"كومندنسيا"، موقع أثري تاريخي متميز، شكل على مدى التاريخ ملتقى للحضارات والتلاقح الثقافي، إذ انتقل من قصر إلى ثكنة عسكرية، ومن دار للمخزن في عهد السلطان المولى إسماعيل إلى مكان للمقيم العام الإسباني.
موقع "كومندنسيا" أضحى اليوم مركزا ثقافيا بامتياز، بعد أن خضع لعملية الترميم، أعادت له الروح بعد أن مسه النسيان، وأصبح من أجمل المنشآت الثقافية بالعرائش.
أوضح العربي المصباحي، المندوب الإقليمي لوزارة الثقافة بالعرائش، الذي التقته "المغربية"، في زيارة خاصة للمدينة، واستقبلنا في مكتب كان في ما مضى مكتبا لقائد إسباني كبير، إن مقر "كومندنسيا"، يعود بناؤه إلى فترة المولى إسماعيل، أي إلى القرن السابع عشر، مضيفا أنه كان في البداية عبارة عن قصر محاط بمجموعة من المرافق، وكان يعتبر مقرا رسميا لممثل السلطة، المعروف بقصر الباشا، أو دار المخزن.
وكان يشتمل على طابق أرضي فقط، لكن الاستعمار الإسباني في بداية القرن العشرين، تدخل وغير مجموعة من الأشياء، وكانت تدخلات ناجحة أحيانا، حسب رأيه، من ضمنها هذه البناية، حيث تم بناء طابق علوي بها، وأصبحت تعرف بـ"كومندنسيا"، كما هو شائع على لسان سكان العرائش.
وأضاف المتحدث أن هذه التحفة المعمارية استغلت كمقر للقيادة العسكرية الإسبانية، التي أدخلت عليها مجموعة من الزخارف، وبعد أن تدهور حالها، بادرت وزارة الثقافة بترميمها بشكل جيد وبشكل علمي، وحولتها إلى مركز ثقافي، يشتمل على مجموعة من المرافق، كالمعهد الموسيقي الذي يوجد في الطابق الأرضي، وإدارة المندوبية الإقليمية لوزارة الثقافة، ثم مكتبة".
وأبرز المصباحي أن "كومندنسيا" تستقبل سنويا 500 طالب يتابعون فيها دراستهم في مختلف المجالات الموسيقية، وتخرج منها مئات الموسيقيين الذين يشتغلون الآن مع فرق موسيقية مهمة داخل أو خارج المغرب".
وأضاف أن "المدينة تعرف نقطة تحول مهمة، تتمثل في انتشار المكتبات، التي تعتبر عنصرا ثقافيا مهما، حيث توجد 11 مكتبة، تابعة لوزارة الثقافة، فضلا عن المكتبات التابعة لبعض الجهات، أو الإدارات، وهي مكتبات تساهم، أيضا، في تنشيط الحركة الفكرية والثقافية بالمدينة، باعتبار الكتاب أداة الأساسية لنقل العلم والمعرفة للشباب من طلبة، وكل من له ميول لقراءة الكتب".
تفتخر مدينة العرائش بموقعها الأثري اليكسوس، جوهرة المدينة العريقة، التي لا يمكن ذكرها إلى مقرونة باسم المدينة الشمالية.
يخضع الموقع حاليا، حسب العربي المصباحي، المندوب الإقليمي لوزارة الثقافة للعرائش، لعمليات مكثفة للصيانة من طرف وزارة الثقافة، وفقا لاستراتيجية إعادة الاعتبار للمواقع الأثرية، التي تنهجها هذه الأخيرة، للحفاظ عليها من التدهور والاندثار ودمجها في الخريطة السياحية المغربية، فكان لابد من أعطاء اهتمام كبير لموقع "اليكسوس"، من أجل ترميمه وبناء منشأة ثقافية مجهزة بمرافق حيوية تسهر على تدبيره، ستفتتح أبوابها قريبا أمام الزوار المغاربة والأجانب، الذين لا يفوتون فرصة زيارة الموقع الأثري الذي يعتبر أيقونة العرائش التاريخية والثمينة.
