مدينة أنشأت قبل الميلاد تحتفظ بخصائصها الأثرية وتحتاج إلى رد الاعتبار

بناصا.. أطلال صامدة على أرض مشرع بلقصيري

الإثنين 03 دجنبر 2012 - 14:43

ربما الباحثون والمختصون في التاريخ وعلم الآثار، والمهتمون بهذين المجالين وفروعهما، من يستطيعون تبين الخصائص الأثرية التي يحتفظ بها موقع "بناصا"، الممتد على مساحة تقدر بحوالي 17 هكتارا.

قد يتراءى للزائر العادي، على أن هذا الموقع مجرد رقعة تتراص فيها الحجارة بفعل الطبيعة وتصريفها من قبل السكان المجاورين للمنطقة على النحو الذي يجعل منها شواهد حجرية منتصبة.

فموقع "بناصا" الأثري الذي يوجد بقلب سهل الغرب، ويبعد عن مدينة مشرع بلقصيري، بحوالي 17 كيلومترا، يرجح أنه يعود إلى فترة ما قبل التاريخ، تبعا لحجر الصوان المصقول الذي كشفت عنه الحفريات الأركيولوجية القديمة، كما يعتقد استنادا إلى استخراج عدد مهم من الأمفورات والقناديل والحلي ذات التأثيرات الفينيقية، أن هذا المركز كانت تربطه علاقات تجارية مع مراكز أخرى بحوض البحر الأبيض المتوسط، منذ الفترة الفينيقية، أي قبل القرن الخامس ق.م.

وبعد هذا التاريخ خلال الفترة البونية، حسب ما ذكره رشيد أغربي، محافظ موقعي "بناصا" وتاموسيدا"، لـ"المغربية" أثناء معاينتها لهذا الموقع، الذي أكد بخصوصه أنه بحاجة إلى رد للاعتبار وتهيئة حقيقية بتدخل جميع الأطراف المعنية.

تلوح أطلال "بناصا" للزائر عند تقدمه في السير على ربوة، حيث يقع الموقع المعروف بـ"سيدي علي بوجنون" بالجماعة القروية سيدي الكامل، بإقليم سيدي قاسم، على الضفة اليسرى لنهر سبو، إذ تمتد على نطاق يكشف أن المعالم المتبقية والمتجلية، ليست وحدها مكونات "بناصا"، لأن الحفريات التي أجريت لم تكشف إلا جزءا من بنايات وخصائص المدينة.

عند متابعة السير في قلب مدينة "بناصا" التي تكسوها الأعشاب وتحيط بها بعض أشجار النخيل، يتبين أن هناك ساحة عمومية تتوسط المدينة، في شكل منحرف يوجد بمحاذاتها معبد متعدد المقصورات، تقابله محكمة، وفي طرف آخر هناك حمامات عمومية تتباين من حيث المساحة، وأخرى خصوصية.

إضافة إلى محلات خصصت لأغراض تجارية وحرفية، كما تتشكل المدينة من وحدات سكنية تتخذ أشكالا مستطيلة، محاطة في جوانبها الأربعة بشوارع متوازية ومتقاطعة، فخاصية مدينة "بناصا" على هذا الشكل لن يتأتى للزائر استيعابها لمجرد إمعان النظر في البقايا البارزة على السطح، بل إن هذه العناصر جميعها تتشكل في الصورة الذهنية للزائر، بإيعاز من رشيد أغربي، الذي يستفيض في عرض وكشف مكونات المدينة حتى تلك المتوارية عن النظر بسبب إقبارها تحت السطح.

وحسب ما أورده الدكتور محمد العيوض، في كتابه "مدن المغرب القديم من خلال إشارات النصوص ونتائج البحث الأثري"، فإن "مستوطنة بناصا في وضعيتها الحالية تتخذ شكلا طوليا من الشمال إلى الجنوب، حيث إن أغلب المباني متركزة على الواجهة الغربية للكاردو الرئيسي، ويظهر أن تخطيط المدينة بالنظر إلى شكله الحالي، مثله مثل غيره من المدن، قد روعي فيه اعتبار عنصري الموقع والموضع".

