نظمت بعثة الاتحاد الأوروبي في المغرب، أخيرا، زيارات ميدانية لعدد من المشاريع الاجتماعية، التي يدعم برامجها الاتحاد الأوروبي، في إطار دعم الإصلاحات في مجالات الصحة والتعليم ومحو الأمية.
شهدت جولة بعثة الاتحاد الأوروبي زيارة مدرسة ابتدائية في منطقة سطات، حديثة البناء والتجهيز، بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب زيارات أخرى، شملت مدرسة لمحاربة الأمية، ومركزا صحيا، في منطقة تاحناوت وشيشاوة، للوقوف على الإنجازات الميدانية الملموسة لهذه البرامج لفائدة السكان المعنيين.
وكشفت الزيارات الميدانية عن أن الدعم الأوروبي للمغرب يجمع بين المالي والتقني لدعم وتعزيز القدرات ودعم الحكامة.
وفي هذا الإطار، صرح إينيكو لاندابورو، سفير الاتحاد الأوروبي في المغرب، خلال لقاء صحفي أثناء الجولة، أن "الاتحاد الأوروبي يرغب في تعزيز التواصل حول هذه المبادرات، وإبراز مواكبته للمشاريع الإصلاحية المهمة، التي يخوضها المغرب في مجالات استراتيجية وحيوية، مثل الصحة والتعليم".
وأفاد سفير الاتحاد الأوروبي أن الاتحاد يصاحب المجهودات المبذولة في مجالي الصحة والتعليم، ودعم المشاريع الاجتماعية، في إطار دعم الديمقراطية وحل التحديات التنموية المطروحة، مذكرا أن الشراكة بين الجانبين لم تعد مقتصرة على المعاملات التجارية، وإنما انتقلت إلى الدعم الاجتماعي عبر تمويل مجموعة من البرامج.
وتشمل برامج الاتحاد الأوروبي الأربعة لدعم سياسات المغرب مجالات الصحة والتعليم ومحو الأمية، وترمي إلى تنفيذ استراتيجية تعليمية تهدف إلى ضمان تعليم إجباري ذي جودة متاحة للجميع، ودعم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمحو الأمية، التي تهدف إلى القضاء على الأمية، وتحسين أثر التكوين على المستفيدين، وتمكين الحاصلين على شهادات برامج محو الأمية من مستقبل أكاديمي أو مهني أو اقتصادي.
أما في المجال الصحي، فيرمي الدعم إلى تعزيز التغطية الصحية الأساسية، لتحسين شروط الحصول على الخدمات الصحية الأساسية لفائدة الفقراء والمحتاجين، من خلال توسيع نطاق التغطية الصحية الأساسية، ودعم إصلاح المنظومة الصحية المغربية، وتسهيل الحصول على الرعاية الصحية، سيما لفائدة سكان المناطق المهمشة.
أما في التعليم، فرصد الاتحاد الأوروبي ما يقارب 2 مليار درهم، منذ عام 2000، منها 1,5 مليار درهم، خلال الفترة 2008-2012، يشمل دعم التعليم الأساسي غير النظامي، بما في ذلك محو الأمية.
وفي مجال الصحة، بلغت المساعدة المالية والتقنية للاتحاد الأوروبي أكثر من 2,2 مليار درهم، منذ عام 2001.
مدرسة نموذجية
استهلت الجولة الميدانية بزيارة المدرسة المختلطة الابتدائية "عبد الكريم ابن الخطيب"، بحي السلام، التابعة لبلدية سطات، التي رأت النور حديثا، في إطار البرنامج الاستعجالي، بدعم من الاتحاد الأوروبي، ساهمت في تقريب المؤسسة التعليمية لسكان أحياء بعيدة عن مركز المدينة، كان الأطفال في وقت سابق ملزمين بقطع العديد من الكيلومترات لوصول حجرات الدرس.
فتحت المدرسة أبوابها، في وجه أول دفعة من البنين والبنات، بداية الدخول المدرسي للسنة الجارية، ينتمون إلى منطقة، يعيش أغلب الأسر فيها وضعا ماديا متواضعا. بدت المدرسة في حلة جميلة، تتكون من 18 حجرة بألوان صباغة مبهجة، موزعة على طابقين، حيث تتمتع الأقسام بإضاءة طبيعية عالية، تضم مقاعد خشبية من النوع الحديث، وأخرى دائرية، داخل القاعة الوسائطية.
وينضاف إلى ذلك جناحان متفرقان لدورة المياه، واحدة مخصصة للفتيات والأخرى للذكور، وقاعة متعددة الوسائط، في طور التجهيز، وخزانة وقاعة مخصصة للأساتذة، ما أسعد آباء وأمهات التلاميذ، الذين يرون أطفالهم يلتحقون بمدرسة حديثة البناء، تستجيب لانتظاراتهم، حسب ما تحدث عن ذلك أحد الآباء.