مازال "اليكسوس"، قابعا فوق ربوة "الشميس"، معلنا للعالم صموده أمام رياح التطور والعصرنة، شاهدا على حضارات عريقة اتخذت من الموقع التاريخي مكانا رياديا لها، في شتى المجالات، يقابله مجموعة من الملاحات، التي غادرها أصحابها، لكن بقيت رابضة، تنتظر لعل أحدا منهم يعود يوما كي يعيد لها الحياة. في الجهة المقابلة لليكسوس، توجد بقايا أثار لمعامل تمليح الأسماك التي لعبت دورا كبيرا سنوات خلت، لكنها اندثرت وغير بعيد عن المكان يترأى من بعيد المركب السياحي الكبير، معلنا عن بداية انطلاق مشاريع سياحية بالجوهرة الزرقاء.
يقول العربي المصباحي "بعد أن مس الإهمال الموقع الأثري اليكسوس، وظل عرضة للتدهور الطبيعي والبشري منذ الاستقلال إلى حدود 2010، تم الشروع، أخيرا، في إعادة الاعتبار له وإبراز قيمته التاريخية، وحتى مؤهلاته السياحية".
وأبرز أن هذه البادرة اتخذتها وزارة الثقافة، واستثمرت فيها لحد الآن 10 ملايين درهم، تم رصدها سنة 2010، للغرض نفسه، وبناء منشأة ثقافية في أحد أركانه، بحيث ثم إحاطة الموقع أولا بسياج لحمايته، ومنع الدخول العشوائي للرعاة والحيوانات، التي كانت تساهم في تدهور البنايات الأثرية للموقع.
وتشمل المنشأة الثقافية، يضيف المصباحي، مجموعة من المرافق الحيوية التابعة لها، تتمثل في إدارة تسهر على تدبير شؤونها، وإنشاء متحف لعرض التحف الأثرية، التي سيتم استخراجها من الموقع نفسه، بالإضافة إلى مكتبة، وبعض المرافق الترفيهية التي ستكون رهن إشارة الزوار، مشددا على أن الموقع الأثري "اليكسوس"، سيفتتح أبوابه مستقبلا للزوار المغاربة والسياح الأجانب، وكذا عشاق الآثار القديمة.
ودعا المصباحي في لقائه مع "المغربية"، القائمين عن الأعمال السياحية، إلى إدخال هذا الموقع الأثري في خرائطهم وبرنامجهم السياحي، وقال في هذا الصدد إن عملية إعادة الاعتبار للمواقع الأثرية، ستشمل الموقع الأثري "امزورة" ، الذي يوجد، أيضا، بمدينة العرائش.
من جهة أخرى، أبرز المصباحي، بصفته باحثا ومتخصصا في علوم الآثار، أن "اليكسوس"، يكتسي أهمية كبرى عبر التاريخ، ويمثل إحدى أقدم وأعرق المدن التاريخية على الساحل الأطلسي، التي تبعد بـ3 كيلومترات من العرائش. بنيت اليكسوس على ضفة نهر اللكوس من المدخل الشمالي للعراش، على مساحة تقدر بـ75 هكتارا، يزيد عمرها عن أكثر من 2000 سنة.
وتفتخر مدينة العرائش بهذا المخزون الأثري المهم الذي يدل على عراقة هذه المنطقة وتاريخها الحافل بمرور شعوب وحقب تاريخية تعود إلى أمم سابقة. وشدد المصباحي على أن العرائش من أقدم المناطق استيطانا في منطقة الشمال، حيث تتوفر على أقدم المواقع الأثرية، ضمنها هذا الموقع الأثري، الذي يكتسي أهمية تفوق الحيز الوطني، نظرا لكونه موقعا معروفا على الصعيد الدولي، خاصة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بحيث لا يفصلنا على البحر الأبيض المتوسط سوى 80 كيلومترا، والمنطقة كانت مرتبطة دائما بهذه الحركة البحرية، ومن هنا جاءت أهمية هذا المنتجع، الذي مازال لم يخضع كاملا للتنقيب.
وزاد المصباح قائلا إن هناك أسطورة تتحدث عن بناء معبد على ربوة الشميس، يعني أن الأسطورة تتحدث عن وجود نوع من الاستيطان في المنطقة منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وهناك شواهد أثرية كثيرة استخرجت من الموقع تؤرخ للفترة الفينيقية، بحيث أن المدينة كانت موجودة منذ القرن الثامن قبل الميلاد، ككيان حضري معروف كان يمارس أنشطة اقتصادية وسياسية وإدارية، مرتبطة بباقي المدن، وبباقي المرافق الموجودة حول البحر الأبيض المتوسط.