ويضيف العيوض، في كتابه :"لا نتوفر على التصميم الكامل للمدينة، وذلك لكون الحفريات لم تكشف إلا عن جزء من المدينة، كما أن السور الذي يحيط بها، والذي من شأنه أن يمنحها اتجاها يحدد لنا الشكل النهائي للمدينة، لا نتوفر منه لا على جزء في الناحية الجنوبية الغربية، وجزء آخر كشفت عنه عملية الجرد الجيوفزيائي في الجهة الجنوبية الشرقية".

"بناصا" قبل الميلاد

في التفافة متأنية وطويلة بوسط "بناصا" وجوانبها وأطرافها، حاول رشيد أغربي قدر الإمكان، بسلاسة ذهنية ومعلومات منتظمة ودقيقة، تقديم أكبر المعلومات عن تاريخ المدينة، وهو يرافق "المغربية" بين مكوناتها الأثرية، قصد تكوين فكرة عامة وشاملة عن مدينة مازالت تحتفظ بوجودها من خلال المعالم والبقايا والأدوات.

وذكر أغربي، أنه "ابتداء من القرن الرابع إلى غاية القرن الأول ق.م، عرف الموقع وجود مصانع للخزف كانت تنتج مواد مختلفة كالأمفورات وأواني من الخزف المصبوغ والخزف العادي وغيرها، بعض هذه الأواني يحمل تأثيرات من الخزف اليوناني، في حين أن آثار أقدم عمران بالموقع فيتمثل في بنايات من الآجور المجفف تعود إلى القرن الثالث ق.م".

وأضاف بأسلوب ينم عن اطلاع كبير بالتاريخ القديم، أنه " في الفترة الممتدة ما بين 33 و27 ق. م، أصبحت المدينة المورية مستوطنة رومانية تحمل اسم يوليا فالنتيا بناصا. وإذا كانت آثار هذه المستوطنة مازالت غير واضحة المعالم لحد الآن، فإنه من المرجح أن النسق العمراني للحي العمومي لهذه المدينة يرجع لهذه الفترة.
وعند بداية حكم الإمبراطور مارك أورليوس، أصبحت بناصا مستعمرة أوريلية وظلت منذ ذلك الحين مركزا مزدهرا إلى حدود سنة 285م تقريبا، سنة انسحاب الإدارة الرومانية من المنطقة الواقعة جنوب نهر اللوكوس".

أما عن مكونات الموقع الأثرية، فقد تحدث أغربي دون أن يتردد في التنقل إلى كل طرف من الموقع، لرصد التطابق بين ما يذكره وما تحتفظ به المدينة إلى اليوم من معالم، إذ مكنت الحفريات التي أجريت بين سنوات 1933 و1956، حسب قول أغربي، من الكشف عن آثار الاستيطان البشري خلال الفترة المورية، وكذا عن البنايات التي جرى تأسيسها خلال الفترة الرومانية.

فخلال هذه الفترة نجد أن مخطط المدينة كان ينتظم على شكل متقاطع يتوزع انطلاقا من ساحة عمومية يحيط بها رواق من الجهتين الشرقية والغربية ومعبد يحتوي على ست قاعات في الجهة الجنوبية، وفي الشمال، نجد المحكمة، كما يحيط بالمدينة سور أسس في القرن الثاني الميلادي.

ويروي أغربي، أيضا، استنادا إلى دراساته وأبحاثه وتحرياته، أن هناك "الحي الجنوبي الذي تأسس وفق اتجاه مغاير لباقي الوحدات العمرانية للمدينة، وهو يتكون من مجموعة من البنايات العمومية التي لازالت وظيفتها لم تحدد بعد، كالبناية ذات الأبراج الخارجية، في حين يوجد الحي الغربي الذي يقطعه الشارع الرئيسي، فيتميز بمنازله الفاخرة ذات الأروقة المعمدة كمنزل فينوس والتي كانت مزينة بلوحات فسيفسائية ذات زخارف متنوعة مثل فسيفساء فينوس.

وتحد الشارع الرئيسي المحاذي لهذا الحي وإلى غاية الحي العمومي مجموعة من الدكاكين والبنايات الحرفية، كما تحد في الطرف الشمالي للساحة العمومية، وحدات تنتظم على شكل متقاطع تحتوي على مرافق حرفية أخرى كمخابز ومعاصر الزيتون".

