مُستغلات وراء الأبواب المغلقة

الإثنين 20 دجنبر 2010 - 10:57

يودع المغرب سنة 2010 دون توفير الحماية لأزيد من 174 ألف طفل، دون إنقاذ آلاف الخادمات الصغيرات من البطش والاستغلال الجسدي، بل والجنسي، الذي يتعرضن له، وراء أبواب المنازل المغلقة.

"المغربية" استقت أراء فاعلين اجتماعيين حول هذه الظاهرة، التي تحرم الأطفال من الرعاية الأسرية، والتعليم، لترمي بهم في الشوارع وفي أحظان الرذيلة

أفادت مجموعة من الخادمات في تصريحات استقتها "المغربية" أن أغلبية ربات البيوت يمنعن الخادمات الصغيرات من الخروج من المنازل، مخافة الهروب من القهر والتعذيب، الذي يخضعن له، ولا يخرجن إلا رفقة مشغلاتهن.

تقول حليمة (14 سنة)، خادمة، لـ"المغربية"، إن أختها زينب (تصغرها بثلاث سنوات)، كانت تشتغل بحي سيدي معروف، بالبيضاء، وتمنعها مشغلتها من الخروج من البيت، بحجة الخوف من الاعتداء عليها من طرف الغرباء، فيما أشارت إلى أن السبب الحقيقي هو الخوف من خروجها دون عودة إلى المنزل، لأنها كانت تعتمد عليها في الأشغال المنزلية.

وأضافت حليمة في حديثها أنها بكت بحرقة، خلال زيارتها لأختها زينب بعد عيد الأضحى، وقالت "كانت زينب طريحة الفراش، هزيلة، ذات وجه شاحب، ولا تقوى على الأنين، انهمرت الدموع من عينيها عند رؤيتي وعانقتني بقوة، وقالت لي أريد أن أعود إلى منزلنا، وأرغب في أن أكون إلى جانب أمي وإخوتي".

رأت حليمة آثار الحروق بجسد أختها الصغيرة، وعلمت منها أن ربة البيت "وضعت قضبان الحديد المستعملة للشواء على النار، ثم كوت يديها ورجليها، لدرجة أنها أصيبت بعجز عن الوقوف لمدة 14 يوما". عاقبت ربة البيت زينب الصغيرة، حسب أقوال أختها، لعدم انتباهها لاحتراق وجبة من اللحم أيام عيد الأضحى.

قالت حليمة "استنجدت أختي بإحدى الجارات، التي تدخلت بعد فوات الأوان، وعللت ربة البيت لجاراتها اعتداءها على الطفلة بعدم شعورها بما كانت تقوم به، وأن أعصابها كانت متوترة بسبب نزاع سابق مع زوجها"

كتمت حليمة ما علمت من أختها زينب عن المشغلة، وبعد مغادرتها منزل المشغلة أخبرت والديها، اللذين طلبا تدخل الوسيط "سمسار" في الموضوع، لجهلهم عنوان المشغلة، وعمل السمسار على إعادة الطفلة إلى منزل والديها بتاونات.

خادمات بالجملة

تُنقل عشران الفتيات من مدينة تاونات إلى المدن الكبير للاشتغال كخادمات، حسب شهادة وفاء، (15 سنة)، التي التقتها "المغربية" بساحة سوق درب غلف بالبيضاء، حيث تأتي سيدات على سيارات فارهة للبحث عن خادمات في البيوت.

وأضافت وفاء أن مجموعة من سائقي الشاحنات التي تنقل البضائع من شمال المغرب إلى البيضاء، يتوسطون في جلب خادمات من بعض الدواوير التابعة لتاونات، تلبية لطلب بعض السماسرة بالعاصمة الاقتصادية.

تشكو عدة خادمات، حسب أقوال وفاء، قسوة المشغلين، والاستغلال في أعمال متعبة، إضافة إلى ارتفاع ساعات العمل، فيما اعتبرت الهروب من المنازل الوسيلة الوحيدة للنجاة من العقاب، الذي ينلنه من ربات البيوت في حالة ارتكابهن بعض الأخطاء، التي يمكن أن تصدر من أي شخص، خاصة في حالات تكسير الأواني أو عدم إتقان بعض الأعمال المنزلية.

تقول مريم كمال، منسقة "الائتلاف من أجل حظر تشغيل الطفلات كخادمات بيوت"، لـ"المغربية"، "يتعذر على عدد من الخادمات القاصرات العودة إلى منازلهن، لأن أغلبهن يُجلبن للعمل في سن مبكرة، لا يغادرن منزل المشغل إلا في الحالات الخاصة، ولا يعرفن المدينة التي يتوجهن إليها لأول مرة في حياتهن، كما لا يعرفن الأحياء التي يشتغلن بها، ما يعرض بعضهن للضياع، بعد الهروب من مقر العمل".

الهروب من التعنيف

تحدثت مريم كمال عن حالة الخادمة فاطمة، البالغة 12 سنة من عمرها، وجرى تعنيفها من طرف مشغليها بالبيضاء، ولم يكن أمامها سوى الهروب من العمل.

وأفادت أنه نظرا لعدم وجود مراكز مخصصة لإيواء الأطفال في وضعية فاطمة، وغياب إجراءات خاصة لمعالجة وضعيتها، مرت الطفلة من مراكز عدة للإيواء بمساعدة الشرطة القضائية ومصالح العدل. وأكد الطبيب، الذي فحصها بمستشفى بوافي، خطورة حالتها الصحية والنفسية، مشيرا إلى وجود آثار تعذيب وجروح مؤلمة في جميع أنحاء جسمها بما فيها الأعضاء التناسلية.

