كشفت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها استمرار الوضع غير المرضي لمستوى تفشي الفساد بالمغرب، موضحة في تقريرها السنوي 2022، والمتكون من 215 صفحة، أن ذلك يؤكده مسلسل تراجع المغرب في مؤشر مدركات الفساد بـ 5 نقاط (38/ 100)، وبـ 21 رتبة (94/ 180 دولة)، خلال السنوات الأربع الأخيرة.
وقال محمد بشير الراشدي، رئيس الهيئة، خلال ندوة صحفية نظمتها اليوم الأربعاء بالعاصمة الرباط، لتقديم التقرير السنوي، إن استمرار هذا الوضع غير المرضي يوضح شبه الركود الذي يعرفه التطور في محاربة الفساد على مدى 25 سنة، إذ أن المغرب لم يحسن من ترتيبه ولم يرتق إلا نقطة واحدة، وهو ما يؤدي إلى حرمان دينامية التنمية من الاستفادة من كامل الإمكانات والطاقات المتاحة ببلادنا.
وفي تشخيص الهيئة لتطور وضعية الفساد على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، أبرز الراشدي أن المغرب يسجل تجاوبا سلبيا مع المؤشرين الفرعيين المتعلقين بالحقوق السياسية بنقطة 13 على 40، والحقوق المدنية بنقطة 24 على 60 فيما يتعلق بمؤشر الحرية "فريدوم هاوس".
وأضاف الراشدي أنه فيما يتعلق بمؤشر الحرية الاقتصادية " the heritage fondation " سجل المغرب نتيجة سلبية في المؤشر الفرعي للفعالية القضائية بـ 32.8 على 100، و38.7 على 100 في المؤشر الفرعي لنزاهة الحكومة، واحتل الرتبة 97 عالميا ضمن 176 دولة في مؤشر الحرية الاقتصادية.
أما مؤشر سيادة القانون الصادر عن مؤسسة "مشروع العدالة الدولية"، يقول رئيس الهيئة، فاحتل المغرب الرتبة 94 ضمن 140 دولة مشمولة بالمؤشر، وتراجع أيضا في المؤشرات الفرعية لكل من العدالة الجنائية وغياب الفساد والحقوق الأساسية والحكومة المنفتحة، مشيرا إلى أن المغرب سجل كذلك، بخصوص مؤشر الميزانية المفتوحة، تنقيطا سلبيا بـ 7 على 100 في المؤشر الفرعي للمشاركة العمومية في الميزانية، وتنقيطا دون المعدل في المؤشر الفرعي للمراقبة، وتنقيطا بـ 44 على 100 فيما يتعلق بالمراقبة البرلمانية للميزانية.
وفي مواصلة للتراجعات التي رصدتها التقرير السنوي للهيئة، أكدت ارتفاع مستوى الإدراك بتفاقم الفساد بالمغرب من خلال استقرائها لنتائج البارومتر العربي حول المغرب، والتي جاءت مؤكدة على استمرار تفشي الفساد، خاصة، في أوساط الفقر والهشاشة والبعد عن المركز، بما رسخ الاقتناع لدى الهيئة بأن التكلفة الكبرى للفساد يتحمل أعباءَها الأشخاص المنتمون إلى هذه الأوساط، وبأن تجليات الفساد يمكن تلمُّسها في الحقوق التي يُحرم منها هؤلاء في التعليم الجيد والسكن اللائق والرعاية الصحية وغيرها من الحقوق الأساسية.
الفساد أكبر انشغالات المغاربة وينتشر بشكل واسع في قطاع الصحة
وفي خلاصة لدراسة ميدانية وطنية حول الفساد بالمغرب، ضمن محتويات تقرير الهيئة لسنة 2022، كشفت أن الفساد من أكبر انشغالات المغاربة، إذ يحتل المرتبة السادسة من بين انشغالات المغاربة القاطنين، والمرتبة الثانية بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، والمرتبة الثامنة بالنسبة للمقاولات.
ولفتت الهيئة إلى أن الدراسة شملت 5 ألاف مغربي مقيمين بالمناطق الحضرية والقروية، ومن الجنسين ابتداء من 18 سنة وما فوق ومن جميع جهات المملكة الـ 12، كما شملت 1029 مغربي مقيم بالخارج، و1100 مقاولة.
وبخصوص الانطباع العام لمستوى انتشار الفساد، أوردت الدراسة، في نتائجها، أن الفساد يعتبر شائعا جدا أو واسع الانتشار في المغرب، بمعدل تنقيط يصل إلى 7.9 من أصل 10 درجات بالنسبة لـ 72 بالمائة من المواطنين المغاربة القاطنين، وبمعدل 7.2 بالنسبة لـ 65 في المائة من المغاربة المقيمين بالخارج، وبمعدل 7.6 بالنسبة لـ 68 في المائة من المقاولات.