ويستعرض أغربي باقي مكونات مدينة "بناصا"، حيث هناك "منازل الحي الشمالي ذات الأروقة المعمدة وأهمها منزل حي الماسيلوم أو السوق التجاري، التي كانت أرضيتها مزخرفة بلوحات فسيفسائية متعددة الألوان"، مضيفا أنه في ما يتعلق بالحمامات العمومية لمدينة بناصا، "فهي ذات تصميم واضح لا يختلف عن تصميم الحمامات الرومانية الأخرى. كما تتميز صباغاتها الحائطية، بالإضافة إلى لوحاتها الفسيفسائية، بالحالة الجيدة لجل بناياتها الأثرية".

وأكد أغربي خلال معرض تفسيره لـ"المغربية" عن خاصيات مدينة "بناصا" أن اللقى الأركيولوجية التي كشفت عنها الحفريات بالموقع من نقائش وتماثيل ومواد خزفية وحلي، تعتبر من أبرز الوثائق المادية التي تشكل نسبة مهمة من المجموعة المتحفية المحفوظة بالمتحف الأثري بالرباط.

محاولات لرد الاعتبار

بعد الجولة في صفحات التاريخ مع روايات وتوضيحات أغربي حول مدينة "بناصا"، وجولة في أرجائها ومعالمها الباقية التي تظهر أجزاء منها وتتوارى الأجزاء الأخرى بفعل الإقبار وتوقف الحفريات، انتقل رشيد أغربي للحديث عن أشغال الترميم ورد الاعتبار للموقع، مفيدا أنه في إطار السياسة التي تنهجها وزارة الثقافة لصيانة ورد الاعتبار للتراث الأثري على الصعيد الوطني، أجرت محافظة موقعي بناصا وتاموسيدا (المديرية الجهوية للثقافة بالقنيطرة) ما بين سنة 2009 و2011 أشغال ترميم وصيانة جزء من الساحة العمومية الرومانية بموقع بناصا الأثري، وتعد هذه الأشغال الأولى من نوعها منذ الكشف على هذا الموقع الأثري خلال الحفريات التي امتدت ما بين 1930 و1956.

ويضيف أغربي أن أشغال الترميم الأولوية، تمحورت حول تدعيم وترميم أعمدة وأرضيات رواقي الساحة العمومية وترميم الباب الغربي للفوروم وصيانة وترميم الباب الرئيسي للمحكمة الرومانية والأسوار الخارجية لهذه المعلمة، إضافة إلى تدعيم الدرج المؤدي للمعبد والمذبح والقاعات الثلاث الغربية للمعبد.

وتندرج هذه الأشغال في إطار المجهودات التي تنجزها محافظة موقعي بناصا، تاموسيدا لرد الاعتبار للبنايات الأثرية للموقع وتقديم معالمه للزائرين وفق الشروط المتعارف عليها في مجال صيانة المواقع الأثرية. كما تهدف هذه الأشغال أيضا إلى تحسيس السكان المحليين وفعاليات المجتمع المدني بأهمية الحفاظ على هذا الموروث الثقافي والتاريخي، في أفق إدماجه في مسارات سياحية جهوية ووطنية وتوظيفه في خدمة التنمية المحلية.

دعوة لاكتشاف "بناصا"

حسب ما ذكره الدكتور محمد العيوض، في كتابه "موقع بناصا الأثري من الأصول إلى الجلاء الروماني، مساهمة في دراسة مدن المغرب القديم"، فإن الاستبارات التي عرفتها بناصا باعتماد اللقى في إرجاع تاريخ الاستقرار بالموقع حتى بداية القرن الرابع ق.م، وربما قبل.

وفي الاتجاه نفسه، سبق أن تمكن فيلار في دراسته للفخار الذي عثر عليه في بناصا من الوقوف على أشكال يظهر فيها التأثير الأتيكي الذي يعود للقرنين السابع والثامن ق. م، كما أن وجود بعض أنواع الأقداح التي صنعت في الغالب بعين المكان يؤكد التأثير البوني، إلا أنه لحد الآن لم يجر اكتشاف أي بناية متقدمة عن القرن السادس، ق.م، على الرغم مما تقدمه اللقى المتمثلة في أجزاء من الفخار".