واستمرت المدينة في التشكيل وفي الازدهار والتطور، خلال الفترة القرطاجنية وفي فترة الممالك البربرية، ثم يأتي، أيضا، الاحتلال الروماني للمغرب، الذي سوف يستقر في هذه المنطقة، وستصبح "اليكسوس" من أهم المدن الرومانية في شمال إفريقيا وفي المغرب خاصة، سواء من الناحيتين الاقتصادية والعمرانية، بحيث أن المدينة كانت تمتد على مساحة إجمالية تقدر بـ75 هكتارا، وكانت تعتبر من الناحية العمرانية أكبر من وليلي مثلا.
وإذا كانت وليلي تعتبر العاصمة الإدارية للحكم الروماني، فإن "اليكسوس" كانت تحظى بوضعية قانونية متميزة، باعتبارها كانت من أهم المدن، وشيدت بها معامل لتمليح السمك وصناعة "الكاروم"، والتي كانت تعتبر من أهم المنشآت الصناعية في غرب البحر الأبيض المتوسط، مؤكدا أن "اليكسوس"، كانت تختزل أكبر المعامل في هده المنطقة، التي كانت معروفة في تلك الفترة وكانت منتوجاتها تسوق لمختلف مدن الروماني والإمبراطورية الرومانية، وإلى باقي مرافئ ومدن البحر الأبيض المتوسط.
كما شهدت الليكسوس ازدهارا في الحركة العمرانية، إذ شيدت بها مجموعة من البنايات الفاخرة المزخرفة بنقوش وأشكال هندية ذات جمال رائع، كاللوحات المرصعة بالفسيفساء التي استخرجت من هذا الموقع، والتي تعرض حاليا في المتاحف الأثرية لمدينة تطوان، والتي تدل على المكانة الاجتماعية التي كان يتمتع بها سكان "اليكسوس" في العهد الروماني، دون أن ننسى الموقع الجغرافي الذي تتميز به مدينة العرائش، كممر ضروري ما بين الجنوب والشمال المغرب.
هذه الأهمية التاريخية، يوضح المصباحي، سوف تستمر في فترة الفتح الإسلامي مع استقرار الحضارة بمدينة اليكسوس قبل أن تبنى مدينة العرائش الحالية، لأننا مازلنا نتحدث عن الاستيطان العربي الإسلامي في "اليكسوس" إلى حدود القرن الرابع عشر الميلادي، ومن هنا سوف يتم إنشاء المدينة الحديثة ى(العرائش)ة على ربوة، أي على الضفة اليسرى لنهر اللكوس، بينما كانت اليكسوس على الضفة اليمنى، وهما متقابلتان الأولى تنظر للأخرى.
يقول المندوب الإقليمي لوزارة الثقافة إنه انطلاقا من القرن الخامس عشر، تأسست العرائش في عهد الوطاسيين، والنصوص التاريخية تتحدث عن أن الدولة الوطاسية أعطت أهمية كبرى لمدينة العرائش، وبنت بها القصبة، بمثابة النواة الإدارية والعسكرية والمخزنية للمدينة، وهي المنطقة التي يوجد بها الآن المعهد الموسيقي "كومندنسيا"، وحي القصبة الذي مازال معروفا بأسواره وأبوابه.
هذا الحي مازالت آثاره بارزة إلى اليوم، حيث تم تأسيسه في الفترة السعدية بعد أن اشتد الخناق على المدن الشمالية على يد البرتغاليين منذ 1415، لكن العرائش ستظل ثغرا من الثغور المهمة لصد الهجومات والتوسعات التي كان يقوم بها البرتغاليون، خاصة الذين استقروا في أصيلة، حيث ستصبح المدينة بالأساس ثغرا جهاديا يدافع ويدفع الغزو البرتغالي الذي كان يحقق انتصاراته على عهد السعديين.
ونحن نعلم - يقول المصباحي- أن المغرب سيحسم في أمهات المعارك الشهيرة، وهي معركة وادي المخازن التاريخية في سنة 1578، ما دفع البرتغال إلى بداية الانسحاب من المغرب، إلى أن انسحبت نهائيا مع متم القرن 17.
