قطاع برائحة المعاناة

التدبير والتبذير

الإثنين 08 أبريل 2013 - 14:57

ينتج المغاربة يوميا حوالي 20 ألف طن من النفايات المنزلية، تضاف إليها أطنان أخرى من النفايات الإلكترونية والكيماوية، تلقى في الطبيعة كيفما اتفق، من غير معالجة سليمة، في ظل ضعف الإمكانيات التقنية، وثغرات التشريع.

بعد أزيد من نصف قرن من الاستقلال، مازال قطاع تدبير النفايات يزداد تعقيدا، ويتأرجح بين نجاح نسبي وعجز بيّن، سواء من خلال الجماعات المحلية، أو بواسطة التدبير المفوض.

يقول خبراء البيئة إن كميات الماء المشكلة للنفايات المنزلية في المغرب تصل إلى نسبة 70 في المائة، مقابل 30 في المائة من المواد الصلبة، ما يعني أن المواطن المغربي، حين يتخلص من النفايات، لا يخلصها من المياه، بل يضيفها إليها، ما يزيد من كمية العصارة، دون التساؤل عن التبعات السلبية لهذا السلوك، ما يعني أن إجراءات وسلوكات بسيطة من الأفراد يمكن أن تغير اتجاه الأمور في المنحى الجيد.

إن مشكل تدبير النفايات المنزلية، وغيرها من مخلفات النشاط البشري، لا يقتصر فقط على الجوانب التقنية، بقدر ما يتعلق الأمر بمسألة سلوك وطريقة عيش، ما يتطلب العمل في أعلى السلسلة، من خلال التربية على نبذ التبذير، وعقلنة الاستهلاك (أو "الاستهلاك دون هلاك"، كما يحث على ذلك برنامج تلفزيوني تحسيسي).

لا يصدق الكثير من شباب وأطفال اليوم أن آباءهم وأجدادهم لم يعايشوا، في مثل سنهم، الأكياس البلاستيكية في أغراضهم الحياتية، ولم يطرح مشكل التلوث أصلا بالنسبة إليهم، إذ كان مرتبطا في التصور العام بالبلدان الصناعية فقط.

فقبل تعميم "الميكة" بداية من أواخر سبعينيات القرن الماضي، مضى على المغاربة زمن كانوا يتسوقون في أكياس من مواد طبيعية، مثل قفة الدوم أو الحلفاء، وكانت المشتريات تعبأ في أكياس من الورق، والسوائل في قنينات من الزجاج.

هناك وعي متزايد في المغرب بالمخاطر المرتبطة بالتدهور البيئي، في مختلف تجلياته، وتبذل جهود حكومية ومن المجتمع المدني، لكن هذا الوعي لم يرق إلى مستوى سياسة متناسقة ومندمجة في الإنتاج والاستهلاك ونمط العيش، تمتد إلى السلوك الفردي اليومي.

ففي واحد من مظاهر الخلل، يتوازى الحث على الاقتصاد في استهلال الطاقة، مع إشهار التشجيع على شراء السيارات، وفي المدن الكبرى، بات لكل مواطن جرعة يومية مضمونة من سموم المعادن الثقيلة، فضلا عما تيسر من كل أشكال التلوث الناتج عن النفايات، في ظل ضعف التدبير وحضور التبذير.

حميد السموني

اقتضت الضرورة البيئية استغناء الحكومة على "الميكا" بعدم الترخيص للمقاولات التي تصنع أكياس البلاستيك المستعملة في جمع حاجيات المواطنين والنفايات وأشياء أخرى.
واعتبرت الحكومة أن الأكياس البلاستيكية ملوثة للبيئة ويجب استبدالها بأكياس مصنوعة من الثوب، في إطار خطة تمكن أيضا من تحقيق مداخيل لتعاونيات نسائية.

والمتتبع لجهود المغرب في مكافحة الثلوث يعلم أن الحكومة السابقة توفقت في القضاء على "الميكا الكحلة"، الأكياس البلاستيكية السوداء التي تلوث البيئة بشكل مهول، بفعل عدم تحللها إلا بعد مرور عشرات السنين، واستبدالها بأكياس ملونة، قيل عنها في البداية إنها "صديقة للبيئة"، لكن كشفت تقارير بيئية أن حتى تلك الأكياس البلاستيكية الملونة مهددة للبيئة، وليست صديقة لها.

وتنفيذا لمخطط الحكومة البيئي، الذي يزاوج بين المحافظة على البيئة ودعم البعد التنموي، أعطى محمد نجيب بوليف، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة، رفقة فؤاد الدويري، وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة، انطلاقة عملية صنع الأكياس الصديقة فعلا للبيئة، وهي أكياس مصنوعة من الثوب، ستتكلف بصناعتها تعاونيات نسائية استفادت من البرنامج الوطني للقضاء على الأكياس البلاستيكية.

وتعلل الحكومة إقدامها على تنفيذ قرار الاستغناء على الأكياس البلاستيكية، حسب بوليف، بأن "الهدف من عملية استبدال الأكياس البلاستيكية بأخرى مصنوعة من الثوب، هو تجسيد تفكير الحكومة في المجال البيئي والتنموي، حفاظا على سلامة البيئة".

وقال الوزير إن إجراء الحكومة المتمثل في حماية البيئة سيتبعه هدف ثان ذو طابع اقتصادي واجتماعي، باعتبار أن الفاعل الأساسي الذي سيعمل على الأكياس المصنوعة من الثوب هي التعاونيات، في إطار "التقائية السياسة الحكومية، لأننا نريد أن تكون التعاونيات فعلا هي الفاعل الأساسي والرئيسي في هذا البرنامج البيئي وفي إنتاج الأكياس المصنوعة من الثوب".

وترى الحكومة أن البرنامج البيئي الجديد سيمكن مجموعة من النساء الممتهنات للخياطة من أن يكون لهن دخل خلال الثلاثة سنوات المقبلة.

فؤاد الدويري، وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة، هو الآخر يدعم الحل البيئي الجديد للحكومة، واعتبر عملية إنتاج أكياس الثوب وتوزيعها سيكون مناسبة للتحسيس والتعبئة بين أوساط المواطنين على الصعيد الوطني لاستعمال هذا النوع من الأكياس البيئية بدلا من الأكياس البلاستيكية.

وقال إن "على المواطنين أن يعوا بالعواقب السلبية على البيئة نتيجة استعمال الأكياس البلاستيكية"، مشيرا إلى أن الأكياس الإيكولوجية يجب أن تعمم في القرى والبوادي كما هو الشأن في المدن.

ويهدف البرنامج البيئي للحكومة إلى دعم الاقتصاد الاجتماعي التضامني، والانخراط في البرامج الرامية إلى المحافظة على البيئة. كما تقول الحكومة إنها تسعى إلى خلق دينامية اقتصادية واجتماعية في التحسيس من أجل القضاء على الأكياس البلاستيكية الملوثة للبيئة.

وبدخول المغرب عصر المحافظة على البيئة سيكون ضمن دول بادرت إلى الامتناع عن استخدام الأكياس البلاستيكية في نقل وحفظ المواد الغذائية.

وهناك دول تفرض ضريبة مرتفعة على منتجي ومستخدمي الأكياس البلاستيكية الضارة بالبيئة، لتشجع مواطنيها على استعمال أكياس صديقة للبيئة مصنوعة من مواد غير ضارة مثل الثوب.

وبفضل تلك السياسة البيئة الصارمة أصبحت تقل نسبة استعمال الدول المتقدمة للأكياس البلاستيكية.




تابعونا على فيسبوك