وأورد أيضا أن السكن في بناصا ارتبط في بدايته بنشاط حرفي متعلق ب‘نتاج الفخار، كما يدل على ذلك وجود أفران، وهو ما يجعل العمران خلال هذه الفترة مرتبطة بالاستقرار الحرفي".

وأضاف "كان الاعتقاد السائد أن بناصا مستوطة رومانية تعود لفترة أغسطس، إلا أن الاستبارات التي جرت في المواقع ما بين 1955 و1956 أفرزت معطيات مخالفة لما كان يعتقد من قبل، حيث أكدت وجود مرحلة ما قبل رومانية يمثلها وجود ستة مستويات".

وللإحاطة علما ببعض الخاصيات الأثرية التي تتداولها الدراسات والأبحاث، لا بأس على الزائر من الانتقال إلى موقع "بناصا" قصد المعاينة عن كثب، اعتمادا على الكتيب الذي تقدمه محافظة بناصا هناك، والذي يرصد التصميم الكامل لمدينة بناصا، وإن كانت بعض أجزائها مازالت بارزة وواضحة، وأخرى مقبورة تحت السطح، بحاجة إلى حفريات أخرى للكشف عنها، إذا ما توفرت الإمكانيات والآليات لذلك.

وهو المسعى الذي تجتهد فيه محافظة بناصا ردا لاعتبار الموقع الذي تكتسحه الأعشاب والنباتات فتعيق عمليات التحريات، هكذا استطاعت "المغربية" في جولة قصيرة التعرف على "بناصا" كمعطى أثري، ربما يغفل الكثيرون وجوده وأهميته، في ظل المشاكل التي تقيد محاولات الباحثين الأثريين لإبرازه كما يقتضي.

أصل كلمة بناصا

أوضح رشيد أغربي، باحث في علم الآثار محافظ موقعي "بناصا" وتاموسيدا"، خلال اصطحاب "المغربية" إلى موقع "بناصا" لاكتشاف خصائص مدينة ما تزال تحتفظ بكل مقوماتها العمرانية التي ساعدت الإنسان آنذاك على الاستقرار، أنه لا يوجد أي تأويل دقيق حول معنى كلمة "بناصا".

في حين يعتقد استنادا إلى أقدمية الموقع عن الوجود الروماني، أن الكلمة لها علاقة بجذور محلية، خاصة أن تموقع بناصا في منطقة سهلية على ضفة واد سبو، إشارة قوية على ذلك الامتداد المجالي وازدهارها، وهو ما اتضح للباحثين الأثريين عند عثورهم على تلك اللقى المتنوعة والمآثر العمرانية التي تطلبت جلب قطع من الأحجار خارج مجال سهل الغرب.

وفي السياق ذاته، أكد أغربي أن أهمية موقع بناصا التاريخية والأركيولوجية، تستدعي بالضرورة تكثيف كل الجهود للحفاظ عليها، إذ تسهر محافظة موقعي بناصا وتاموسيدا على تنفيذ سياسة وزارة الثقافة في مجال تثمين وصيانة التراث الأثري والتعريف والتحسيس بأهميته في أفق إدماج الموقعين الأثريين بناصا وتاموسيدا في مسارات سياحية وثقافية على الصعيدين الجهوي والمحلي، إلى جانب التسيير الإداري لمصلحة محافظة موقعي بناصا وتاموسيدا، وهي تابعة للمديرية الجهوية للثقافة لجهة الغرب – الشراردة – بني احسن.

وحسب ما ذكره أغربي لـ"المغربية"، بغرض رصد كل أدوار المحافظة إزاء الموقعين الأثريين "بناصا" و"تاموسيدا"، فإن المحافظة عملت منذ سنة 2009 بفضل الميزانية التي توفرها مديرية التراث الثقافي على ترميم وصيانة جزء من الساحة العمومية بموقع بناصا كمشروع أولي في انتظار أن ينجز مشروع شامل لرد الاعتبار للموقع، وفق ما يعكس قيمته التاريخية والأركيولوجية، ويحمي مقوماته ومعطياته الأثرية من التلف والاندثار.

كما تسعى المحافظة باستمرار إلى تهيئ المشاريع حول صيانة موقعي "بناصا" و"تاموسيدا" التي جرت إحالتها على الإدارة المركزية لدراسة إمكانية برمجتها وتنفيذها، في وقت تحرص على إنجاز عمليات التنظيف وإزالة الأعشاب خلال كل سنة بمساعدة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث الذي يوفر اليد العاملة.

