بين الفهم والوهم

الصحراء المغربية
الخميس 30 دجنبر 2021 - 12:20

بين الفهم والوهم كتابة اختلاف بسيط، لكن في المعنى هناك اختلاف كبير، فحين نكون بصدد الفهم، نعني بذلك الاستيعاب والدراسة والاهتمام والتفاعل بهدف القدرة على المواكبة وإفادة الآخر والمجتمع والعالم ككل في بعض الحالات. وحين نبدل الفاء واوا نكون بصدد إشاعة الفوضى والجهل والفساد وكل شيء قبيح وذميم.

 اللافت والمؤسف والمقزز أن إشاعة الوهم عبر ادعاء الفهم صارت لغة عصرنا، والطامة الكبرى أننا صرنا نحتفي بناشري الوهم، ونهمل أهل الفهم والعلم والمعرفة، رغم أنه لا غنى لنا عنهم، لأنهم ملاذنا في نهاية المطاف. ونكون محظوظين إذا كانت استعادة الرشد قبل فوات الأوان. في السابق كنا ننتقد من يستغلون حاجة الناس وألمهم من قبل من يبيعون خلطات تداوي كل الأمراض واليوم أصبحنا نرتمي بين أحضان من يزعمون فهم كل شيء ولهم وصفات لحل كل المشاكل. في زمن كورونا هذا تعاملنا في الكثير من الأحيان مع مروجي الوهم وكأنهم من أهل الفهم والعلم والمعرفة، لكن سرعان ما تكذب الأحداث ادعاءاتهم، ومع ذلك من بيننا من يتشبث بما اطلع عليه في الأول ويعتبر ما تلاه... ناهيك عمن لم يصل إليهم الخبر اليقين. ورغم الضرب على أيديهم بأحكام التكنولوجيا والقانون فإنهم ينبتون كالفطر وصاروا أكثر، ويتوالدون بكثرة قبل ظهور متحور أوميكرون، الذي ابتلى به العالم. لمواجهة هذه الفئة لا ينبغي أن نترك لها الساحة فارغة خصوصا على المستوى الرسمي ونتصدى لها بكل الوسائل وترميم الثقة التي جرى بناؤها في بداية زمن كورونا حين كان للمواطن مخاطب رسمي يطل عليه في كل وقت وصار مصدر معلوماته الموثوق. قد يكون لخفض منسوب التواصل مع المواطن في مراحل لاحقة من زمن كورونا هدف نبيل يتمثل في إبعاده عن الطاقة السلبية وتفادي نشر الخوف والرعب ومضاعفة المشاكل النفسية، التي خلفها الحجر الصحي، لكن لا ينبغي أن نترك الساحة فارغة لمروجي الوهم.

هناك حاليا محاولات لسحب البساط من تحت أقدام هذه الكائنات الغريبة، لكن المهمة لن تكون سهلة لأن الخطأ يتمثل في الانسحاب شبه الكلي على حين غرة، النتيجة أن النداءات المتكررة لتطليق التراخي والعودة إلى زمن الالتزام بالشروط الاحترازية لنحمي أنفسنا ووطننا. مر أسبوعان على ظهور أوميكرون وتسير الأرقام في اتجاه تصاعدي، وآخر ما أعلن عنه أول أمس من طرف وزير الصحة (76 حالة إصابة مؤكدة و246 حالة محتملة)، والمشكلة حتى الآن ليست في عدد الإصابات المؤكدة، بل في المحتملة لأن المصابين وإن افترضنا حسن النية لا يصرحون بكل مخالطيهم ليصبحوا في عداد الحالات المحتملة. فضلا عن ذلك ليست لدينا ضمانات بأن كل الحالات المحتملة التي جرى نصحها بالعزل لمدة عشرة أيام على الأقل لتوفرها على سكن يسمح بذلك تلتزم. شئنا أم أبينا الوضع لا يطمئن وما يسيطر حاليا على المشهد غياب شبه تام للالتزام أو الاهتمام بناقوس الخطر الذي يجري دقه. في انتظار التوصل إلى طريقة تواصلية أكثر تأثيرا في المواطن ينبغي إعمال القانون، وإدانة الوهم الذي استشرى في أوساط المجتمع، عبر الضرب على مروجيه، وأيضا على غير الملتزمين، نحن في حالة طوارئ لها قوانينها، وتترتب عن مخالفتها عقوبات، وبتفادي الضرب على أيدي المخالفين نقويهم، ونضع الملتزمين هدفا للإصابة ولسهام سخرية الأذكياء الأغبياء، الواهمين ونعزز طغيان الوهم على الفهم، وربما نبحث للأول مرة عن مبررات واهية.




تابعونا على فيسبوك