تصوير: حسن سرادني
تصوير: حسن سرادني
في حوار خص به صحيفة "الصحراء المغربية"، تحدث هشام صابري، الذي انتخب، أخيرا، رئيسا جديدا للمجلس الوطني لهيئة الموثقين بالمغرب، بإسهاب عن المشاكل والتحديات التي تواجه مهن التوثيق بالمغرب خاصة التأخر في عدم الإفراج عن مرسوم تحديد الأتعاب ، بالموازاة مع تفعيل القانون الجديد للمهنة منذ سنوات. تنفيذ مشروع الرقمنة، فضلا عن تدبير مشكل "الاحتكار" داخل المهنة وما يواجهه الموثقون الجدد الممارسون. ما حققته اللجنة المشتركة من تدابير تكفل الحد من ظاهرة السطو على العقارات. تمكين الموثق من الولوج للمعلومة للتأكد من صحة المعطيات والسجلات..
الرئيس الجديد بسط خلال الحوار أبرز معالم استراتيجية المجلس الجديد لتطوير مهنة التوثيق وما سينكب عليه خلال مدة ولايته لثلاث سنوات من أولويات على المستوى التشريعي والمهني لجعل مهنة التوثيق آلية محفزة للاستثمار وضمان المعاملات التعاقدية وتحقيق الأمن التعاقدي، وضمان حقوق المتعاقدين.
بعد سنوات من تفعيل القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق، ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟
إن أبرز ما حسم فيه قانون المهنة الحالي هو تمكين كل مغربي من الولوج لمهنة التوثيق وممارستها دون شرط حمل الجنسية الفرنسية، التي كان ينص عليه قانون سنة 1925، وهو ما كان يشكل وضعا غير لائق ولا يحترم التشريع المغربي ولا التوجهات السياسية للبلاد في ما يتعلق بمشروع المغربة.
ومن مستجدات القانون، أيضا، التي يمكن اعتبارها قفزة نوعية هي أن مهنة التوثيق أصبحت لها هيئة مستقلة خاصة بها من خلال المجلس الوطني وهيئات جهوية من خلال المجالس الجهوية.. الغاية ليست الهياكل بل المضمون، إذ بمجرد تعيين الموثق يصبح عضوا في الهيئة وتصبح هي المخاطب الرسمي الذي يمثله أمام جميع المؤسسات والإدارات. كما تشرف الهيئة على السياسات العامة لمهنة التوثيق.. تجربتها بصمت سنتها العاشرة وفي خضم هذه السنوات وبتعاقب ثلاثة مجالس، أخذت الهيئة وقتها للنضج وتجديد تصوراتها للمهنة وتطويرها.
من خلال تجربتكم هل ترون أن هذا القانون حقق أهدافه؟
القانون حدد آليات مؤسساتية لحماية حقوق المتعاقدين، إذ أن الموثق وقبل مزاولته للمهنة، فإنه ينخرط مسبقا في التأمين. والمجلس الوطني السابق كان وضع عقد الائتمان لفائدة جميع الموثقين حيث يوفر للزبناء ضمانة 10 ملايين درهم بالنسبة لكل ملف، وذلك في حالة وقوع خطأ من الموثق أو إغفال أو إهمال في العقد ضاعت من خلاله حقوق الزبون.
الحديث عن عقد التأمين يجرنا إلى السؤال عما إذا كان صندوق ضمان الموثقين أصدر تعويضات أخيرا لفائدة المتضررين؟
في إطار تنفيذ الأحكام الصادرة لفائدة أطراف متضررة ضد بعض الموثقين المرتكبين أخطاء مهنية، يمكن أن نصرح أن صندوق ضمان الموثقين، صرف ما مجموعه 40 مليون درهم خلال السنتين الأخيرتين، بعد عرض هذه الملفات على مجلس إدارة الصندوق المسير.
خزينة الصندوق تتوفر حاليا على 40 مليارا كاحتياط مالي، ما يمكنه من تنفيذ جميع الأحكام الصادرة ضده، وأداء المبالغ المحكوم بها في حال عسر الموثقين المعنيين، كما هو منصوص عليه في المادة 94.
إذ يحل صندوق ضمان الموثقين محل الموثق عند وقوع أي اختلاس لأموال الزبون من طرف أي موثق أو وقوع خلاف معه أو ضياع أمواله المودعة لديه في إطار معاملة قانونية، من أجل أداء أو إرجاع المبالغ التي ضاعت في إطار مسطرة قضائية يحددها القانون، وذلك بعد حكم قضائي نهائي ضد الصندوق حائز على حجية قوة الشيء المقضي به.