وأضاف أغربي أن "محافظة بناصا وتاموسيدا تحرص على ضمان وصيانة وإصلاح المباني الإدارية بالموقعين، أما في مجال التحسيس والتعريف بالتراث، فهي تتكلف بتنظيم وتنسيق مجموعة من الأنشطة التحسيسة والتواصلية مع الوسط المدرسي والجامعي وفعاليات المجتمع المدني من خلال برمجة أيام تراثية بيداغوجية بموقع بناصا لفائدة تلاميذ المدارس، تتضمن زيارات مؤطرة للمعالم الأثرية وورشات تراثية للفسيفساء والفخار، إضافة إلى معارض تراثية ومحاضرات علمية لفائدة الطلبة الجامعيين وجمعيات المجتمع المدني. كما تعمل المحافظة على نشر مقالات للتعريف بموقع بناصا ومؤهلاته التراثية بالمجلات الوطنية والدولية.

يشار إلى أن المحافظة تضع لفائدة زوار موقع "بناصا" منشور صغير يحتوي على بعض المعلومات التاريخية حول الموقع.

ويكشف عن تصميم بنائه الذي يدل على مكونات مدينة "بناصا"، حيث يوجد المعبد الرسمي، والساحة العمومية، والمحكمة والحمامات الشمالية والحمامات الصغرى الغربية والحمامات الكبرى الشرقية، والحمامات ذات الرسومات الجدارية، ومنزل فانتيوس، والمنزل ذو أربعة أعمدة، وحي الماسيلوم، ومنزل إله الخصوبة ومنزل الحي الشمالي الغربي، والمنازل، ومنزل فينوس، ومنزل نقد يوبا الثاني، ومنزل دبلوم دومسيان، والبناية ذات الاتجاهين والمنزل ذو الممر، وأسوار المدينة ومعصرة الزيت.

عوائق النهوض بموقع بناصا

أكد رشيد أغربي، بخصوص المساعي التي تبذلها محافظة "بناصا" و"تاموسيدا" قصد رد الاعتبار إليهما، أن هناك عوائق ومشاكل تعترض سبيل الباحثين الأثريين للنهوض بالموقعين ورد الاعتبار لهما، ومن بين المشاكل، غياب الموارد البشرية خاصة الأعوان الذين يتكلفون بمهام الحراسة بموقع بناصا، وأيضا، الأعوان المكلفين بأشغال التنظيف والصيانة، إلى جانب قلة الموارد البشرية المتخصصة في مجال الصيانة والترميم، إذ أن المحافظة التي تشرف على موقعين أثريين، لا تتوفر حاليا إلا على تقني في مجال ترميم المباني الأثرية والفسيفساء.

وفي السياق ذاته، أفاد أغربي أن هناك صعوبة إدماج اليد العاملة من أبناء التجمعات السكنية المحاذية للموقع التي تحرص المحافظة بمجهود كبير على تكوينها أثناء أشغال الحفريات وأشغال الترميم والصيانة بالموقع لغياب مناصب شغل خاصة بالأعوان.

كما يتعرض الموقع حسب قول أغربي، لبعض الانتهاكات بسبب وجود ضريح سيدي علي بوجنون داخل المجال المرتب للموقع، الذي يعرف إقبالا كبيرا من سكان الجهة، وما يرافق زيارات الضريح من سلوكات سلبية تهدد سلامة البنايات الأثرية للموقع.

في حين يتصرف بعض سكان الدواوير المجاورة في فضاء الموقع بشكل عشوائي، من خلال استعماله كمجال للرعي وإتلاف أجزاء من السياج الوقائي للموقع، رغم حرص المحافظة على محاربة هذه السلوكات ورغم تدخلات السلطة المحلية.

واستعرض أغربي خلال حديثه حول كل ما يتعلق بموقع بناصا، أن وزارة الثقافة أحدثت محافظة موقع بناصا الأثري منذ سنة 2003 في إطار مشروع مندمج يهدف إلى رد الاعتبار للموقع والحفاظ عليه، وساهمت في هذا المشروع عدة أطراف، منها وزارة الثقافة، وعمالة إقليم سيدي قاسم، والمجلس الإقليمي لسيدي قاسم، والجماعة القروية لسيدي الكامل، والجماعة القروية الصفصاف.

