صنف ضمن المآثر التاريخية المغربية بظهير شريف ويبلغ عدد الصناع به 600

تل الخزف.. عنوان آسفي في العالم منذ 100 سنة

الثلاثاء 12 مارس 2013 - 14:23

تتصدر آسفي قائمة المدن المغربية في صناعة الخزف، التي يطلق عليها المسفيويون اسم "العملي"، نسبة لأحد رواد هذه الصناعة المعلم بوجمعة العملي.

من بين العوامل التي جعلت آسفي تتربع على عرش صناعة الخزف على المستوى الوطني، انتشار هذه الصنعة بحجم أكبر من باقي الحرف التقليدية، وساهم في شهرتها أيضا تمركزها في "تل الخزف"، الذي يصنف موقعا تاريخيا، ومحجا يساهم في السياحة المحلية والأجنبية.

وتتميز صناعة الخزف المسفيوي بإتقان "المعلمين" لهذه الحرفة، التي ورثوها أبا عن جد، وكذا بجودة الطين بالمنطقة، الذي يحتوي على أوكسيد الحديد بنسبة كبيرة لا تتوفر في مناطق أخرى من المغرب، هذه العوامل جعلت خزف آسفي يشكل منبعا من منابع التنمية المحلية، وتعدت شهرته الحدود المغربية.

"المغربية" زارت تل الخزف بآسفي لتقف مع قرائها على حكاية وصول هذه الصنعة إلى المدينة، وكيف تطورت حتى أصبحت بمثابة العلامة التجارية والسياحية لإقليم آسفي عموما، وكيف جرى عرض بعض المنتجات الخزفية المحلية في معارض عالمية، إلى جانب أعمال الفنان الإسباني الشهير بيكاسو.

ازدهرت صناعة الخزف بآسفي بعد هجرة الأندلسيين، الذين استقروا بفاس وتطوان، وتخصصوا في هذه الحرفة، حاملين معهم تقنيات الفارسيين والسامرائيين والمصريين، والتحق بعضهم بآسفي حيث أبرزوا أصالة هذا الفن، ونذكر منهم عبد السلام لوكنصي، الذي حل بتل الخزف سنة 1875، ومعه بعض الصناع الذين عملوا بدورهم على تكوين صناع آخرين.

وتعد سنة 1918 نقطة تحول كبرى في صناعة الخزف بآسفي، إذ استقدم الصانع "بوجمعة العملي" من مدرسة الفنون الجزائرية، الذي أعطى اسمه لفن الخزف بآسفي حيث مزج الطابع المسفيوي بخطوط هندسية متطورة، تتطلب تقنية ودقة، مستوحاة من الطابع المحلي، وهيمنة اللون البني المستوحى من الزرابي البربرية والريفية مع إضافة اللون الأبيض والأسود، ثم إضافة الطابع الفني المتعلق بالنقش الفارسي الإسلامي.

الشيء الذي جعل خزف آسفي يحتل مرتبة كبيرة على الصعيدين الوطني والدولي وخضعت هذه الصناعة لتطورات مختلفة خلال مراحلها المتعددة، فكانت تفتقر شيئا ما إلى الإتقان في التشكيل والزخرفة وصياغة الألوان، الشيء الذي جعل الصناع يبحثون وينقبون في تطوير أساليب العمل، مع إدخال تحسينات جديدة على الزخرفة المسفيوية.

وساعدت مدرسة الرسم والخرط، التي أسسها بوجمعة العملي، على تخرج كبار الخزفيين في هذا المجال، فبدأ بذلك التجديد والابتكار لأنواع كثيرة، سواء من ناحية الأشكال الهندسية أو من ناحية الرسم والزخرفة على هذه الأشكال المبتكرة.

وظهر إلى جانب العملي أحد تلامذته، وهو أحمد بن إبراهيم الفخاري، احد أبناء مدينة آسفي، الذي عرض أعماله في بعض المعارض العالمية إلى جانب بيكاسو وغيره من عمالقة الفنانين، وظهرت قوة خزف آسفي خاصة في طرق تحليل الخامات وإدماجه مادة أساسية في صناعات أخرى.

وتطورت هذه الأبحاث خصوصا بألمانيا، أثناء الحرب العالمية الثانية، وتوصل الباحثون إلى أجسام تسمى البورسيلين اسيتاين، التي تستخدم في مجال الترددات العالية.

"آسفي وما إليه"

رغم ما عرف عليه من إلمام واسع بتاريخ المجال، لم يعر المؤرخ المغربي محمد الكانوني، موضوع الخزف الأهمية اللائقة به، واكتفى في كتابه الذي صدر في الثلاثينيات، بأن يضمه ضمن باب الحالة الاقتصادية.