ففي حال وقوع مشكل مع الموثق، أنصح الزبون من خلال منبركم الإعلامي أن يضع دعوى قضائية مدنية ضد صندوق الضمان قبل وضع دعوى قضائية جنائية، قد تدخله في متاهة سنوات من التقاضي. فخلال هذه المدة من الانتظار لحكم نهائي فإن الزبون يضيع على نفسه فرصة التعويض المدني لأن التقادم في الدعاوى ضد الصندوق محدد في خمس سنوات. فسلوك مسطرة الدعوى المدنية وإقحام الصندوق فيها، سيمكنه من ضمان حقوقه وتعويضاته. في حين يترك باقي المساطر القضائية لمؤسسة النيابة العامة التي تسهر على تفعيلها ضد الموثقين المخالفين، في إطار المراقبة والمتابعة الجنائية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أين وصل عمل اللجنة المشتركة المكلفة بوضع حد لظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير؟
اللجنة تشتغل بشكل دوري ومستمر، وفي ما يخص الشق المتعلق بالتوثيق نذكر أنه أصبح اليوم لدى جميع الموثقين من خلال النظام المعلوماتي "توثيق" المرتبط مع النظام المعلوماتي للإدارة العامة للأمن الوطني، في إطار الاتفاقية الموقعة بين الهيئة ومديرية الأمن، من تبادل المعطيات الإلكترونية، وتيسير ولوج الموثقين للتحقق من صحة بطاقات الهوية التعريفية.
فعندما استفحلت هذه الظاهرة تبين أن المدخل الأساسي للسطو على العقارات هو ما يطال بطاقات تعريف هوية مالكي هذه العقارات وكذا الوثائق.
الآن أصبح بإمكان الموثقين الولوج للنظام المعلوماتي للإدارة العامة، بموجب الاتفاقية، والتحقق من صحة بطاقات الهوية بشكل سليم، وهو ما سيحد بشكل كبير ونهائي من الظاهرة. أما الوثائق فهذه المسألة ما زالت تتطلب مجهودا وآليات أخرى للتمكن من ضبط حالات التزوير.
هناك أيضا الوكالة العرفية، التي أوصت اللجنة المشتركة وبناء على توجهاتها أن تصبح وكالة رسمية، ما يمكن من تحديد محررها في حالة الشك، والذي يمكن أن يكون موثقا أو عدلا أو محاميا مقبولا للترافع لدى المجلس الأعلى.
أشير إلى أن هيئة الموثقين مقبلة على تقديم مجموعة من المقترحات في مجالات أخرى لأن مكامن الخطورة تأتينا من العقد العرفي، الذي لا يضمن أي حق، وآليات الضبط تبقى محدودة بخصوص الهوية والمضمون، خاصة الآثار المترتبة التي يجب أن تحمي حقوق ومصالح المواطنين المتعاقدين، وكذا عدم تفويت مبالغ مهمة جدا على خزينة الدولة.
في إطار ضمان حمايته، هل الموثق متمكن اليوم من الوصول للمعلومة للتأكد من صحة المعطيات والسجلات؟ وماذا عن مشروع رقمنة المهنة؟
معرفة وضعية العقار وهل يتضمن المعطيات نفسها التي توجد بشهادة الملكية، متاح اليوم بشكل آني عبر منصة المحافظة العقارية، التي تمكن الموثق من فحص المعلومات والمعطيات كإجراء قبل تحرير العقود.
وبخصوص مشروع الرقمنة، فاليوم يمكن القول إنه حقق تقدما ملموسا في عملية تسجيل العقود التوثيقية لدى إدارة الضرائب، حيث كانت المدة محددة في 30 يوما لإنجازه، وكان أغلب الموثقين يعانون من هذا الحيز الزمني الطويل، فضلا عن متابعة كل الإجراءات بصفة شخصية وحضورية، ما يفرض عليه الغياب عن مكتبه لإتمام عملية تسجيل العقد المحرر، ويمنعه أيضا من إمكانية إرساله أو إيداعه لدى المحافظة العقارية، ما يعرض حقوق الزبناء للخطر وعدم الضمان، وفي حال وقوع مشكلة تعود المسؤولية عليه. في حين اليوم وبفضل الرقمنة أصبحت هذه المدة فقط تستغرق أقل من 15 دقيقة.
ماذا بخصوص الخلاف حول تسقيف أتعاب الموثقين واحتساب رسوم التسجيل والتحفيظ؟
كان من المفروض أن يصدر مرسوم تحديد أتعاب الموثقين فور صدور قانون سنة 2021، لكن نرى أن جميع المراسيم الأخرى صدرت في حين بقي هذا المرسوم حبيس دهاليز وزارة العدل، رغم تعهد وزراء العدل السابقين بإخراجه إلى الوجود.