وتمحور هذا المشروع حسب ما أفاده أغربي، حول إعادة إيواء جزء من السكان الذين كانوا يقطنون داخل المجال المرتب للموقع (عائلات حارسي الموقع الذين كانوا يؤمنون حراسة الموقع منذ فترة الحماية)، وتسييج المجال المرتب للموقع وبناء مقر للمحافظة يضم مرافق إدارية ومدخلا للاستقبال، وتهيئة المسلك المؤدي للموقع على مسافة 2.5 كيلومتر، وربط الموقع بشبكة الماء والكهرباء.

وخلال إعادة هيكلة وزارة الثقافة في إطار المنظومة الجديدة، أصبحت المحافظة تضم موقعي بناصا وتاموسيدا ( يوجد موقع تاموسيدا على بعد 20 كيلومترا شمال مدينة القنيطرة ويبعد عن موقع بناصا بحوالي 45 كيلومترا) وهي تابعة إداريا للمديرية الجهوية للثقافة بجهة الغرب – الشراردة – بني احسن، وفق ما رصده أغربي في معرض حديثه مع "المغربية".

وذكر أغربي بعض مجالات تدخل الجهات المعنية برد الاعتبار لموقع "بناصا"، إذ يجد أن مديرية التراث الثقافي بالرباط، معنية بتوفير ميزانية كافية لترميم الموقع وصيانته ورد الاعتبار إليه وتوظيفه في إنعاش السياحة الثقافية بالجهة (إنجاز مركز للتراث وخلق مدار سياحي بالموقع واللوحات الإرشادية وإدماج الموقع في مسارات سياحية وثقافية).

كما أن المديرية الجهوية للثقافة بجهة الغرب الشراردة بني احسن، يجب أن توفر الموارد البشرية لتأمين حراسة الموقع ومرافقه الإدارية وتمكين المحافظة من القيام بأشغال التنظيف.

بينما يتطلب من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث وضع برنامج للأبحاث الأثرية بالموقع لخلق ديناميكية مرتبطة بالبحث العلمي بتعاون مع جامعة ابن طفيل بالقنيطرة (ورشات للحفريات – تدريبات ميدانية للطلبة حول تقنيات البحث الأثري وحول صيانة وترميم البنايات الأثرية).

أما السلطات المحلية والمجالس المنتخبة (مجلس جهة الغرب الشراردة بني احسن - عمالة إقليم سيدي قاسم – دائرة بهت (مشرع بلقصيري) والجماعة القروية لسيدي الكامل)، فمدعوة إلى تكثيف الجهود لحل المشاكل الإدارية المرتبطة بوجود ضريح سيدي علي بوجنون داخل المجال المرتب للموقع وبعض السكان الذين لم يلتزموا بتعهداتهم لإخلاء الموقع، ثم مواكبة السلطات المحلية ودعمها للمشاريع المرتبطة بتأهيل الموقع.

ويرى أغربي أن وزارة التجهيز، عليها أن تتدخل لتدعيم البنية التحتية الطرقية المؤدية للموقع ووضع علامات التشوير واللوحات الإرشادية مختلف المحاور الطرقية بالجهة، في حين على وزارة السياحة خلق مسارات للسياحة الثقافية والطبيعية بالجهة وتشجيع وكالات الأسفارعلى برمجة زيارة موقع بناصا، وتدعيم البنية التحتية الفندقية والطاقة الإيوائية بالجهة.

ولم يغفل رشيد أغربي تأكيد أهمية تدخل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لحل مشكل ضريح سيدي علي بوجنون والمسجد التابع له والموجودين داخل المجال المرتب للموقع، وهذا كله لجعل موقع "بناصا" والمواقع الأثرية الأخرى، في مكانة تليق بها على نحو يساعد الزوار داخل المغرب وخارجه على اكتشاف الموروث الأثري الغني الذي يتمتع به المغرب والذي ينهل من جذور عريقة.