كما أشارت عينات الدراسة إلى أن الفساد من بين العوامل التي تعيق الاستثمار في المغرب، وهو ما يعتقده 26 في المائة للمغاربة المقيمين بالخارج، معتبرين الفساد العقبة الرئيسية في وجه استثمارهم في بلدهم الأم، وبنسبة 63 في المائة من العقبات الرئيسية الثلاثة، وهو بذلك يحتل المرتبة الثانية من بعد الإجراءات الإدارية التي احتلت الصدارة بـ 67 في المائة.
في حين صرحت 18 في المائة من المقاولات، التي خططت لاستثمارات أو نفذتها أنها واجهت أحد أشكال الفساد خلال الـ 24 شهرا الماضية.
وبخصوص تصور مستوى الفساد حسب القطاعات، خلصت الدراسة إلى أنه سواء المغاربة المقيمين أو المغاربة المقيمين بالخارج أو المسؤولين داخل المقاولات يرون أن الفساد لا يستثني أي قطاع لكن بدرجات متفاوتة، حيث احتل قطاع الصحة سواء العام او الخاص النرتبة الاولى لانتشار الفساد بشكل واسع ب 76 في المائة عند مغاربة الخارج. و68 في المائة عند المغاربة المقيمين. و75 في المائة للمقاولات. وبخصوص تصور الفساد حسب المجالات بالنسبة للمقاولات، أن ثلاث مجالات هي الأكثر تضررا، بنسبة 57 في المائة لمنح التراخيص والمأذونيات والرخص الاستثنائية، وبـ 51 في المائة للصفقات والمشتريات العمومية، و50 في المائة للتوظيف والتعيين والترقية في القطاع الخاص.
ضعف قضايا التبيلغ والفساد المعروضة أمام القضاء
وخلافا لارتفاع معدلات الإدراك بتفاقم الفساد، رصدت الهيئة في تقريرها السنوي ضعفا ملحوظا في عدد قضايا الفساد المعروضة على القضاء، حيث نبهت إلى ضرورة تجاوز الإكراهات التي تشكل كوابح حقيقية أمام انخراط واع ومسؤول لكافة المعنيين في القيام بواجب التبليغ عن أفعال الفساد، الجماعي، وأن ذلك رهين بتصحيح بعض الأعطاب القانونية والمسطرية، وتوعية المواطنين بمخاطر الفساد وآثارها الفردية والجماعية الوخيمة، مع توفير أنواع من الضمانات والحمايات لسائر المعنيين بالتبليغ.
هيمنة التدبير القطاعي في استراتيجيات السياسات العمومية
وفي تتبعها لتنفيذ وتقييم الاستراتيجيات والسياسات العمومية، شددت الهيئة على أنها واصلت خلال سنة 2022 مسار تقييمها للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد الذي ابتدأ منذ سنة 2019، راصدة، في هذا الإطار، مشاريع وإجراءات لم تنجز أو وجهت بكفية غير ناجعة، وبالتالي يجب إعادة تأطيرها.
ووفقا للتقرير، وقفت الهيئة على أوجه القصور التي حالت دون تمكن الاستراتيجية من تحقيق الأثر المنتظر منها وتغيير منحنى تطور وضع الفساد بالمغرب، حيث رصدت ضعف تعبئة الفاعلين المعنيين، والافتقار إلى التنسيق الفعال ومراقبة البرامج والمشاريع، وهيمنة التدبير القطاعي على حساب منطق البرمجة المندمجة، وغياب ترسيخ منهجية لتحديد الأولويات على مستوى الاستهداف المبني على دراسة الوقع والأثر الشامل، واستمرار ضعف المقروئية في تحديد الميزانيات المخصصة للاستراتيجية الوطنية، وعدم اصطحاب الاستراتيجية بمخطط تواصل موضوعي مناسب يسمح بإضفاء المصداقية على السياسات المتبعة وبتعبئة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين وغيرهم من الجهات المعنية، وسيطرة الإجراءات التشريعية دون المواكبة الكافية لتنزيلها الناجع وجعلها فعلية وفعالة.
وأوصت الهيئة، في هذا الصدد، بإضفاء الطابع المؤسساتي على تنسيق البرامج، من خلال وضع إطار مؤسساتي للتعاون والتشاور والتكامل بين الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها والحكومة وكذا مختلف السلطات والمؤسسات والمتدخلين الآخرين في الاستراتيجيات الوطنية والسياسات العمومية، ومراجعة مرسوم اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد في اتجاه تقوية وتجويد حكامة الاستراتيجية، وضمان تتبع تنفيذ برامجها ومشاريعها وتقييم أثرها، مع إدراج سطر خاص بمكافحة الفساد في ميزانية الإدارات لضمان التمويلات اللازمة للمشاريع.