خلال الودود البرتغالي في المناطق الساحلية، من القرن الخامس عشر إلى حدود القرن السابع عشر، ستعطي الدولة السعدية أهمية قصوى للمدينة، حيث سيتم تحصينها بحصنين قويين، أحدهما من الجهة البحرية، والآخر من الجهة البرية، وكانا بمثابة المفاتيح الرئيسية التي تتحكم في إدارة المدينة لضمان السلم والأمن داخلها.
واستمر وجود العرائش وازدادت وقوتها في فترة العلويين، سيما في عهد سيدي محمد بن عبد الله، الذي بنى بها ميناء خاصا سيصبح من الموانئ المهمة شمال المغرب، حيث كان يصدر منه المواد الفلاحية الأساسية، التي كانت تنتج في المنطقة، وتصدر إلى الدول الأخرى، خاصة إلى إسبانيا، وباقي دول البحر الأبيض المتوسط.
كانت العرائش، حسب المصباحي، دائما مدينة صغيرة من حيث الرقعة الجغرافية، لكن لعبت أدوارا طلائعية ومهمة، سواء في التاريخ الوسيط أو التاريخ الحديث، خاصة خلال الدولة العلوية، منذ سيدي محمد بن عبد الله إلى المولى إسماعيل، الذي سوف يحرر المدينة مرة أخرى، بعد ما احتلها الإسبان سنة 1610، في إطار الصراع على السلطة.
لكن سيتم استرجاعها بعد صراع مرير، بل سيصبح استرجاع العرائش له دلالة كبيرة جدا، للقضاء على الاستعمار الإسباني الذي سيولي لهذه المدينة، في إطار سياسته العمرانية، أهمية كبيرة وإنشاء مدينة موازية للمدينة العتيقة، لكن في إطار انسجام وتوافق وتناغم ما بين الحي الجديد، وهو الحي الإسباني "ساحة التحرير"، المعروف برونق وجمال رائع، ذي لمسات غربية يتخللها طابع أندلسي مذهل، حيث أن الساحة نفسها، تعتبر بمثابة متحف مفتوح لفن العمارة المغربية الأندلسية، خاصة في شقها الحديث.
قال شهم الأشرفي، رئيس مهرجان العرائش للمسرح والفنون الشعبية، والكاتب العام لجمعية عبد الصمد الكنفاوي، إن النسخة الثالثة لمهرجان العرائش للفنون الشعبية، ستنظم في الفترة الممتدة من 14 إلى 20 غشت المقبل، تحت شعار، "المسرح والفنون الشعبية في خدمة التنمية وبوابة الديبلوماسية الموازية". وأضاف أن برنامج هذا الحدث الفني سيكون غنيا ومتنوعا، بمشاركة قطر بموروثها الثقافي ورومانيا بموروثها الشعبي.
وأبرز الأشرفي في حوار مع "المغربية" أن "اتفاقية الشراكة الثقافية بين المغرب ودولة قطر هدف استراتيجي لا يمكن تحقيقه من خلال نشاط واحد أو اثنين، بل يتعين أن يكون نتيجة تراكمات لجهود جبارة ومكاسب محققة".
ماذا عن جديد الدورة المقبلة لمهرجان العرائش؟ وما هو الشعار الذي وقع عليه الاختيار؟
عقدت جمعية عبد الصمد الكنفاوي وإدارة المهرجان اجتماعات متتالية من أجل تقييم النسختين الأولى والثانية للمهرجان، ووقفت بتمعن وموضوعية على ما تم تحقيقه من مكاسب ونجاحات، وعلى ما هو سلبي أيضا.
كما عمدت إلى وضع برنامج أولي للنسخة الثالثة تحت شعار "المسرح والفنون الشعبية في خدمة التنمية وبوابة الديبلوماسية الموازية"، المزمع تنظيمها في الفترة الممتدة ما بين 14 و20 غشت من سنة 2013.
وفي هذا الإطار جرى الحفاظ على كل ما هو إيجابي من عروض مسرحية، وموسيقى شعبية، وكرنفال، وورشات الفنون التشكيلية، ومعرض الصناعة التقليدية، ومسابقات القنص، والصيد بالقصبة، ومسابقات السلوقي، فضلا عن الألعاب البحرية لإدماج ثقافة البحر الأبيض المتوسط ضمن فقرات المهرجان.
وما يميز هذه النسخة هو مشاركة دولة قطر بموروثها الثقافي ودولة رومانيا بالموروث الشعبي المتمثل في المسرح والصناعة التقليدية وفن الطبخ، إذ حصل منظمو مهرجان العرائس على الموافقة المبدئية للبلدين.