حراسة الموقع لدفع المخاطر عن البقايا الأثرية

اعترافا بالجهود التي يبذلها حراس المواقع الأثرية، من أجل دفع الخطر الذي قد يهددها ويساهم في اندثار وإتلاف مكوناتها وخصائصها الأثرية، نظمت في وقت سابق محافظة موقعي بناصا وتاموسيدا، بتعاون مع الجماعة القروية سيدي الكامل (دائرة بهت) وجمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث وبدعم من مجلس جهة الغرب الشراردة بني احسن يوما تراثيا خصص لتكريم حراس موقعي بناصا وتاموسيدا، بموقع بناصا الأثري (قرب مدينة مشرع بلقصيري).

وتوخت المحافظة من هذا اليوم التراثي أن يكون احتفالا يهدف إلى رد الاعتبار لفئة موظفي وزارة الثقافة التي قضت سنوات طويلة في خدمة التراث الأثري الوطني، لتأمين حراسة موقعي بناصا وتاموسيدا والحيلولة دون تأثرها بالممارسات التي تساهم في تدهور حالة البنايات الأثرية بالموقعين المذكورين.

كما ذكرت المحافظة بالحراس الذين أحيلوا على التقاعد والأدوار الطلائعية التي أنجزها طيلة توليهم مهام الحراسة، في تأكيد لدور العنصر البشري في حماية التراث الأركيولوجي وضرورة رد الاعتبار إليه وتحسين ظروف عمله.

وفي الإطار ذاته تضمن برنامج اليوم التراثي زيارة إلى ورش ترميم الساحة العمومية بموقع بناصا تحت إشراف رشيد أغربي محافظ موقعي بناصا وتاموسيدا و عبد السلام الزيزوني، تقني في مجال الترميم، ثم قدم الأستاذ الباحث سيدي محمد العيوض، عرضا حول تاريخ الحفريات الأثرية بموقعي بناصا وتاموسيدا، وتلاه تقديم فيديوراما حول حفريات موقعي بناصا وتاموسيدا، ثم قدمت بعد ذلك الشهادات التقديرية والهدايا التذكارية للمكرمين.

وسعيا إلى ضمان شروط الحماية للمعطيات الأركيولوجية التي يتمتع بها موقع "بناصا"، فإن هناك حارسين يداومان على مراقبة وحراسة الموقع من كل ما قد يضيع مكوناته الأثرية، ويتلف خصائصه الأصلية، فعبد الله عكرود (من مواليد 1954)، امتهن الحراسة بالموقع منذ سنة 1985، وهو ابن حارس سابق اشتغل بموقع بناصا منذ فترة الحماية.

ويعتبر عبد الله مهمة الحراسة، واجبا وطنيا مادام يضمن السلامة لموروث أركيولوجي مهم ومميز، كما يعتبر أحمد أنوار (من مواليد 1952)، حارس بالموقع منذ سنة 1989، أن تكليفه بحراسة بناصا هو امتداد لعمل والده الذي كان يعمل بدوره حارسا ببناصا منذ فترة الحماية، واستطاع بذلك كسب دراية بكيفية رعاية تلك المعالم الأثرية ودفع كل خطر يهدد بقاءها، خاصة أنه في كثير من الأحيان يتردد أناس على الضريح المحاذي للموقع، فيتجولون على جوانب ووسط الموقع في غفلة منهم أن "بناصا" تستدعي التزام سلوكات لا تلحق الأضرار بتلك السواري والأقواس التي رممت أخيرا.

من جهة أخرى، تحرص المحافظة على استمرار عمليات الترميم، باعتبارها امتدادا لتلك المجهودات التي تبذلها قصد التعريف بالمواقع الأثرية بجهة الغرب، الشراردة، بني احسن، والتحسيس بضرورة الاعتبار إليها، من خلال أنشطة ثقافية تنجز بالوسط المدرسي والجامعي بتعاون مع فعاليات المجتمع المدني، (محاضرات وورشات تراثية، وزيارة مؤطرة، ومنشورات).

وتجلت بعض الأشغال التي أنجزتها المحافظة في تثبيت أعمدة الرواقين الغربي والشرقي للساحة العمومية للمدينة الرومانية وتدعيم المحكمة وإعادة بناء وترميم الباب الغربي للساحة، واستفادت المحافظة حسب، ما ذكره أغربي لـ"المغربية"، من الخبرة التقنية لمحمد الجطاري، خبير في مجال ترميم وصيانة التراث.




تابعونا على فيسبوك