علمت "الصحراء المغربية" أن وزارة العدل، من المنتظر أن تعقد، يوم الاثنين المقبل، اجتماعا موسعا، قصد مناقشة الوضعية الحالية لمحاكم الدارالبيضاء، على خلفية البطاقة التي تقدمت بها بمثابة مقترح لنقل هذه المحاكم إلى المدينة البيئية زناتة في أفق تجميعها في فضاء واحد.
وزارة العدل، حسب مصادرنا، كانت حددت تنظيم الاجتماع الموسع يوم الثلاثاء المقبل قبل أن تعيد تسريع تنظيمه إلى يوم الاثنين داعية إليه جميع الأطراف المعنية بوضعية محاكم الدارالبيضاء بمن فيهم هيئة المحامين والسلطات المحلية والهيئات المنتخبة والفاعلون في النشاط القضائي، من أجل فتح النقاش والتشاور معهم انطلاقا من التوجيهات الملكية السامية.
وسيكون محور النقاش، حسب مصادرنا، هذا المقترح الذي سبق أن وضعته الوزارة بين أيدي الأطراف ويتمثل في "بطاقة حول وضعية محاكم مدينة الدارالبيضاء.. التطور الزمني والحلول المقترحة"، لأجل تحويل الأنشطة القضائية وتجميعها في فضاء واحد وانعكاساته على المتقاضين والمواطنين بجهة الدارالبيضاء سطات.
وتعكف هذه الأطراف بينها هيئة المحامين بالدارالبيضاء على تجميع مقترحاتها لمناقشة البطاقة بين رافض وموافق، حسب ما استقته الجريدة من آراء، وبين أطراف أخرى ترى أنها المعنية الأولى بالانتقال غير أنها لم تتوصل من الوزارة بأي بطاقة أو دعوة للتشاور خاصة موظفي كتابة الضبط.
بناء قصر للعدالة موحد يستشرف المستقبل القضائي والاقتصادي للدارالبيضاء
تقدمت الوزارة، أخيرا، ببطاقة حول وضعية محاكم الدارالبيضاء، اطلعت عليها "الصحراء المغربية" بمثابة مقترح مشروع لإنشاء قصر موحد للعدالة من خلال نقل هذه المحاكم إلى المدينة البيئية زناتة.
واستعرضت الوزارة مقترحاتها لتبني هذا الاختيار وهي:
أولا: هدم البناية الحالية لمحكمة الاستئناف واستغلال وعائها العقاري البالغ مساحته 28.000.00 مترا مربعا في بناء قصر العدالة يضم كل محاكم الدائرة، ما سيفرض عليها اعتماد البناء العمودي نظرا لصغر حجم القطعة الأرضية، فضلا عن إكراهات أخرى منها: "عدم كفاية القطعة الأرضية لإحداث قصر للعدالة يضم كل المرافق والمنشآت اللازمة. وعدم وجود عقارات تابعة للملك الخاص للدولة أو الجماعة الترابية بجواز الوعاء العقاري الحالي لمحكمة الاستئناف مما يعيق أي تفكير في توسعة الوعاء العقاري. وأن موقع محكمة الاستئناف مشارف لمدخل نفق الموحدين ما يشكل إكراها رئيسيا أمام المشروع على اعتبار أن حركة السير والجولان ستتضاعف بأكثر من عشر مرات.
ثانيا: تحويل محاكم البيضاء إلى المدينة البيئية الجديدة زناتة كأقرب مجال عمراني يمكنه توفير وعاء عقاري كاف وملائم من حيث التجهيزات والارتفاقات التعميرية الملائمة لمشروع من حجم قصر العدالة.