ويقول في فقرة من كتابه "آسفي وما إليه": "يوجد بآسفي من الصناعات والحرف ما تتوقف عليه ضروريات العمران، ففيها صناعة الخزف والفخار، وهذه الصناعة، أعني الفخار، من أكبر مميزات آسفي، فلقد حازت فيه أجمل ذكر وأجل إكبار بوجود تربتها الطينية، فسارت بذكر أوانيها الركبان وزينت بها المتاحف والبيوت... وهي من الصناعات القديمة بآسفي، وقد صرح بعض المؤرخين الإفرنجيين بأنها وجدت بآسفي منذ الفينيقيين قبل ميلاد المسيح بقرون».

المتحف الوطني للخزف بآسفي

يتكون المتحف الوطني للخزف بآسفي حاليا من فضاءين رئيسيين، هما فضاء دار الباهية، وفضاء المخازن والإسطبلات، يضمان معا 13 رواقا.

وفي إطار تأثيث الفضاء، تم اعتماد الترتيب الكرونولوجي للمنتوجات الخزفية كمعيار لتصنيف الأروقة، بحيث إن الزيارة تبتدئ من أول قاعة على يسار المدخل الرئيسي للمتحف وفيها الخزف الأركيولوجي إلى آخر قاعة في فضاء المخازن والإسطبلات وبها خزف بداية القرن العشرين، وبعد ذلك يخرج الزائر إلى حديقة المتحف، ثم يتوجه إلى دار الباهية، ليجد المكان المخصص للخزف المعاصر.

وبخصوص أروقة المخازن والإسطبلات، فان هذا الفضاء يضم خمسة أروقة، وهي حسب اتجاه الزيارة، تبتدئ برواق الخزف الاركيولوجي، يقع بالقاعة الأولى على يسار المدخل الرئيسي للمتحف، ويحتوي على الخزف الأثري، الذي تم اكتشافه في مواقع أثرية مغربية مختلفة، ويضم بعض القطع لعصر ما قبل التاريخ وبعض القطع للعصر القديم، بالإضافة إلى قطعتين للعصر الوسيط، وأخيرا بعض القطع للعصر الحديث.

وكان المحافظ أعد تقريرا وصف فيه النواقص التي يعاني منها المتحف الوطني للخزف حسب العصور التاريخية، إذ لا نجد فيه كافة فترات ذلك العصر بالمغرب، فباستثناء الفترة الاشولية، لا نجد فخار الفترة الموستيرية، خصوصا أن إقليم آسفي توجد به مغارة إيغود الموستيرية، كما يفتقر المتحف كذلك إلى فخار الفترة الايبيرومورسية، وفخار عصر المعادن.

وبالنسبة للعصر القديم، فإن أغلب الفخار الأثري الموجود بهذا المتحف يعود للفترة الرومانية، كما أنه لا يمثل المواقع الرومانية المتميزة بالمغرب كوليلي، وتموسيدا وبناصا، وما عدا الفترة الرومانية، لا نجد فخار الفترة الموريتانية، خصوصا أنه جرى استخراج كم هائل من الخزف الموريتاني من موقعي لقواس وباناصا، كما لا نجد الفخار المستورد من بلاد الإغريق أو إيطاليا والذي تم اكتشافه بموقع ليكسوس.

وبخصوص العصر الوسيط فإن القطعتين المتوفرتين بالمتحف تعودان للفترة الموحدية، وبذلك تكون باقي فترات العصر الوسيط (الإدريسية، المرابطية، المرينية والوطاسية) غائبةن ما يخلق فجوة تاريخية في التسلل الزمني ويوثر على فهم الزائر.

وبالنسبة للعصر الحديث، فإن جل الفخار الأثري لهذا العصر يعود للفترة السعدية، وهو مستخرج من حفريات معامل السكر بشيشاوة ، ولا نجد نماذج أخرى للفخار السعدي، كما أن فخار الفترة العلوية الأولى (القرن 17 و18) غير موجودة.

وأوضح محافظ المتحف أنه من حيث العدد، فالقطع الأثرية المتوفرة بمتحف آسفي تبلغ 734، وهي قليلة جدا بالمقارنة مع الزخم الأثري للمغرب، الذي يتوفر على ما يفوق 40 موقعا أثريا، يتوفر كل واحد منها على المئات من قطع الفخار الأثري.

كما أن طبيعة القطع الأثرية المتوفرة بمتحف آسفي، التي هي عبارة عن قلى مكسرة وغير مكتملة، لا تجعل الزائر يفهم أشكال ووظيفة القطع المعروضة، ويعطيه الانطباع أن بلادنا فقيرة من حيث الخزف الأثري، مع العلم أنه تم اكتشاف آنيات فخارية أثرية مكتملة أو اكتملت بعد تلصيق أجزائها، وهي التي تستحق العرض بهذا الجناح.




تابعونا على فيسبوك