"الفلاتر" وتطبيقات تعديل الصور .. من المرح والمتعة إلى القلق والهوس النفسي

الصحراء المغربية
السبت 06 غشت 2022 - 11:11

في بادئ الأمر كان الإقبال على الفلاتر وتطبيقات الواقع المعزز لنشر الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي بهدف المرح والمتعة، لكن سرعان ما تحول الأمر إلى هوس وإدمان من قبل العديد من مستخدمي منصات التواصل الرقمية، يقضون ساعات طويلة بعد التقاط الصورة في تعديلها وإضافة محسنات لتنقية البشرة وتغيير الملامح كتصغير الأنف أو تكبير الشفاه ووضع عدسات، للوصول إلى النتيجة المرجوة التي لا تشوبها شائبة، بحثا عن الكمال المزيف وحصدا للإعجابات والتعليقات الإيجابية من قبل المتابعين.

سميرة، فتاة في العشرينيات من عمرها، تدرس الصحافة والإعلام، واحدة من فرائس الفلاتر المحسنة للصور، تقضي ساعات طويلة في تعديل صورة السيلفي التي التقطتها للتو بعدما اختارت تسريحة الشعر المناسبة ووضعت طبقات مهمة من مساحيق التجميل، غير أن هذا الأمر تقول محدثتنا ليس كافيا بالنسبة لها لنشر الصورة عبر صفحتها الخاصة بموقع انستغرام، بل تضيف تحسينات كثيرة على الصورة بفضل التعديلات المتاحة على التطبيقات المعززة للواقع، وبمجرد ما تضغط على زر الإرسال تبقى جامدة أمام شاشة هاتفها الخلوي لمعاينة حجم الإعجاب والتعليقات الإيجابية التي ستحصدها صورتها المنشورة.
تقول سميرة إنها أحيانا تحذف الصور التي لم تنل حظها من الإعجاب والتوافق حيث تعتبر متابعيها المعروفين والمجهولين مصدرا للخبر اليقين وأن الصورة فعلا جميلة مما يعزز ثقتها بنفسها ويجعلها راضية على النتيجة النهائية للصورة، والتي أرفقتها بتدوينة تطلعهم بطلتنا عن مدى سعادتها بروعة المكان الذي تدعي التواجد به وهي التي لم تبرح غرفة نومها وتجتاز أوقاتا صعبة تتسم بالقلق والاكتئاب، لكن هذه الطريقة أصبحت الحل الأمثل بالنسبة لها للهروب من واقعها المر، حسب قولها.
تعيش سميرة أوقات فراغها متنقلة بين شبكات المواقع الإلكترونية باحثة عن أحدث التطبيقات المعدلة للصور لإضافتها إلى جهازها المتنقل وممارسة هوايتها المفضلة، اقتناص اللحظة المناسبة لأخذ سيلفي وتزييفه بواسطة التقنيات المحسنة حتى تصل إلى النتيجة المرجوة وتنشر الصورة عبر حساباتها الشخصية بالفيسبوك والانستغرام.
رغم أن سميرة تعي تماما أن ما تقوم به يدخل في خانة الضحك على الذقون، وأن الأمر لا يغدو محاولة منها للبحث عن تقدير الذات والرضا النفسي من خلال عيون متابعيها الذين يعدون بالآلاف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة أنها اتخذت الكاميرا الأمامية لهاتفها المعززة بالمرشحات مرآتها الخاصة للاعتناء بمظهر وجهها أو وضع مساحيق التجميل وتصفيف شعرها، وأصبحت ترفض رؤية وجهها الحقيقي في مرآة حمام منزلها ولا تتقبله بعدما اعتادت على الفلاتر التي تسمح لها برؤية نفسها كما تحب أن تكون، وفقا لتعبيرها.
سميرة مثال للعديد من المراهقين والشباب المولعين بالفلاتر المعدلة للصور ويفرطون في استخدامها، وأحيانا يتولد لديهم رفض قاطع لحقيقة صورهم الطبيعية والواقعية، والأدهى من ذلك مقارنة أنفسهم بالمشاهير والمؤثرين في العالم الأزرق ورغبتهم الجامحة في مضاهاة تناسق مظهرهم الخارجي حد الكمال، وعند الفشل في الوصول إلى حسنهم وجمالهم يكون وقع ذلك كبيرا على نفسيتهم وقد يتطور الأمر إلى القلق والهوس النفسي.
فما هو السر الذي يفسر الاستعداد النفسي الذي يجعل تأثير التقنيات المعدلة للصور على الحالة النفسية ممكنا؟ وهل نحن موضوعيون وواقعيون في تمثلنا لذواتنا؟ بمعنى آخر هل تصورنا لذواتنا حقيقي ونرى أنفسنا كما يرانا الآخرون؟ وهل الضغوطات الاجتماعية وتغيير معايير الجمال دور في الاستخدام المفرط لهذه التقنيات؟ وكيف يمكن التخلي أو التخفيف من استعمال المرشحات المعدلة للصور بالنسبة للراغبين في ذلك؟