ولتنبي هذا المقترح، أبرزت الوزارة أن الإجراءات المواكبة للمدينة البيئية والمزمع إنجازها تصب في مصلحة اعتماد هذا الاختيار "مشروع خط السكة الحديدية الجديد الرابط بين مركز الدارالبيضاء وزناتة..مشاريع سكنية جديدة أو مبرمجة كفيلة بالاستجابة لحاجيات ومتطلبات القضاة والموظفين ..مشاريع عمرانية قادرة على استيعاب حاجيات مختلف المتدخلين في ميدان العدالة المرتبطة بفضاءات العمل، فضلا عن وفرة الوعاء العقاري ما سيمكن من بناء ملحقة إدارية محلية للاعتقال داخل المدينة القضائية بشكل يسهل مساطر التقديم ويخفف من الإكراهات والضغوط الأمنية المرتبطة بنقل المعتقلين من وإلى سجن عكاشة.
كما بسطت الوزارة في بطاقتها أسباب طرح هذا المقترح، أجملتها في أن محكمة الاستئناف بالدارالبيضاء تعتبر أكبر دائرة قضائية على المستوى الوطني من حيث عدد ونوع القضايا الرائجة، ويتوافد عليها يوميا حوالي 7 آلاف متقاض ومرتفق، وأنه رغم المجهودات الاستثنائية، التي بذلتها لملاءمة خصوصية هذه الدائرة القضائية مع ما يفرضه الارتفاع الكبير لكم ونوع القضايا الرائجة، وكذا ملاءمة التنظيم القضائي مع حجم وخصوصية مجال المدينة، وتوفير البنيات التحتية الملائمة للمحاكم، لم تتوصل إلى حل جذري يواكب النمو الديمغرافي وارتفاع النشاط القضائي بالمدينة، ما ألزمها وضع مخطط شامل لتجاوز العقبات وإيجاد صرح قضائي يتلاءم مع واقع المدينة ويستجيب لحاجياتها المتزايدة، ويستشرف مستقبلها كأكبر قطب اقتصادي ومالي في المغرب.
بين مؤيد ورافض.. محامون يفسرون وكتاب للضبط "لم يستشرنا أحد"
وفي استقائنا لآراء المعنين حول هذا الموضوع، قال مصطفى صدقي، محام بهيئة الدارالبيضاء ورئيس جمعية التواصل المهني للمحاماة، إن "الوزارة وإن كانت مقتنعة بأن المقترح الأول غير ممكن التحقيق للأسباب التي أوردتها في بطاقتها، إلا أنها تبدو متحمسة بالمقابل للمقترح الثاني حيث عددت الأسباب التي تصب كلها في مصلحة اعتماده، ما يجعلنا في الواقع أمام مقترح واحد وليس مقترحين وهو بناء قصر العدالة بزناتة".
واعتبر المحامي صدقي، في اتصال بـ"الصحراء المغربية"، أن المقترح بمثابة "خطاب تسويقي لمشروع مدينة زناتة البيئية وإيجاد حل لمأزق تجاري وقع فيه مؤسسوه"، موضحا بالقول إن "الوزارة وسعيا منها لإقناعنا بهذا الاختيار أكدت أن هناك إجراءات سيتم إنجازها لمواكبته، غير أن تبني المقترح يتعارض جملة وتفصيلا مع العديد من الشعارات، التي ما فتئت الوزارة ترددها وأبسطها شعار الولوج المستنير للعدالة وتقريب الإدارة من المواطنين".
ويرى المحامي صدقي أن "مضاعفة حركة السير والجولان كمعيق للمقترح الأول بأكثر من عشرات المرات، فإن المقترح الثاني أدهى لأن مدينة زناتة البيئية جاءت في الشريط الساحلي الرابط بين الدارالبيضاء والمحمدية، الذي يعرف حركة سير كبيرة جدا بسبب استعماله من طرف المصطافين والشاحنات الضخمة مع المصانع والشركات إلى ميناء البيضاء".