القانون واضح في هذا الباب بنصه على أن الاتعاب تكون محددة ما يعني أن ليس فيها لا زائد ولا ناقص ولا تسقيف.. الخلاف حول الأتعاب كان بخصوص تصور مجلس المنافسة الذي اعتبر عمل الموثق سلعة، في حين أن التوثيق مهنة نبيلة تقدم خدمة وتلتزم بالنتيجة، وأتعاب محددة بين ممارسيها، وليست موضوع مزايدة أو نقصان، ما جعله خلافا حول تحديد الجهاز المفاهيمي.
فإن كانت الغاية هي تحقيق الأمن التعاقدي وحماية الأطراف وتحقيق مداخيل لفائدة خزينة الدولة وتبادل المعلومة مع المؤسسات الرسمية لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى للبلاد، فإننا نقول إن الموثق من حقه أتعاب كما هي محددة عالميا، بالنظر إلى السقف العالي الذي تتمثل فيه أدوار مهنة التوثيق وواجباتها والتزاماتها بتحقيق النتائج ضمن معاملات رسمية ووجود ضمانات قانونية.
أما واجبات التسجيل والتحفيظ فهي التزامات خاصة بالدولة مضمنة في القانون، وليس من حق أي شخص أن يزيد فيها أو ينقص لأنه سيصبح معرضا للمساءلة الجنائية. والموثق في نهاية المطاف رجل قانون ويسهر على تطبيق هذا القانون.
كيف ستتعاملون مع ما يمكن وصفه بالاحتكار داخل المهنة الذي يواجه على الخصوص الموثقين الجدد؟
الإشكال لا يوجد فقط بالنسبة للموثقين الجدد الملتحقين حديثا بالمهنة، بل موجود أيضا لدى عدد من الزملاء الموثقين القدماء، كون حصتهم من سوق الشغل قليلة بمقابل حصص كبيرة لزملاء آخرين.
ما يمكن القول هو إن الموثقين يجب أن يكونوا متساوين في الحق في الشغل والعيش الكريم بمفهوم النبل في المهنة على غرار مساواتهم في الحقوق والأتعاب والالتزامات والواجبات، وفي تقديري الشخصي الموثق يجب أن يكون بعيدا كل البعد عن الحاجة.. واقع الحال هناك مجموعة من مكاتب الموثقين تعاني صعوبات، والأسباب الحقيقة كما سبق وذكرت تعود إلى عدم إخراج مرسوم تحديد الأتعاب في أفق ضبطها وتوحيدها وتجويدا أكثر للعمل التوثيقي. ونتمنى من وزير العدل الحالي أن ينكب عليه لإخراجه بتعريفة واضحة محددة في إطار الشفافية كحق للمواطن والموثق معا.
ماهي التحديات الحالية التي تواجه مهنة التوثيق؟ وكيف يخطط الرئيس الجديد لتجاوزها ؟
حان الوقت كي لا نشتغل فقط على مدى ثلاث سنوات من مدة الولاية بل الانكباب على تفعيل استراتيجيات مستدامة بإرساء آليات ذات آفاق مستقبلية داخل المجلس الوطني والمجالس الجهوية.. مشروع الرقمنة لا نضعه خيارا مرحليا بل استراتيجيا سنعمل على تسريع وتيرته للوصول إلى الأهداف المسطرة في أفق سنة 2030.
وضعنا أيضا تصورات وتدابير واضحة للمهنة ولصورة الموثق مستقبلا، وفي ما يتعلق بدور المؤسسات في الدبلوماسية الموازية هناك أيضا تصورات سنعمل على تنفيذها في المرحلة المقبلة.
المجلس الوطني سيكرس العمل على إخراج مرسوم الأتعاب لتفادي عدد من الإشكالات التي تعترض عمل الموثقين.
فضلا عن السعي إلى إقرار تعديلات في القانون الحالي للمهنة، التي نعتبر أنها أصبحت متجاوزة التي بدأت تصل حد الاحتباس، ولا تواكب المستجدات الرقمية من قبيل ضرورة حصول الموثق على ترخيص من أجل توقيع عقد خارج المجلس الذي أصبح مقتضى متجاوزا في إطار ما نطمح الوصول إليه من تعديلات خاصة التوقيع الالكتروني ما يجعل بعض مقتضيات القانون الحالي لا تواكب ما يعرفه المغرب من تطورات وما نريد تحقيقه من تصورات مستقبلية للمهنة، بهدف تحقيق الاستقرار في المعاملات التعاقدية والأمن التعاقدي، والأساسي جعلها آلية محفزة لتشجيع الاستثمار عبر تحقيق الضمانات الكافية للمستثمرين، وهو ما نجد أعناقنا كموثقين مطوقة به والمطلوب مجهود تشريعي على مستوى قانون المهنة نشتغل عليه بشكل موحد إلى جانب المؤسسات المعنية لتحقيق الاستراتيجيات الكبرى للدولة.
تصوير: حسن سرادني