أضحت تقنية الزرع المباشر تحظى باهتمام متزايد من قبل الفلاحين المغاربة، وبدأت رقعة الأراضي الفلاحية المزروعة بهذه التقنية تتسع، خاصة بعد النتائج التي تم تحقيقها على صعيد المحاصيل، بالرغم من سنوات الجفاف والتغيرات المناخية التي يشهدها المغرب. وخلال الموسم الفلاحي 2020-2019 وحده، تمت زراعة أكثر من 30 ألف هكتار باستعمال تقنية الزرع المباشر وبرسم الموسم الفلاحي 2021ـ 2022، تمت زراعة 50 ألف هكتار. ويهم البرنامج الوطني للزرع المباشر، الذي يهدف إلى الوصول إلى مليون هكتار بحلول عام 2030، جهات الرباط-سلا-القنيطرة، والدارالبيضاء-سطات، وفاس-مكناس، ومراكش-آسفي، وبني ملال-خنيفرة.
يعد نظام الزرع المباشر نظام إنتاج يعتمد على حذف جميع أعمال تحضير التربة قبل عملية البذر. لذلك يتم زرع المحاصيل في عملية واحدة يتم من خلالها وضع السماد والبذور في العمق المطلوب باستخدام آلة البذر المباشر. وبالتالي، فإن "مردودية المياه والتربة والمدخلات تكون أفضل، واستعمال الزرع المباشر يؤدي إلى استهلاك أقل لمدخلات الإنتاج كالوقود والآلات الزراعية ووقت العمل والسماد والبذور، نظرا للاستعمال الأمثل لكل صنف من مدخلات الإنتاج من خلال وضعه في الوقت المناسب وفي المكان المناسب حسب الظروف المناخية وخصائص التربة. إضافة للاقتصاد الكبير في تكاليف الإنتاج، تمكن هذه التقنية من استعادة خصوبة التربة وصحتها".
"إنها تقنية تساهم تدريجيا في تغيير ملامح زراعة الحبوب سواء بمنطقتنا أو بباقي جهات المملكة، وبالنسبة إلي شخصيا فإن "الزرع المباشر" جعل نظرتي للتعامل مع الأرض تختلف بـ 360 درجة عما كانت عليه، فبفضلها أضحى ابتعاد الفلاحين عن أراضيهم أمرا غير وارد، فهذه التقنية أعادت الأمل لمن يعتمدها".
كان هذا جواب جلال كورامي، رئيس جمعية السعادة للتنمية القروية بالمزامزة الجنوبية إقليم سطات، على سؤال لـ "الصحراء المغربية" حول طريقة "الزرع المباشر" التي تتمدد رقعتها تدريجيا كل سنة بجميع أنحاء المغرب، وأضاف "أعتبر أن هذه التجربة ناجحة 100 في المائة، خاصة مع توالي سنوات الجفاف في الآونة الأخيرة، فهذه الكيفية تمكن من الحفاظ على رطوبة الأرض ويكون الإنتاج مهما مقارنة مع الأراضي المزروعة بالطريقة المعهودة، وحتى هذه السنة نتوقع مردودية ستغطي التكاليف وتضمن الاكتفاء الذاتي في حال شح التساقطات".
واستطرد كورامي قائلا بنبرة من الافتخار "إن الزرع المباشر يقلص من انبعاثات الكربون وهذا أمر يساهم إلى حد ما في الحفاظ على التوازن الإيكولوجي للمناطق القروية والفلاحية، كما ينقص من تكاليف الحرث كونه يتطلب كمية أقل من البذور"، وللاقتراب من حجم الإقبال على هذه التجربة أفاد أن جمعيته زرعت خلال الموسم الفلاحي الحالي حوالي 1100 هكتار بتقنية "الزرع المباشر"، بفضل بذارة لبرنامج المثمر وأخرى مقدمة لها من قبل المديرية الإقليمية للفلاحة، مشيرا إلى أن هناك بذارتين أخريين يملكهما شخص في هذه المنطقة، مكنتا من حرث أزيد من 1000 هكتار بهذه التقنية.
وقال إن "مستقبل زراعة الحبوب في نظري رهين بهذه التقنية وأن آمال الفلاحين معقودة على توسعها بوتيرة أكبر."
