رقعة الجهات المصدرة لخادمات البيوت تتسع رغم تجريم الظاهرة

الإثنين 27 ماي 2013 - 12:50

تعد مناطق تاونات والخميسات وضواحي خريبكة وبني ملال من أكبر الجهات المصدرة لخادمات البيوت نحو المدن الكبرى.

رغم عدم وجود إحصائيات مضبوطة في هذا الصدد، إلا أن مراسلي "المغربية" في الأقاليم المذكورة أعلاه يؤكدون أنه لا يخلو دوار أو مدشر انتقلت واحدة من فتياته، على الأقل، للعمل كخادمة في البيوت.

ففي تاونات، مثلا، تعتبر جماعة كلاز بغفساي من بين المناطق الأكثر تصديرا للخادمات، باعتبارها واحدة من الجماعات القروية الأكثر فقرا على صعيد هذا الإقليم، يقدر عدد سكانها بأزيد من 16 ألف نسمة، أغلبهم يعيشون تحت عتبة الفقر.

وبجهة تادلة أزيلال، هناك قائمة طويلة لعدد الجماعات المُصدرة للقاصرات للعمل في بيوت الأسر الميسورة في المدن، من بينها المعازيز، وحودران، وآيت يكو، وآيت يدين، التي تشكلت بها لوبيات متخصصة في اصطياد الفتيات الراغبات في العمل بالبيوت، رغم صغر سنهن، حيث يتم تسخير عدد من النساء المتخصصات في البحث عن الفتيات اللواتي يتحدرن من عائلات فقيرة لتشغيلهن ببيوت الأسر الميسورة.

وفي أزيلال وحدها تنشط العشرات من الوسيطات المتخصصات في البحث عن طفلات، تقل أعمارهن في بعض الأحيان، عن 12 سنة، لنقلهن إلى المدن الكبرى، حيث يجري تشغيلهن في أعمال شاقة تفوق قدراتهن الجسدية، وتنشط هذه اللوبيات تحديدا في آيت عتاب، ودمنات، وآيت بوولي، وبعض نواحي إقليم بني ملال، خاصة منطقة إرغرم لعلام، وتيزي نيسلي، وأغبالة.

وتبقى الدارالبيضاء، والرباط ومراكش من أبرز الوجهات المستقبلة للخادمات "المستوردة" من مناطق تادلة وأزيلال.

وبجهة الشاوية، تعتبر الجماعات القروية التابعة لمدن خريبكة وبن احمد وسطات، ووادي زم، من أبرز المناطق التي يتوافد عليها الوسطاء للبحث عن العائلات الفقيرة الراغبة في تصدير بناتها للعمل في المنازل بالمدن الكبرى.

وتنشط هذه الممارسات غير القانونية، أيضا، وبشكل أقل بجهة عبدة دكالة.
وتتراوح أجور الخادمات القادمات من المناطق المذكورة بين 500 درهم و1500 درهم شهريا، غالبا ما تتوصل بها الأسر عبر حوالات بريدية أو بواسطة الوسطاء والسماسرة، بعيدا عن الاتصال المباشر بين الأسر المصدرة والمستقبلة.

وغالبا ما تتحدد قيمة الأجر انطلاقا من المستوى المعيشي للعائلات، إضافة إلى تجربة الخادمات في الميدان.

ويعتبر التعنيف سوء المعاملة المصاحبين لظاهرة تشغيل الطفلات في البيوت، آفة قديمة، حسب علي شعباني، أستاذ باحث في علم الاجتماع، الذي أوضح أن هذه الممارسات المشينة كانت تمارس في عدد من البيوت المغربية، إلا أنها كانت قيد الكتمان والسرية، لا تبارح جدران البيوت المعنية، كما لم تكن الخادمات أو أسرهن تقوى على البوح بما تتعرض له من عنف، إما استسلاما أو لاعتبار سلوكات التعنيف طابو من الطابوهات.

ورغم صدور قوانين رادعة وصارمة، ووجود مجتمع مدني نشيط في هذا المجال، إلا أن ظاهرة تشغيل الطفلات في البيوت ما زالت قائمة وتزداد يوما عن يوم.

خديجة بن اشو

فاطمة وزينب وخديجة هي حالات لخادمات قاصرات واجهن أنواعا من التعذيب والحرمان في بيوت مشغليهن، بعد هروبهن من محن الفقر والهشاشة، التي تعيشها أسرهن في أعالي الجبال وبالمناطق النائية.

حُرمن من الحق في التمتع بحياة الطفولة مثل باقي أطفال العالم، ليغادرن الحياة بعد عمر من العذاب.

فاطمة توفيت، في مارس الماضي، بأكادير بعد تعرضها لحروق على مستوى أنحاء مختلفة من جسمها، خلال عملها بمنزل دركي بحي تالبرجت، إذ أن التحقيقات الأولية كشفت أن الضحية توفيت متأثرة بحروقها، وهي تتحدر من أسرة متكونة من عشرة أفراد، الأم "زاينة" ربة بيت، والأب عامل موسمي في الفلاحة، ويعيشون بمنطقة نائية بجماعة تافلكونت الجبلية، بإقليم تارودانت، وكانت تشتغل في بين الدركي مقابل حوالي 350 درهم شهريا.