ويأتي الدعم لمساعدة المغرب على إصلاح نظامه التربوي، وضمان تعليم إلزامي جيد ومتاح للجميع، وتوفير السبل الكفيلة بالاستجابة للتحديات الجديدة لتعليم الأطفال في المغرب. وتحدث مدير المؤسسة لـ"المغربية"، عن أن المؤسسة ستستأنف أشغال بناء بئر وسط المؤسسة، إلى جانب تشجير مساحة مخصصة للمجال الأخضر داخل المدرسة إلى جانب مساحة أخرى مخصصة لممارسة النشاط البدني.
وتعتبر هذه المدرسة من بين أخريات، بنيت أو أعيدت هيكلتها في إطار دعم الاتحاد الأوروبي، الذي يساند استراتيجيا مجهودات الإصلاح في المغرب لتعليم الأطفال والفتيات الصغار، وكذا العمل على تقريب المدرسة من مقر سكنى الأطفال، وفتح العديد من الداخليات والمطاعم المدرسية وخطوط النقل المدرسي، كما تحدث عن ذلك، الأستاذ الطالبي، المندوب الإقليمي لوزارة التعليم في إقليم سطات.
مستشفى لتخفيف العزلة
المحطة الثانية من الجولة الميدانية، كانت صوب المستشفى الصحي لتاحناوت، الواقع في نواحي مدينة مراكش.
بدت بناية المستشفى متنفسا لسكان المنطقة، الذين يوجدون في منطقة معزولة، تضم 92 دوارا، تحيط به الجبال من كل مكان. يقع المستشفى وسط فضاء طبيعي، تسيجه جبال منطقة الحوز.
وتتمتع البناية الصحية بحداثة تجهيزاتها (أجهزة الراديو والكشف ومصلحة للأشعة)، تضم مرافق متنوعة، تحمل لوحات تشوير، منها جناح خاص باستقبال الحالات المستعجلة، وجناح خاص باستقبال المرضى المتوفرين على تغطية صحية، وأخرى مخصصة للمستفيدين من نظام المساعدة الطبية "الراميد"، مع وضع لافتة كبيرة، تؤكد مجانية الولادة، ويجري اعتماد نظام معلوماتي لتدبير ملفات "الراميد".
تصل الطاقة الاستيعابية للمستشفى إلى 45 سريرا، يغطي خدمات نصف سكان المنطقة، في انتظار بناء مستشفى آخر في منطقة تاوريرت لتوسيع الخدمة الصحية، إذ يستقبل ما بين 200 إلى 250 مريضا في اليوم، ضمنهم 600 مريض يستفيدون من بطاقة "الراميد"، حسب الشروحات التي تقدم بها عبد القادر مزدهر، مندوب الصحة بمنطقة الحوز، خلال مرافقته لأعضاء الوفد الزائر.
يشتغل في المستشفى 75 ممرضا و25 طبيبا، يقدمون خدمات صحية متنوعة، بين أقسام الجراحة العامة والتوليد وأمراض القلب والطب الباطني والجلد والمعدة والرئة والعيون وطب الأطفال، إلى جانب تقديم أدوية في الصحة العقلية.
ويحتوي المستشفى على جناح مخصص للتوليد، يستقبل نساء المنطقة للولادة تحت مراقبة طبية، في غرف، تضم ما بين سريرين إلى ثلاث أسرة، إذ أن 75 في المائة من الولادات التي تشهدها المنطقة، تجري تحت المراقبة الطبية في المستشفى، ما ساهم في عدم تسجيل أي وفاة، خلال سنة 2012، حسب تأكيدات مندوب الصحة ذاته.
وبالموازاة مع ذلك، يشهد فضاء المستشفى أوراش توسعة إضافية للجناح المخصص للولادة، بينما يجري إتمام أشغال بناء جناح خاص بتصفية الكلي.
محو الأمية بشيشاوة
في المحطة الثالثة، والأخيرة من هذه الزيارة، توجه الوفد الزائر نحو الجماعة القروية "السعيدات"، التابعة لمدينة شيشاوة، حيث يتضرر سكان المنطقة من آفة الأمية، سيما مع وجودهم في منطقة بعيدة عن مركز المدينة، بقرابة 70 كيلومترا.
وحازت الجماعة على دعم من الاتحاد الأوروبي، للمساعدة على تنفيذ برامج محو الأمية، بشراكة مع الجمعيات المحلية، التي تنشط بشكل كبير في مجال محاربة الأمية.
خلال زيارة القسم النموذجي لمحاربة الأمية، بدا أن أغلب المستفيدين، نساء من مختلف الأعمار، تتراوح ما بين سن الثلاثين وإلى ما يفوق 60 سنة، يستفيدون من الكتب والأدوات المدرسية بشكل مجاني.
واستطاعت العديد من النساء البرهنة للزائرين عن تمكنهن من مغالبة الأمية، من خلال مرورهن إلى السبورة وقراءة النصوص وكتابة الحروف.
وذكر عبد المجيد الذهبي، أحد المسؤولين عن نظام محاربة الأمية في المنطقة، عن دنو نسبة الأمية إلى 31 في المائة، بينما كانت النسبة تصل إلى 52 في المائة، سنة 2004.