رياض أوحتيتا، خبير وباحث في المجال الفلاحي أورد في تصريح لـ "الصحراء المغربية"، أن البذر المباشر يمكن من الناحية التقنية من الحفاظ على خصائص التربة ورطوبتها، ومن الناحية المادية فهو يقلص تكاليف الزرع ويضمن مردودية مهمة، وأفاد أن سنوات الجفاف أظهرت أن نظم الإنتاج المتطورة لم تعد صالحة، وعليه يبقى اعتماد طرق جديدة تعطي الأسبقية للمحافظة على الموارد الطبيعية والاستخدام الأمثل للمياه والاقتصاد في مدخلات الإنتاج وتدبير المخاطر السبيل الوحيد الكفيل بضمان فلاحة دائمة وتنافسية مستدامة. وقال إن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تدعو إلى تبني هذه التقنية على أوسع نطاق.
وبخصوص المردودية الفلاحية، أكدت المعطيات التي توصلت بها "الصحراء المغربية" أن نسبتها تراوحت بين 5 و10 قناطير بالهكتار الواحد، في حين أن زراعة الحبوب الاعتيادية لا تحقق سوى نتائج هزيلة بالنظر إلى شبح الجفاف الذي خيم السنة الماضية على القطاع الفلاحي.
وأكد فاعلون في زراعة الحبوب بإقليم السطات، أن جل المزارعين بهذه المنطقة اقتنعوا بجدوى هذه التقنية، مؤكدين انتقالهم إليها برسم الموسم الفلاحي الحالي، ومبرزين أن برنامج المثمر للزرع المباشر، الذي تشرف عليه مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، سيعمل على مساعدة الراغبين في هذا التحول ومضاعفة المساحات المزروعة بهذه الكيفية من خلال المواكبة ووضع آلات إضافية للزرع المباشر رهن إشارتهم.
ويرى فلاحون في تصريحات متفرقة لـ "الصحراء المغربية" أن مسار الزرع المباشر مكن من إبراز نجاعة هذا النموذج الزراعي في مواجهة التقلبات المناخية، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن "المحاصيل المحققة السنة المنصرمة بالنسبة للشعير تعتبر إيجابية، حيث بلغت مردودية الهكتار الواحد 35 كيسا كمتوسط للإنتاج، علما أن كيسين من الشعير يعادلان وزن قنطارين. وضاعفت تقنية الزرع المباشر الإنتاج ليبلغ حوالي 45 قنطارا من القمح بالنسبة للهكتار الواحد، عوضا عن 28 قنطارا في أحسن الحالات بالنسبة للزرع بالطريقة التقليدية"، كما أن هذه التقنية تساعد في اقتصاد حوالي ألف درهم من المصاريف مقارنة مع اعتماد المحراث في زراعة الحبوب".
المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية يسهم في نشر تقنيات الزرع المباشر بين الفلاحين
يلعب المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية دورا مهما في نشر تقنيات الزرع المباشر بين الفلاحين ومواكبتهم في هذا المجال من أجل اعتماد هذا النظام.
ويصاحب تنفيذ البرنامج الوطني للزرع المباشر عدد من التدابير، على رأسها التحفيزات في إطار صندوق التنمية الفلاحية لاقتناء بذارة الزرع المباشر، وتعزيز إجراءات الاستشارة الفلاحية من خلال منصات العرض والمدارس الحقلية وتدريب المستشارين الفلاحيين والفلاحين، بالإضافة إلى تشجيع ومواكبة إنشاء المقاولات الخدماتية.
ويرى الخبراء أن الأهمية الاقتصادية لتقنية الزرع المباشر تكمن في توفير كلفة العمليات المتعلقة بالحرث والاقتصاد في كمية المدخلات مثل البذور، الأسمدة واليد العاملة، وتكمن أيضا في وقعها الإيجابي على الإنتاج خاصة في السنوات الجافة. وعلى المدى البعيد، يؤدي تحسين جودة التربة إلى استقرار مستوى إنتاجية الحقل.
يستند تشجيع البذر المباشر على النتائج المقنعة للبحوث التي تم إجراؤها. فهي تقنية تمكن من تحسين خصوبة التربة ومعدل المادة العضوية وتحسين مردودية الحبوب بنسبة 30 في المائة في المتوسط وتثبيتها خاصة في السنوات الجافة، وخفض تكاليف زراعة الحبوب بنسبة 60 في المائة وجرعات البذور بنسبة 30 في المائة وتقليل انجراف التربة بأكثر من 50 في المائة، كما تهدف إلى تحسين مقاومة وتكيف القطاع الفلاحي مع التغيرات المناخية.