النزاهة والاخلاقيات لتحسين مناخ الأعمال
أكدت الهيئة على العلاقة الوطيدة بين مناخ الأعمال وجودة الحكامة والبيئة المؤسسية، وما تتطلبه هذه العلاقة من مجهودات لتبسيط الإجراءات ورفع الحواجز التي تعترض سبيل المستثمرين ورجال الأعمال في تنمية أعمالهم، مما يحول دون تزايد وتنويع الاستثمار والمستثمرين.
وأوصت الهيئة، في هذا الباب، على إثراء خارطة طريق اللجنة الوطنية لتحسين مناخ الأعمال 2023-2026، بإضافة ركيزة رابعة إلى هذه الاستراتيجية، تتمحور حول "الأخلاقيات والنزاهة والوقاية من الفساد"، وتهدف لتحسين الظروف الهيكلية لعملية الاستثمار وريادة الأعمال، ودعم التنافسية الوطنية، وتطوير بيئة مواتية لريادة الأعمال والابتكار، تسمح بتوسيع عدديا ونوعيا قاعدة الاستثمار وفئات المستثمرين.
انعدام التجاوب مع أزيد من 1000 توصية واقتراح
سجلت الهيئة ضعف أو شبه انعدام في التجاوب مع تقاريرها السنوية السابقة، والتي تتضمن ما يناهز 1000 توصية واقتراح، وتعكس المنظور الشمولي والمندمج والمتكامل لمشروعها الاقتراحي الذي يتوخى إرساء مقاربة جديدة وهادفة للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، كفيلة بإعادة بناء الثقة وضمان الانخراط والتعبئة الواسعة، وتجفيف بؤر الفساد، وخلق بيئة ضامنة للردع ومكافحة الإفلات من العقاب ببلادنا.
ورغم أنها عزت عدم التجاوب إلى خصوصية الفترة الانتقالية التي سبقت دخول القانون رقم 46.19 حيز التنفيذ، إلا أنها شددت، في تقريرها الأخير، على التزامها بالعمل على توفير الشروط الموضوعية لاضطلاعها بتفعيل كامل الآليات المتاحة، للتنسيق وضمان انخراط سائر المعنيين وتجاوبهم موضوعيا مع توصياتها ومقترحاتها في إطار التعاون والتكامل المؤسسي.
الرقمنة لتعزيز الوقاية من الفساد ومكافحته
قدمت الهيئة خلال سنة 2022 ثلاثة تقارير موضوعاتية، أولها "التحول الرقمي، رافعة للشفافية ومكافحة الفساد"، مسلطة الضوء على الارتباط القوي بين التحول الرقمي والوقاية ومكافحة الفساد، قبل أن ترصد المداخل الأساسية لجعل التحول الرقمي دعامة أساسية لتعزيز قيم النزاهة والتبسيط والقرب وتقليص الاحتكاك وضمان إمكانية التتبع والمساءلة، بما يضمن تطويق بؤر انتعاش الفساد وتداعياته في مختلف الخدمات المقدمة سواء للمواطنين أو للمستثمرين وللمقاولين.
تنازع المصالح في ممارسة الوظائف العمومية
وهو التقرير الموضوعاتي الثاني الذي يتضمنه التقرير حول "تنازع المصالح في ممارسة الوظائف العمومية: من أجل منظومة ناجعة للتأطير والمعالجة والضبط". حيث يندرج ضمن المشاريع المنضوية في إطار توجه الهيئة الاستراتيجي المتعلق بتجفيف بؤر الفساد، والذي يروم النهوض بآليات احترازية وردعية لتطويق ومحاصرة الانحرافات والتجاوزات المحتملة التي قد تُفرزها ممارسة الوظائف العمومية؛ وهو التوجُّه الاستراتيجي الذي قدَّمت الهيئةُ في إطاره منظورها بخصوص بناء منظومة جديدة للتصريح بالممتلكات، وتقعيد رؤية تأصيلية لمكافحة الإثراء غير المشروع.
وأكد التقرير أن إرساء منظومة متكاملة لتأطير ومعالجة وضبط وضعيات تنازع المصالح، يستدعي وضع إطار تشريعي عام يحدد المفاهيم ويؤطر هذا المجال.
تشجيع الصحافة الاستقصائية
وهو التقرير الموضوعاتي الثالث للتقرير، الذي يتمحور حول "الصحافة الاستقصائية: من أجل دور فاعل في مكافحة الفساد". ويروم المساهمة في إثارة الاهتمام بهذا الجنس الصحفي والعمل على توفير أرضية لتشجيع بروزه بمزيد من الاحترافية والدقة والمسؤولية، ليضطلع بدور وازن في التبليغ وإثارة التنبيهات عن بؤر ومعاقل الفساد.