حملة "عتقني من الزنقة" مبادرة اجتماعية بالبيضاء لمساعدة المتشردين على العودة إلى الحياة الطبيعية

الصحراء المغربية
الجمعة 15 أكتوبر 2021 - 15:13
تصوير: سرادني

"عتقني من الزنقة" هو شعار الحملة، التي أطلقتها جمعية جود الخيرية ما بين 22 من شتنبر المنصرم و5 أكتوبر الجاري، لجمع التبرعات من أجل انتشال 50 متشردا من الشارع ومنحه فرصة ثانية لاسترجاع آدميته والعودة إلى الحياة الطبيعية.

وحملة "عتقني من الزنقة" نجحت بفضل التضامن الكبير من قبل المواطنين ورجال الأعمال والفنانين والمشاهير، من جمع مليون و63 ألف درهم، وهو أكبر بقليل من المبلغ الذي كان محددا سابقا في مليون درهم، ما سيمكن من إنقاذ ثلاث أشخاص إضافيين من حالة الضياع والتشرد.
ما أن يسدل الليل ستاره وتقل الحركة بالشوارع الرئيسية بمدينة الدار البيضاء، تجنح مجموعة من الأشخاص إلى الأماكن المتوارية عن أنظار الناس، ببطون فارغة يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يعيشون على هامش المجتمع، غير أن يد السماء ترسل إليهم بعض الآدميين لرسم بعض الأمل على وجوههم، ومنحهم الشعور بدفء الإنسانية ومساعدتهم حسب الإمكانيات المتوفرة، من بينهم جمعية جود الخيرية، التي بدأت بمبادرة فردية وصغيرة هدفها توزيع وجبة عشاء ساخنة على 100 شخص يعيش أقصى درجات الهشاشة، لتكبر البادرة، وتنجب جمعية بإمكانيات مهمة ومشاريع متطورة ويزداد متطوعوها يوما بعد يوم.

 

انتشال 426 شخصا من الشارع


تقول هند العايدي، رئيسة جمعية جود التي تأسست بالعاصمة الاقتصادية شهر شتنبر من عام 2016، إن "عملنا في بداية الأمر كان يقتصر فقط على توزيع وجبات الطعام المعد منزليا على الأشخاص بلا مأوى، ليتطور إلى تقديم الملابس والأغطية الدافئة والأدوية لمن يحتاجها من المشردين" وتضيف "خلال عملنا الليلي التقينا بأشخاص وجدوا أنفسهم يعيشون التشرد بعد تعرضهم لمواقف غيرت مجرى حياتهم، ولديهم القابلية للاندماج مجددا في المجتمع، فحاولنا مساعدتهم على ذلك، حيث استطاعت الجمعية وفروعها الخمسة الموجودة بأهم المدن المغربية من انتشال 426 شخصا من التشرد".
عملية توزيع الوجبات والأغطية لاقت استحسانا كبيرا من قبل المواطنين والمتضامنين مع الجمعية، الذين جادوا بالأموال على جود للمساهمة في هذا العمل الخيري، ما وفر للجمعية إمكانيات لإنجاز مشاريع طموحة يمكنها أن تكون حلولا جذرية لمعضلة التشرد وتساهم في التخفيف من وطأتها على المجتمع، لتعطي بذلك انطلاق مشروع "جود الكرامة"، عبارة عن شاحنات مجهزة بحمامات متنقلة، وتحوي خزانة للملابس النظيفة ومناشف إلى جانب العلاجات والأدوية، والتي تروم إعادة إدماج 8000 شخص في المجتمع، تقول العايدي، إن "الهدف من هاته المبادرة هو إعادة الثقة في أنفس المشردين واسترجاع آدميتهم والإحساس أنهم لا يقلون عنا وعن باقي المواطنين، والعودة إلى أسرهم وإلى الحياة الطبيعية كسائر الناس، والبحث عن عمل يغنيهم عن السؤال والتشرد".
وتضيف رئيسة جمعية جود لجريدة "الصحراء المغربية"، أن "الشاحنة مجهزة بتقنيات متطورة لأخذ بصمات المستفيدين بهدف إحصائهم ما يمكن من تحديد عددهم وأعمارهم ومستوياتهم الدراسية وتوفرهم على أوراق ثبوت الهوية من عدمه".
وعن المشروع الثاني الذي هو قيد الإنجاز، توضح العايدي أن "الجمعية تعمل حاليا على إنشاء ملاجئ لاستقبال الأشخاص، الذين يعيشون أقصى درجات الهشاشة اجتماعيا، كما هو معمول به في أوروبا، حيث سيتمكن المستفيدون من ولوج المركز وقتما شاءوا والحصول على مكان آمن لقضاء الليل وعلى وجبات طعام وأماكن لقضاء الحاجة والاغتسال"، كما سيوفر المركز كذلك المساعدة الاجتماعية لتوجيه الأشخاص الراغبين في الدعم النفسي أو البحث عن عمل أو العودة إلى ذويهم.
ويهدف المشروع الثالث "جود كاب" لاحتضان الأشخاص الراغبين في التكوين وتوفير المسكن والمشرب لمدة ثلاثة أشهر حتى يجدوا عملا يحفظ كرامتهم.
 إلى جانب ذلك، أولت الجمعية اهتماما بالغا بفئة الأطفال الذين ولدوا وترعرعوا بالشارع ولا يعرفون حياة أخرى غير حياة التشرد، حيث سيتم احتضانهم بمركز "جود الأمل" والعناية بهم لمدة تسعة أشهر وتربيتهم على العادات اليومية الطبيعية بهدف ممارسة حياتهم كباقي الأطفال، وتوفير علاجات مجانية للأشخاص المدمنين لمساعدتهم على الإقلاع عن المخدرات، واستخلاص وثائقهم الإدارية وإثبات هويتهم، وتتعهد الجمعية في شخص رئيستها على "أن المستفيدين لن يغادروا أسوار المركز دون حصولهم على سكن لائق وعقد عمل".
استجابة للأشخاص الراغبين في تقديم يد العون لهذه الفئة الهشة حسب مواقعهم دون اللجوء إلى وسيط كالجمعيات، التي وصم بعضها بنهب أموال المحسنين، بادرت الجمعية في إنشاء أول موقع تواصل اجتماعي تضامني في إطار مشروع "جود طاغ"، الذي يهدف إلى تأطير المواطنين على العمل التطوعي وكيفية المساهمة في تغيير حيوات الأشخاص انطلاقا من أماكن وجودهم وتقاسم الخبرات في مجال العمل التطوعي الميداني.