ماهي الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي ترتكز عليها فكرة المهرجان؟
ترتكز هذه الأبعاد على النهوض بالموروث الشعبي والثقافي لمدينة وإقليم العرائش في سياقه الجهوي والوطني والانفتاح على التراث العربي والإنساني، بما يشكل أداة لتربية الأجيال على حب الذات والتصالح معها والاعتزاز بتراث الأجداد، باعتباره دعامة أساسية للشخصية المغربية ووسيلة لإدماج الشباب في المجتمع ضدا على الإقصاء والتهميش، وتحسيسهم بأن الوطن يسع الجميع عبر بوابة الثقافة والفنون الشعبية.
من خلال مشاركة جمعية القناصة القطرية في الدورة السابقة للمهرجان، في نظرك، كيف يمكن أعطاء دفعة قوية لمفهوم الشراكة الثقافية بين المغرب وقطر؟
أظن أن اتفاقية الشراكة الثقافية بين المغرب ودولة قطر هدف استراتيجي لا يمكن تحقيقه من خلال نشاط واحد أو اثنين، بل يتعين أن يكون نتيجة تراكمات لجهود جبارة ومكاسب محققة، ونحن في بداية الطريق وفي مرحلة كسب الثقة من الجانبين، إذ عملنا هو عمل المجتمع المدني ودورنا يتمثل في المساهمة في تفعيل الديبلوماسية الموازية التي تعبد الطريق أمام كل ما هو رسمي.
لكن ما تم تحقيقه هذه السنة هو انتقال أحد أعضاء إدارة المهرجان خلال شهر نونبر الماضي، واستقباله من طرف مسؤولي وزارة الثقافة بدولة قطر، حيث كان اللقاء حارا وفي مستوى رفيع طبعه الكثير من الاحترام والتقدير المتبادل، بحيث تم وضع البرنامج الأولي للمهرجان بين أيدي المقرر في الشأن الثقافي بدولة قطر، وبالتالي وضعت المدينة ومن خلالها المغرب تحت عيون المسؤولين هناك.
كما قام وفد رفيع المستوى يمثل وزارة الصناعة التقليدية، ودار الصانع، وغرفة الصناعة التقليدية لولاية تطوان وغيرهم من المسؤولين بزيارة عمل لدولة قطر في إطار الجولة الخليجية في شهر دجنبر الماضي، وكان الاستقبال متميزا في دولة قطر، حيث حظي الوفد بالاحترام والتقدير، الذي يليق بدولة المغرب، وانتهى بمكاسب للجانبين منها تنظيم معرض للصناعة المغربية التقليدية في دولة قطر في شهر يونيو 2013، ومشاركة دولة قطر بمعرض مماثل في فعاليات مهرجان العرائش للمسرح والفنون الشعبية في شهر غشت 2013. بالإضافة إلى عقد بعض الاتفاقيات تخص القطاع الخاص حسب ما صرح به مسؤولو الوفد المغربي.
وهنا لا يسعني إلا أن أشيد بالمجهودات الجبارة التي قام بها وزير الصناعة المغربي للنهوض بقطاع الصناعة التقليدية والتعريف به، باعتباره مرآة الحضارة المغربية في دول الخليج عامة، وفي دولة قطر خاصة، وكذا تنويهي بعمل مدير دار الصانع الذي يبذل جهدا كبيرا للرقي بمنتوج الصناعة التقليدية ورئيس غرفة الصناعة التقليدية لولاية تطوان.
ماهي حدود مساهمة المهرجان في تحقيق رهان التنمية الثقافية المحلية؟
لاشك أن المهرجان يعد أداة لتنشيط المدينة اقتصاديا وثقافيا من خلال النهوض وتشجيع السياحة في المدينة، وإقبال السكان والزوار من الداخل والخارج مما يجعل نسبة الاستهلاك ترتفع بشكل واضح خلال فترة المهرجان، وبالتالي ترتفع نسبة الرواج الاقتصادي بالمدينة.
كما أخذنا بالاعتبار فترة الصيف لتزامنها مع موعد العطل الصيفية، كما لاحظنا منذ الدورة الأولى زيادة في نسبة السياح للمدينة، علما أننا وضعنا مؤهلات مدينة وإقليم العرائش تحت أنظار المستثمرين المغاربة والأجانب.