وحدد المحامي، في تصريحه، الأسباب التي تعيق تنفيذ هذا المقترح منها أنه "لا يمكن تصور تنقل المواطن من مدينة الرحمة مثلا إلى زناتة ليحضر جلسة في 9 صباحا مع الأخذ بعين الاعتبار الساعة الإضافية في فصل الشتاء، وأن أكثر من 95 في المائة من المهنيين خاصة المحامين منهم يوجدون وسط الدارالبيضاء والباقي يوجد بقرب المحكمة الاجتماعية، وأن خط السكة الحديدية سيزيد الأمر تعقيدا، ما سيلزم المحامي بالتنقل ثلاث مرات من مكتبه إلى محطة القطار"، مقترحا إنشاء قصر العدالة بالبيضاء لأنه سيكون ذا أهمية كبرى في ظل مشروع رقمنة المحاكم.
من جانبه يري سعيد معاش، المحامي بهيئة الدارالبيضاء ورئيس جمعية المحامين بالمغرب، أن إنشاء قصر العدالة بمدينة الدارالبيضاء "أضحى مطلبا ملحا منذ مدة طويلة، خصوصا أمام تشتت المحاكم والاختناق المروري الذي تشهده المدينة، وهو ما يساهم في هدر الوقت بالنسبة لمهنيي العدالة خصوصا المحامين الذين يضطرون للتنقل بين محاكم تفصل بينها مسافات طويلة مما يضيع عليهم ساعات من العمل" .
ويعتقد معاش، في تصريح مماثل لـ"الصحراء المغربية" أنه "لا يهم موقع قصر العدالة المزمع إنشاؤه بقدر ما ينبغي العمل على أن يكون بناء كافيا ومستوعبا لكافة احتياجات المدينة مع ضرورة توفير وسائل النقل وجميع المرافق" ليكون "مرفقا حيا يأخذ بالاعتبار التوسع العمراني الذي تشهده مدينة الدارالبيضاء، ويمكن من ولوج سلس لمرافق العدالة بالنسبة للمواطنين ولمهنيي العدالة، دون أن ننسى أن المغرب يعمل على رقمنة عمل المحاكم بشكل حثيث الأمر الذي سيخفض دون شك من التنقل المباشر للمحاكم وهو أمر يجب أخذه بالاعتبار في أي مشروع مستقبلي"، يستطرد المتحدث.
أما الفئة التي تعتبر نفسها المعنية الأولى بهذا الانتقال، وهم موظفو محاكم البيضاء خاصة موظفو هيئة كتابة الضبط، فأكدوا أنهم لم يتوصلوا بأي طلب للاستشارة القبلية من طرف وزارة العدل بخصوص مسألة توجهها إلى إحداث قصر عدالة أو ما يشبه المدينة القضائية.
وصرح بعضهم للجريدة أن "المشروع الذي يتعين أن يستحضر الاتساع الجغرافي للدار البيضاء ومحاكمها المتفرقة التي فرضت على الموظفين اقتناء سكن قرب هاته المحاكم بقروض ما زالت تستنزف دخلهم".
وقالوا إن "الموظف غير مفصول عن محيطه الأسري ومتطلبات تمدرس الأبناء وغيرها"، متسائلين "هل سيراعي المشروع المبشر به هذه الالتزامات؟ وكيف لموظف يسكن في حي الرحمة أن يلج بناية محكمته بزناتة في ظل ظروف السير والجولان بالدار البيضاء؟"، معتبرين أن "ما تبشر به وزارة العدل من نقل الموظفين لن يلبي الحاجيات اليومية وسيتحول الدوام الإداري من 8 ساعات إلى 12 ساعة ".
وأشار المصرحون إلى أنه قبل الشروع في هذا البرنامج يتعين على وزارة العدل الوقوف أولا على ما وصفوه بـ "إخفاقات ومعاناة جسم العدالة من توحيد المحاكم منذ سنة 2004 إلى الآن"، لافتين إلى أنه "يمكن بعدها الحديث عن المدينة القضائية، التي هي أقرب إلى أسطورة سيزيف بكل عذاباتها تنقلاتهم من وإلى زناتة".