 

 أزمة كورونا ترفع من عدد المشردين 


مع الأزمة الصحية وفرض حالة الطوارئ بسبب الوباء، ازدادت الأوضاع سوءا وتفاقمت معاناة شريحة كبيرة من المواطنين الذين فقدوا أعمالهم ومنازلهم بعد عجزهم عن دفع الفواتير وسومة الكراء، ليجدوا أنفسهم مضافين إلى العدد المهول من الأشخاص الذين يعيشون وضعية التشرد، والذي قدر حسب أرقام وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة بـ 4000 شخص، الأمر الذي انتبهت إليه جمعية جود خلال جولاتها الليلية المنظمة لتقديم الوجبات، فكان لا بد من التحرك والقيام بخطوة استعجالية، فجاءت مبادرة حملة "عتقني من الزنقة" لجمع التبرعات من أجل منح فرصة ثانية لـ50 شخصا فقدوا أعمالهم ومساكنهم بسبب الجائحة.
وفي هذا الصدد، تقول العايدي إن "الحملة لاقت صدى وتفاعلا كبيرين من قبل المواطنين ورجال الأعمال والفنانين والمشاهير، خلال البث المباشر الذي نظم يوم 5 أكتوبر الجاري، ومكننا من جمع مليون و63 ألف درهم، لتمويل مشاريع المستفيدين والذين وصل عددهم بفضل المحسنين إلى 53 شخصا من الدار البيضاء والرباط والجديدة ومراكش وطنجة، حيث توجد فروعنا".
وأضافت المتحدثة نفسها أن "هؤلاء سيتم احتضانهم لمدة ثلاثة أشهر سيستفيدون خلالها من التأطير والتكوين والمواكبة في تسيير المشاريع، ومنحهم دراجات ثلاثية العجلات مجهزة كليا لتحضير وبيع الوجبات الخفيفة، التي ستضمن لهم مبلغ 300 درهم كمدخول يومي، ما من شأنه أن يعيد إدماجهم من جديد داخل المجتمع".

 

تغيير حياة الناس يثلج الصدر


رغم جسامة المسؤولية على عاتق مؤسسة الجمعية، التي أصبحت فاعلا مهما في مجال العمل الخيري التطوعي بالمغرب، إلا أن إحساس الامتنان والسعادة مازالا يخالجان صدر هند العايدي بما تقوم به انطلاقا من موقعها، حيث عبرت عن فرحها قائلة "أمر جميل أن تساهم في تغيير حياة الأشخاص وترى شعاع الأمل يشع من عيونهم وتعيد إليهم كرامتهم المفقودة"
رؤية مشردين سابقين يعيشون حياة طبيعية تحترم كل مقومات العيش الكريم، واستفادة أبنائهم من التمدرس ووثائق هوية تثلج صدر هند العايدي، التي تأمل أن تستمر في عملها التطوعي إلى آخر رمق من حياتها.

 

أسماء إزووان

تصوير: سرادني


حملة "عتقني من الزنقة" مبادرة اجتماعية بالبيضاء لمساعدة المتشردين على العودة إلى الحياة الطبيعية




تابعونا على فيسبوك