يتبوأ قطاع الصناعة التقليدية بمدينة العرائش مكانة مهمة في النشاط الاقتصادي للإقليم، ويعتبر النواة الرئيسية للمدينة العتيقة، حيث يساهم في توفير الشغل لنصف سكان ولاية تطوان، وهي صناعة نفعية وفنية تمتاز بجودة عالية.
رئيس غرفة الصناعة التقليدية لولاية تطوان، أحمد بكور، الذي التقته "المغربية" في زيارة لمدينة العرائش، قال إن "قطاع الصناعة التقليدية في مدينة العرائش يشهد انتعاشا ملحوظا، ويساهم في الدفع بعجلة الاقتصاد محليا ووطنيا، حيث يتطلع إلى الانفتاح على الأسواق الخارجية".
وأشاد "بالاهتمام الكبير الذي توليه غرفة الصناعة التقليدية للصانعات التقليديات، حيث أنشئت جمعيات للمرأة المنتجة، من أجل تسويق منتوجهن"، مبرزا أن "زيارة عمل التي قام بها وفد مغربي رفيع المستوى لدولة قطر، أخيرا، تكللت بالنجاح، وجرى الاتفاق خلالها على تنظيم معارض في كل من البلدين، فضلا عن عقد بعض الاتفاقيات تخص القطاع".
وقال أحمد بكور إن "غرفة الصناعة التقليدية لولاية تطوان تضم خمسة أقاليم، ضمنها إقليم العرائش، وشفشاون، ووزان، وتطوان، وعمالة المضيق، إذ تعتبر المنطقة قلعة للصناعة التقليدية، والتي تجتمع فيها كل القطاعات، مثل النسيج بجميع فروعه، والنجارة التقليدية الفنية، والنجارة العصرية، والجبس التقليدي والعصري، وقطاع المزروعات النباتية، وقطاع الجلد، والطرز على الآلة، والطرز التقليدي، وقطاع الخزف.
ويعتر طاجين واد لو من أهم المنتوجات الخزفية على صعيد المغرب بأكمله، إذ يوفر الشغل لحوالي 500 امرأة، فضلا عن قطاع الزخرفة على الزجاج، السيراميك "، مضيفا أن "المنطقة تمتاز أيضا بصناعات تقليدية متباينة، متمثلة في قطاع الخشب، وهي مهنة أندلسية عريقة جدا، سيما في ما يخص الخشب الملون، الذي تتميز به مدينة شفشاون، وهو خشب طبيعي يفوق في جودته صناعة باقي المناطق الأخرى، فضلا عن الزليج التطواني، والجلابة البزيوية المعروفة في منطقة وزان".
من جهة أخرى، قال أحمد بكور إن قطاع الصناعة التقليدية يوفر الشغل لـنصف سكان ولاية تطوان، نظرا لكونه أولا قطاعا منتجا، إذ يحافظ على أصالة التراث المغربي في المنطقة، ويساهم في تكوين ما يربو عن 500 شاب وشابة في قطاع الصناعة التقليدية في إطار تكوين التدرج المهني.
وأوضح أن "غرفة الصناعة التقليدية لولاية تطوان تولي اهتماما كبيرا للمرأة الصانعة بالمنطقة، حيث أنشئت جمعيات للمرأة المنتجة، بكل من العرائش، والقصر الكبير، وتطوان، بهدف خلق تنسيقية أو فيدرالية للصانعات التقليديات، حيث فتحت لهن الباب من أجل تسويق منتوجاتهن.
وقد نجحت التجربة بدعم من الوزارة ومؤسسة دار الصانع، التي دشنت هذه التجربة لكن النجاح الكبير، الذي حققته يتمثل في المعرض الذي نظم بمناسبة مهرجان عبد الصمد الكنفاوي للفنون الشعبية، بمشاركة جمعية القناص القطرية، السنة المنصرمة، حيث حققن رقما مهما من المبيعات، من خلال الإقبال الكبير للزبناء من زوار المدينة المدعوين القطريين، الذين أعجبوا كثيرا بصناعتنا التقليدية".