ولاحظ الزوار كيف أن أقسام محاربة الأمية يغيب عنها الذكور، ما دفع ببعض المستجوبين إلى القول إن هذا الورش يحتاج إلى توفير صيغة جديدة تستهدف الرجال لتحفيزهم على طلب العلم.
تصل مساهمة الاتحاد الأوروبي لدعم برنامج محاربة الأمية، ما بين 2008-2013، 27 مليون أورو، يستهدف دعم الجهات 11، ذات نسبة أمية أعلى من المعدل الوطني، ويشمل مكونات قوية للدعم المؤسساتي وتنمية الكفاءات، وهي سوس- ماسة- درعة، الغرب-الشراردة- بني حسن، الشاوية - ورديغة، مراكش- تانسيفت- الحوز، الشرق، دكالة-عبدة، تادلا- أزيلال، مكناس- تافيلالت، فاس – بولمان، تازة – الحسيمة، طنجة – تطوان.
ومن الأهداف المسطرة للدعم، تقليص نسبة الأمية والإدماج الاجتماعي والمهني، وفي الوقت ذاته، تنمية الآثار الدائمة للتكوين والتهييء للمستقبل الدراسي، والمهني أو الاقتصادي للمستفيدين من حملات محو الأمية.
كما يهدف البرنامج إلى تكييف عمليات التدخل، وفق احتياجات المستفيدين ودعم الفاعلين في القطاع، من أجل تدخل أنجع.
ويهدف دعم الاتحاد الأوروبي إلى تقليص نسبة الأمية إلى 3 في المائة سنويا على الأقل، وبالأخص لدى الشباب 16-35 سنة والنساء، مع المساهمة في تحسين ظروف العيش والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للفئات الاجتماعية الأكثر حرمانا.
ومن النتائج المتوقعة:
ـ نهج سياسة شاملة لمحو الأمية، وتحقيق الاندماج السوسيو مهني.
- تقليص نسبة الأمية، من خلال استهداف أكثر المناطق تضررا، وأكثر فئات المجتمع حرمانا، خصوصا النساء.
- تقوية قدرات الإرشاد والتتبع، الخاصة بالاستراتيجية المتبعة، على المستوى المركزي والجهوي والإقليمي.
ـ تحسين جودة التعلم للمعلمين ومؤطري البالغين.
ـ وضع شهادة اعتراف خاصة بالتداريب التي تلقاها المستفيدون.
بلغت مساهمة الاتحاد الأوروبي 113 مليون أورو لمجال التعليم، خلال الفترة الممتدة ما بين 2009-2013.
ويرمي دعم الاتحاد الأوروبي إلى ضمان تعليم إجباري جيد ومتاح للجميع، تحكمه مبادئ تكافؤ الفرص والتضامن والاحترام والمشاركة.
ومن النتائج المتوخاة، خفض نسبة الانقطاع عن الدراسة وتقوية الكفاءة المهنية سيساعد الدعم على:
ـ الحد بشكل كبير من نسبة نسبة الانقطاع عن الدراسة (سواء في الابتدائي أو الثانوي الإعدادي) للتوجه إلى تعليم أساسي لجميع التلاميذ دون سن 16 عاما.
- التقوية المستدامة لكفاءة الموظفين المهنية، خصوصا المعلمين، بالإضافة إلى الموظفين الإداريين بالمؤسسات التعليمية التي تدرس التلاميذ بشكل يومي.
- توفير حكامة مسؤولة ومنصفة على حد سواء للمنظومة التعليمية.
بلغت مساهمة الاتحاد الأوروبي للمغرب في مجال الصحة، لما بين 2009- 2013، 86 مليون أورو، ترمي إلى خفض نسبة وفيات الأمهات والرضع، وضمان المساواة في الاستفادة من الرعاية الصحية بين الجهات وبين القرى والمدن، وخفض تكاليف الرعاية الصحية والأدوية، وتسهيل ولوج الفئات الأكثر هشاشة للعلاج والتكفل بذوي العلاجات طويلة المدى.
ويشترك في دعم برنامج الدعم القطاعي لإصلاح المنظومة الصحية، كل من الاتحاد الأوروبي وإسبانيا وصندوق الأمم المتحدة للسكان، في إطار الإصلاحات التي تنهجها حاليا وزارة الصحة، من أجل تطوير سياسة قطاعية تلائم أهداف البرامج الإنمائية للألفية الحالية.
ويأتي ذلك بعد مواكبة المرحلة الأولى من إصلاح التغطية الطبية الأساسية، خلال الفترة 2001-2008، إذ تأتي المرحلة الثانية، لتحسين فرص المحرومين اجتماعيا في الحصول على رعاية صحية، مع تحقيق نتائج ملموسة على المستوى المؤسساتي والصحي والاجتماعي.
ومن الأهداف المرسومة لذلك، المساهمة في تحسين إمكانية وصول الفئات الضعيفة والمحرومة إلى الخدمات الصحية الأساسية ذات الجودة تحسينا مستداما، من خلال توسيع نطاق التغطية الصحية الأساسية.