حالة فاطمة، التي ودعت الحياة متأثرة بحروقها بمستشفى أكادير، هي الحالة نفسها التي عاشتها الخادمة زينب شتيت (11 سنة) بمدينة وجدة، إذ تعرضت للاعتداء من قبل مشغلها القاضي وزوجته، بما فيها الحرق والعض، حسب تصريحاتها، إضافة إلى حلق شعرها عن آخره، وجلدها بخيط كهربائي ملفوف.

قبل حالات أكادير ووجدة، تابعت وسائل الإعلام حالة الخادمة خديجة (13 سنة) التي وافتها المنية، متأثرة بضرب مبرح في كل أنحاء جسدها أثناء وجودها رفقة زوجين في بيت اكترياه لقضاء عطلتهما في الجديدة.

وتختلف أنواع التعذيب، التي تعرضت لها الخادمات القاصرات المتحدرات من مناطق متعددة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو الألم، الذي خاطته قلوب قاسية على أجساد ضعيفة، قهرتها ظروف العيش، وسقطت ضحية معاملة يصفها الحقوقيون والجمعويون بالوحشية، التي تبرز الوجه البشع لسوء المعاملة.

ويرى عدد من الحقوقيين أن الإقبال على الخادمات الصغيرات، حيف في حق فئة من الفتيات، حكمت عليهن ظروف اجتماعية إلى الاعتماد على سواعدهن من أجل سد الحاجة.

وتصديا للظاهرة، صادقت الحكومة أخيرا، بعد سنوات من المشاورات حول قانون تشغيل العمل بالبيوت، على مشروع القانون الخاص بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعمال المنزليين، بعد إدخال جملة من التعديلات والملاحظات على الصيغة القديمة.

ويرمي هذا القانون، حسب المسؤولين عن قطاع الشغل، إلى ضبط العلاقات بين الأجراء ومشغليهم، فضلا عن القضاء على ظاهرة تشغيل الطفلات اللواتي تقل أعمارهن عن 15 سنة وتجريم هذه الظاهرة.

ويرى بعض الحقوقيين أن القانون لم يأت بالجديد، لأنه يهم عمال المنازل بشكل عام، ولا يحمي القاصرات العاملات في البيوت، كما أنه لا يوفر آليات لضبط العمل في البيوت، ولا يوفر مؤسسات لحماية الخادمات الصغيرات من الأعمال الشاقة.
وفي هذا الإطار، قالت نجية أديب، رئيسة جمعية "ما تقيش ولادي"، لـ"المغربية"، إن القانون وحده لا يكفي لحماية هذه الشريحة من الفتيات، كما أنه لن يحد من ظاهرة تشغيل القاصرات.

ولا بد من إصدار العقوبات، ومتابعتها من خلال تنفيذها وتطبيقها ومعاقبة المتهمين، بما فيها عقوبة مشغلي القاصرات، تقول أديب، التي أشارت إلى أن الظاهرة مازالت مستمرة في ظل غياب آليات حقيقية تقضي عليها، وأن هناك مناطق تترأس قائمة تصدير الخادمات إلى المدن وفي مقدمتها تاونات، تقول أديب، تليها منطقة الغرب ونواحي الصويرة، وتاحناوت وغيرها.

ظاهرة تشغيل الخادمات يجب معالجتها عبر خلق آليات للقضاء على الفقر والتهميش في العديد من المناطق، التي تعاني الهشاشة ويواجه سكانها ضعف موارد العيش، وتلجأ أسرها إلى الاعتماد على الأبناء في توفير دخل بسيط وقار يساهم في تحصيل القوت اليومي.

بني ملال: محمد رفيق

يشكل موضوع الخادمات إشكالية مثيرة للجدل، وهو من الموضوعات الحساسة في الأوساط المجتمعية المغربية، بل إنه حلقة مهمة في الدراسات السوسيولوجية، التي تقتضي ملامسة علمية على مستوى الميدان، للوقوف على قضايا ذات علاقة بمسببات اجتماعية ونفسية، وذات تأثير كبير على تمدرس الفتاة في الأوساط القروية الريفية والمناطق الجبلية التي تعاني هشاشة كبيرة، وبالتالي انعكاس الموضوع على التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية، وبما أن ظاهرة الخادمة تشكل حضورا متميزا في الجغرافيا المجالية والمكانية في عدة مناطق بجهة تادلة أزيلال.

أكدت مصادر جمعوية بجهة تادلة أزيلال أن هذه الأخيرة تعتبر من الجهات المصدرة للخادمات، خاصة بإقليم أزيلال، حيث ينشط السماسرة والوسطاء، تحديدا بآيت عتاب، ودمنات، وآيت بوولي، وبعض نواحي إقليم بني ملال، خاصة منطقة إرغرم لعلام، وتيزي نيسلي، وأغبالة.