كل هذه الأسئلة سيجيب عنها عادل اشليحي الأخصائي النفسي في هذا الحوار الذي خص به جريدة "الصحراء المغربية".

 

ماهي تأثيرات التقنيات المعدلة للصور على الصحة النفسية لدى المستخدمين خاصة من هم في سن المراهقة؟
مفهوم التأثير في علم النفس لا يمكن التعامل معه بشكل تلقائي وعفوي، فاختلاف الناس لا يجعلهم يتأثرون بنفس الأشياء أو على الأقل بنفس الدرجة، لذلك حينما نريد أن ندرس مثلا تأثيرات التقنيات المعدلة للصور على الحالة النفسية، بل تطورها إلى حالة من القلق والهوس النفسي، فعندما نتكلم عن الذات فنحن نقصد كل أبعادها النفسية، الفكرية والجسدية.

جوابا عن هذا السؤال، غالبا سنتفق على أن تصورنا لذواتنا غير واقعي ولا موضوعي، لكن هناك تفصيلات عميقة قد تغيب عن الكثيرين. صورة الذات هي بناء يتأسس بشكل تاريخي وتدريجي تحكمه عدة عوامل نفسية اجتماعية وتفاعلية، غير أن ما يهمنا ارتباطا بالسؤال المطروح هي الميكانيزمات النفسية التي تساعد الفرد في ترتيب ذاته وصورته الذاتية على مسار هذا التاريخ الفردي. أول ما يحتاجه الفرد هو أن يبدأ في حب ذاته، وهو ما يحصل فعلا بشكل فطري مع السلوكات المرتبطة بالغريزة الأم، غريزة البقاء، ولِما يدعمها من حب وإعجاب يتلقاه الطفل من أبويه والأسرة المحيطة به.
الميكانيزمات النرجسية تبدأ بالاشتغال لتأسيس الصورة الذاتية التي يغلب عليها الحب المتضخم للذات، وهو ما يُصطلح عليه بالشخصية النرجسية، والتي يعرفها كل فرد في مراحل طفولته الأولى... الكثير من التفاصيل والتعقيدات تشوب تطور الشخصية النرجسية عند كل فرد، لكن الحقيقة التي لا مناص منها أن كل إنسان يحمل معه سمات نرجسية ترافقه حتى سن الرشد والنضج، تكون لها تجليات مضطربة أو معتدلة، وهي التي ستشكل صعوبات في التعامل مع الآخرين أو حتى مع الذات، وما يهمنا في هذا الموضوع هو الصعوبات النرجسية مع الذات، وفي هذا الاتجاه سأتحدث عن إحدى الصعوبات التي نعيشها جميعا، وربما لا نقف عندها كي نفهم ذواتنا بشكل أفضل. في كثير من الأحيان نرى صورا فوتوغرافية قد التقطت لنا، فنستغرب لأننا نكون غير راضين على ما نبدو عليه، بل إننا نرفضها ونتخلص منها، كما أننا حين نسمع صوتنا مسجلا نستغرب كذلك لأننا نُدركه بشكل مختلف عما تعودنا أن نسمعه من داخل ذواتنا، نتنكر لصورنا ولأصواتنا... الأمر هنا لا يتعلق بجمالها ولا بقبحها، لأن الآخرين قد يرونها جميلة عكس تقييمنا لها، الحالة التي نعيشها في مثل هذه المواقف أسميها "الصدمة النرجسية"، لأن سبب رفضنا لحقيقتنا الموضوعية هو أننا نعيش بشكل مستمر ونحن نتمثل صورنا وأصواتنا بشكل مثالي وينشأ لدينا تعلق كبير بصورة الذات التي تُزين نفسها من استحواذ الحالة النرجسية التي نشأنا عليها، صَدَّقناها ونجد صعوبة في تقبل إدراك آخر لها ولو كان موضوعيا وأكثر واقعية! هذا التعلق بالصورة النرجسية هو الذي يكون سببا في إمكانية استعداد تأثر العديد من الأشخاص بتلك التطبيقات التي تقدم تكنولوجية تمكنهم من تعديل الصورة الواقعية لأشكالهم كي تكون منسجمة مع الصورة النرجسية التي يرون أنفسهم عليها. ليس غريبا أن نعيش الصدمة النرجسية ولكن الصعوبة النفسية مع الذات هو أنك ترفض صورتك الواقعية وتتشبث بصورتك النرجسية.


