خارطة طريق نهائية لحل هذا النزاع الذي طال أمده في شمال إفريقيا.
مبادرة الحكم الذاتي: الحل الوحيد الواقعي
أكد التحليل أن إدارة ترامب الجديدة تُولي أهمية استراتيجية قصوى لهذا الملف، حيث يدفع وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بقوة في اتجاه دعم المبادرة المغربية باعتبارها "الحل الواقعي والوحيد الممكن" لإنهاء النزاع، داعيًا الجزائر والبوليساريو إلى الجلوس إلى طاولة الحوار مع المغرب وقبول مبدأ الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كإطار نهائي للتسوية.
كما أوضح التقرير أن واشنطن تدرس جدياً مراجعة أو حتى تعليق تمويل بعثة "المينورسو"، ما يشير إلى رغبة أمريكية في الدفع نحو تسريع الحل وتجاوز مرحلة الجمود الطويل.
ضغوط أمريكية على الجزائر... وفرص اقتصادية كبيرة
في قراءة متعمقة للمعادلة، يرى التحليل أن الجزائر ستكون أمام خيارين واضحين: إما الاستجابة للعرض الأمريكي المتمثل في دعم اقتصادي هائل، وزيادة الاستثمارات في قطاع الطاقة، ونقل التكنولوجيا الغربية، مقابل تعديل موقفها بشأن الصحراء، أو مواجهة عزلة دبلوماسية متزايدة وإمكانية فرض عقوبات ثانوية على الجهات الجزائرية الداعمة للبوليساريو.
البوليساريو تحت مجهر الإرهاب الدولي
وحذر التحليل من تصاعد الأصوات في الولايات المتحدة التي تطالب بإدراج جبهة البوليساريو على لائحة التنظيمات الإرهابية الأجنبية، استنادًا إلى دراسة نشرها معهد Hudson Institute الأمريكي في أبريل 2025، تدعو بوضوح إلى تصنيف الجبهة ككيان إرهابي وفق القانون الأمريكي.
واعتبر المعهد، من جهة أخرى، أن المغرب أصبح اليوم حليفًا لا غنى عنه في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بالقارة الإفريقية، لاسيما في منطقة الساحل التي تواجه تحديات أمنية خطيرة. وقد باتت الرباط، بفضل استقرارها السياسي وريادتها الإقليمية، حجر زاوية في الأمن الإقليمي، خصوصًا في ظل تزايد النفوذ الصيني في القارة.
كما أن التوترات المستمرة في منطقة الصحراء تُعيق استغلال ثروات حيوية مثل اليورانيوم والذهب والمعادن النادرة التي تعتبر ضرورية لسلاسل الإمداد العالمية. ولذلك، فإن حل النزاع يخدم المصالح الاستراتيجية للاقتصاد العالمي وللولايات المتحدة خصوصًا.
الاتحاد الأوروبي مدعو للانخراط
يرى معهد Instituto Coordenadas أن سنة 2025، التي تصادف الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، قد تكون سنة الحسم، في ظل تحركات أمريكية قوية تهدف إلى فرض اتفاق سياسي شامل يُعزز الاستقرار في شمال وغرب إفريقيا.
وحذر المعهد من أن غياب موقف أوروبي واضح وموحد قد يُقصي الاتحاد الأوروبي من المعادلة الجيوسياسية الجديدة في المنطقة، ما يتطلب من بروكسيل دعم الدينامية الحالية والانخراط بفعالية في مسار الحل.
يعد معهد Instituto Coordenadas واحدًا من أبرز مراكز التفكير والتحليل في إسبانيا، ويشتغل على تقاطع الحوكمة والاقتصاد التطبيقي، مستنيرًا بمبادئ الاستقلالية والتعددية والتحليل الأكاديمي الرصين. ويهدف المعهد إلى بلورة رؤى استراتيجية تخدم التنمية الاقتصادية، وتعزز الرفاه الاجتماعي، وتحترم مبادئ الاستدامة في عالم متغير.
ويعتمد المعهد في تحليلاته على فرق عمل من خبراء رفيعي المستوى، وينشر دراساته في أوساط رسمية واقتصادية وإعلامية وازنة في أوروبا وأمريكا اللاتينية.