أما الوجهة المستقبلة للخادمات فهي الدارالبيضاء، والرباط ومراكش، وبشكل قليل مدينة بني ملال. محمد خدي، أخصائي اجتماعي يشتغل في مجال هجرة الأطفال بدون مأوى أو المتخلى عنهم، وقضايا السوسيولوجيا، اعتبر في حديثه لـ"المغربية"، أن العائلات المُصدرة لطفلاتها تبحث عن المردودية المالية، ولا تهتم للتحصيل الدراسي لبناتها.

ونتيجة لذلك يشتغل الذكور الصغار في المجالين الحرفي والزراعي، سواء بالمنطقة أو المدن المجاورة، فيما يتم تصدير الفتيات للعمل في البيوت كخادمات. وأشار المتحدث نفسه إلى أن المتدخلين في هذه المنظومة "التجارية"، هم الآباء والسماسرة، حيث إن العائلات المستقبلة للخادمات غالبا لا تربط الاتصال بشكل مباشر بأسر الفتيات، لأن هذه الوظيفة يشغلها السمسار.

المصادر ذاتها، أكدت أن السماسرة يستغلون أحد المقاهي بمدينة أزيلال، ويجعلونه مقرا لهم، وفيه يلتقون بالزبناء أو يتواصلون معها عبر الهاتف المحمول، في حين تشكل منطقة "إغرم العلام"، 33 كيلومترا عن مدينة بني ملال، فضاء للسماسرة، خاصة إحدى السيدات المعروفة على المستوى الوطني، حيث تشتغل بالوسائل التقنية الحديثة، في إطار شبكة منظمة بين العائلات المستقبلة والعائلات المصدرة.

وتستغل موقعها في المركز المذكور، الذي انتقل عدد سكانه في ظرف 3 سنوات من 4000 نسمة إلى حوالي 12 ألف نسمة رغم المساحة الصغيرة، تشهد المنطقة توافدا كبيرا للمهاجرين من مناطق بإقليم أزيلال وبعض المناطق الجبلية بإقليم بني ملال، خاصة أغبالة وتيزي نيسلي، بحثا عن الاشتغال في الضيعات الفلاحية وفي معمل الإسمنت، الذي أحدث بالمركز الصغير، وهو ما يسهل مأمورية السمسارة، في الحصول على خادمات وتوظيفهن في السياق ذاته.

وتتراوح أجور الخادمات بين 500 درهم و1500 درهم كراتب في الشهر، غالبا ما تتوصل بها الأسر عبر حوالات بريدية أو بواسطة الوسطاء والسماسرة، بعيدا عن الاتصال المباشر بين الأسر المصدرة والمستقبلة.

ويضيف المتحدث أن قيمة الأجر غالبا ما تتحدد انطلاقا من المستوى المعيشي للعائلات، إضافة إلى تجربة الخادمات في الميدان، إذ أن السمسارة المذكورة تعمل في بعض الأحيان على تتبع مستوى الخادمات داخل البيوت، وخاصة اللواتي تشرف عليهن إلى حين اكتساب التجربة، لتعمل على نقلهن إلى بيوت أخرى بالمدن الكبيرة وبأجر متميز قد يصل إلى 2000 درهم.

وتحدث الخبير الاجتماعي محمد خدي، عن جوانب المعاناة في أوساط الخادمات، التي غالبا ما يبقى مسكوتا عنها، وبالتالي تضطر الفتيات الخادمات إلى المعاناة في صمت، خاصة أن الشكوى من سوء المعاملة لدى أسرهن أو عائلاتهن، التي قد تصل إلى الاعتداء الجسدي والتحرش الجنسي والتعذيب دون رد فعل، غالبا ما تقابل باللامبالاة وعدم الاكتراث بالموضوع، لأن ما يهم الأسر هو المدخول الشهري لمواجهة أعباء الحياة وظروفها، بحكم وضعها الاجتماعي المزري.

رغم ما أثير من جدل حول موضوع تعنيف الخادمات وأوضاعهن في البيوت المستقبلة، وأمام غياب ترسانة قانونية منظمة للظاهرة والقطاع أو النشاط، فإن عدد الخادمات آخذ في الارتفاع بالنظر إلى ارتفاع معدل العنوسة في المناطق القروية النائية المصدرة، ما يجعل الفتاة أو الطفل ثقلا كبيرا على الأسرة، مع العلم أن هذا النشاط يمنع الطفل من التمدرس، ويزيد من نسب الهدر المدرسي وبالتالي الانقطاع عن الدراسة، رغم جهود الدولة لتعميم التمدرس في العالم القروي والمناطق الجبلية.

ورغم برنامج تيسير في مناطق أزيلال، الذي يدعم الأسر ماديا، ارتباطا بتمدرس الفتيات والأطفال، إلا أن الظاهرة مستفحلة، بالنظر إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الأسر، لذلك فمصير الفتاة يتحدد حسب رغبة رب الأسرة، أو حاجة الأسرة لمصدر رزق إضافي يساعد على تحمل أعباء الحياة اليومية.




تابعونا على فيسبوك