هل الضغوطات الاجتماعية وتغيير معايير الجمال دور في الاستخدام المفرط لهذه التقنيات؟
الإشكالية في الاستمرار في استعمال هذه "الفلترات" والتطبيقات المُعدلة، في حقيقته غير مرتبط بالإدمان، بل هو مرتبط بحالة من القلق المستدام والمستمر الذي يصل إلى حالة من الهوس، مصدرهما الصعوبة في تقبل حقيقة الذات كما هي. هي حاجة نفسية أكثر مما هي حالة تَأَثُّر بالضغوطات الاجتماعية ومعايير الجمال، صحيح لا يمكن إنكار دور هذين العاملين بشكل مطلق، غير أن دورهما مختلف عن الحاجة النفسية المحركة، لأن كل سلوك أو اختيار، نقوم به يحكمه صنفان من العوامل، صنف العوامل المحركة التي تكون ذاتية تخلق الإلحاح الذي يدفع للبحث عن إشباع الحاجات النفسية.
ومن جهة أخرى، هناك عوامل مُوجِّهة ومُغذية، هي التي تقدم إمكانيات وفرص لتلبية الاحتياجات التي يكون محركها ذاتي، لذلك يمكننا القول إن القلق والهوس الذي يظهر عند الكثيرين من مستعملي مثل هذه التطبيقات هو ناتج عن عوامل ذاتية محركة، والضغوطات الاجتماعية والمعايير التي يُنتجها المجتمع، ومنها معايير الجمال، هي عوامل مُوجهة ومُغذية، تقدم اختيارات ينتقي منها الفرد ما يستجيب لحاجاته النفسية.

 

كيف يمكن التخلي أو التخفيف من استعمال المرشحات المعدلة للصور بالنسبة للراغبين في ذلك؟
جوابا عن هذا السؤال سأبدأ من آخر كلمة جاءت في صياغتك للسؤال، للراغبين في التخلص من هوس استعمال التطبيقات و"الفلترات" المعدلة، هو في الحقيقة علاج يبدأ من الرغبة، وهذه الأخيرة مرتبطة برُقي وعي الفرد بمدى تورطه في هذا الهوس، حيث تتحول حاجته النفسية من إشباع رغبة التشبث بالصورة النرجسية الغير المُعتدلة، والتي تقدم لها معايير الجمال والضغوطات الاجتماعية مقاييس غير ثابتة و متغيرة، تمنحها مثل هذه التطبيقات حلولا سريعة وساحرة، لكنها واهمة، تجعل الفرد يختبئ وراء صورة مُعدلة غير حقيقية، فيعيش وهم الهوية الافتراضية لتنشأ لديه شخصية تخشى أن تواجه المجتمع الواقعي. أقول وعيه بذاته يُحول رغبته إلى الاستجابة في تلبية حاجته للخروج من هوس صورته النرجسية والوصول إلى صورته الواقعية وتقبلها.

 

 

أسماء ازواوان 




تابعونا على فيسبوك