وأشار المتحدث إلى أن المعرض ترك صدى طيبا لدى جمعية القناصة القطرية، موضحا أن لمس هذا الشعور عند القطريين خلال زيارة العمل التي قام بها الوفد الرسمي المغربي، المكون من وزارة الصناعة التقليدية، ودارالصانع، وغرفة الصناعة التقليدية لولاية تطوان، لدول الخليج، بهدف تسويق منتوج الصناعة التقليدية على المستوى العربي.
وأعلن بكور أنه جرى الاتفاق على إقامة معرض للصناعة التقليدية للمغرب في دولة قطر في شهر يونيو 2013، ومشاركة دولة قطر بمعرض مماثل في فعاليات مهرجان العرائش للمسرح والفنون الشعبية في شهر غشت المقبل، بالإضافة إلى عقد بعض الاتفاقيات التي تخص القطاع"، مشددا على أن الهدف من هذه الزيارة يدخل في إطار الدبلوماسية الموازية، كي نعرف ببلادنا وبتراث بلدنا، وحتى بقضيتنا الوطنية العادلة.
قال الكاتب والشاعر، عبد السلام صروخ، إن "مدينة العرائش حاليا استعادت مجدها وازدهارها الثقافي والفني، الذي كان تزخر به قديما، من خلال مبادرة أبنائها الذين تحدوهم إرادة قوية كي يسترجعوا إشعاعها الثقافي والفني الذي غاب سنوات طويلة".
وأضاف أن المدينة أصبحت تشهد، اخيرا، أنشطة ثقافية وفنية مكثفة، تتمثل في العديد من المهرجانات، ضمنها مهرجان عبد الصمد الكنفاوي للفنون الشعبية، الذي يضرب للجمهور المتتبع موعدا سنويا للاتقاء به، نظرا لانفتاحه على مختلف شرائح المجتمع العرائشي، بالإضافة إلى مهرجان "لكسا" للمسرح، الذي وصل إلى دورته السابعة، ومهرجان "قيتارة"، فضلا عن الفنون التشكيلية ومختلف الإبداعات الإنسانية التي تطبع أعمال روائيين وكتاب وشعراء ينتمون إلى العرائش، واحتفائهم بالمكان وارتباطهم به".
من جهة أخرى، قال عبد السلام صروخ، في لقاء مع "المغربية"، التي زارت العرائش، إن المدينة تتوق لاسترجاع إشعاعها الثقافي والفني من خلال مبادرة بعض الغيورين عليها، وزاد قائلا "كانت العرائش قديما تتميز بحركة ثقافية وفنية كبيرة، إذ أنها كانت معروفة بأسبوع العرائش، الذي كانت تشارك فيه فرق فنية تفد من مختلف المدن المغربية، فضلا عن الازدهار الذي كانت تعرفه باقي الفنون الأخرى، فالمدينة أنجبت رجالا تركوا بصمات، في المسرح والسينما والتمثيل، وكانت فضاء مدنيا ألهم الكثير من المبدعين والسينمائيين".
وأضاف أنه "في عهد الحماية عرفت العرائش ازدهار مختلف الفنون، التي حملها المستعمر معه، وطفت على السطح بعض الظواهر الفنية، كظاهرة الأجواق الموسيقية، الرجالية والنسائية، فكان للنساء نوع فني خاص بهن وللفلاحين أغانيهم، الشأن نفسه بالنسبة للبحارة.
بالإضافة إلى الغناء المرتبط بالطرق الصوفية والزوايا، هذا التنوع ساهم في تطور هذا الموروث الثقافي العرائشي، إلى جانب ظهور بعض الأجواق التي كانت ترعاها الجهات الرسمية، والتي كانت تظهر في المناسبات أو الحفلات الوطنية، التي كانت تنظم في المدينة، أو في سهرات أسبوع العرائش، الذي كان يستقطب فنانين كبارا.
وكان يساهم في تنظيمه فاعلون عرائشيون من مختلف المجالات، كالصناعة والاقتصاد والأدب، الذين كان أغلبهم من الإسبان، لأن المدينة كانت تضم العديد من الجنسيات المتعايشة في ما بينها من مسلمين ومسيحيين ويهود، هذا التنوع ساهم في خلق تنوع ثقافي وفني رائع".
وشدد عبد السلام صروخ على أن "العرائش تعرف حاليا حركة فينة كبيرة، رغم ضعف البنيات التحتية، المتمثلة في عدم وجود مسارح أو قاعات سينمائية، فهناك انتعاش
ثقافي، في شتى المجالات".