يصعب تحديد الحالات التي غادرت، السنة الجارية، منازل المشغلين وتعرضت للضياع، حسب كمال، التي قالت إن 30 من المائة من الفتيات، اللواتي تستقبلهن جمعية "بيتي" بالبيضاء، سبق أن اشتغلن خادمات بيوت.

يعمل الائتلاف، الذي يضم جمعيات عدة، على تحسيس الآباء، خاصة بشيشاوة، حول الأخطار التي تتعرض لها الخادمات القاصرات، ويركز خلال لقاءات تواصلية مع سكان بعض دواوير المنطقة، على إلزامية التعليم بالنسبة للفتيات، ووجود قانون يمنع تشغيلهن في سن مبكرة.

وإذا كان استغلال الفتيات يجري داخل البيوت في الخفاء، يستغل الأطفال في حمل الأثقال بالحقول، وفي جني بعض الثمار، تحت أشعة الشمس الحارقة، أو ببعض الحرف، التي تعتبر ملوثة للبيئة، مثل الدباغة والحدادة.

وذكر تقرير الائتلاف من أجل حظر تشغيل الطفلات كخادمات، توصلت "المغربية" بنسخة منه أن المندوبية السامية للتخطيط أفادت، من خلال نتائج البحث، الذي أجرته على المستوى الوطني بشأن التشغيل خلال الربع الأول من سنة 2009، بأن حوالي 174 ألف طفل من مجموع الـ 8،9 ملايين طفل، الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة، داخل المغرب، يُوجهون للعمل في سن مبكرة، تمثل فيهم الفتيات نسبة عالية.

30 ألف طفلة خادمة في البيوت

وتؤكد اليونيسيف، يضيف التقرير نفسه، أن "حوالي 600 ألف طفل مغربي تتراوح أعمارهم ما بين 7 سنوات و14 سنة، أي 11 في المائة من هذه الشريحة العمرية، يمارسون نشاطا اقتصاديا، حيث يتجاوز الذكور نسبة النصف، وتشارك أغلبية هؤلاء الأطفال في أعمال الحقول. كما يجري تشغيل 16 في المائة منهم لتلبية حاجيات أسرهم، توجد من بينهم 30 ألف طفلة يشتغلن كخادمات في البيوت.

وأنجز الائتلاف بحثا ميدانيا، في شهر نونبر 2010، من أجل استيعاب ظاهرة تشغيل الطفلات دون سن الخامسة عشرة كخادمات في البيوت، على ثلاثة مستويات رئيسية، هي الوضع الاجتماعي للأسرتين: الأسرة التي تتحدر منها الفتاة والأسرة المستقبلة لها، والوضع الدراسي للطفلات الخادمات في البيوت، ونظرة الأسرتين إلى الظاهرة من الناحية القانونية.

بالنسبة للوضع الاجتماعي، مكنت المعلومات المستقاة من الأسر المعنية بتشغيل الفتيات دون سن 15 في البيوت (أي الأسرة التي تتحدر منها الفتاة والأسرة المستقبلة لها) من الوصول إلى أن 47 في المائة من الأسر، التي تتحدر منها الفتاة فقيرة، و28 منها تعاني فقرا وصفه البحث بالمدقع، و16 في المائة لا تتوفر على دخل قار، فيما تتوفر 9 في المائة على دخل قار، وفي هذه الأسر، يضيف البحث نفسه، تعاني 94 في المائة من الأمهات و72 في المائة من الآباء الأمية.

وبالنسبة للأسر المشغلة 54 في المائة منها تنتمي للطبقة المتوسطة، و20 في المائة تنتمي إلى فئة الطبقة الميسورة، و23 في المائة لها دخل غير قار. وتابع 53 في المائة من الأمهات بهذه الأسر و68 في المائة من الآباء دراستهم بمستوى التعليم العالي.
وتمثل الطفلات الخادمات في البيوت، حسب البحث، فئة عمرية تتراوح بين 8 سنوات و15 سنة، وهي سن التعليم الإجباري، إذ تمثل فئة 15 سنة 15 في المائة من الخادمات القاصرات، و14 سنة تمثل 27 في المائة من الخادمات القاصرات، و13 سنة تمثل 19 في المائة من الحالات، و12 سنة تمثل 17 في المائة من الخادمات، و11 سنة تمثل 10 في المائة من الحالات، و9 سنوات تمثل 1 في المائة، و8 سنوات تمثل 3 في المائة من الحالات.

تؤكد الأرقام المذكرة أعلاه أن تشغيل الفتيات في البيوت يشكل عائقا أمام إجبارية تعليمهن، إذ أن 38 في المائة تتراوح أعمارهن بين 8 و12 سنة، وهي سن السلك الأول من التعليم الأساسي، 62 في المائة تتراوح أعمارهن بين 13 و15 سنة، وهي سن السلك الثاني من التعليم الأساسي.

وأبرز البحث نفسه أن 49 في المائة من الطفلات الخادمات في البيوت انقطعن عن الدراسة، و30 في المائة من الحالات لم يسبق لها أن تلقت أي تعليم و21 في المائة من الخادمات مازلن يتابعن دراستهن ويشتغلن لفترات (يعملن خلال العطلة الدراسية).
واستخلص تحليل لنتائج البحث أن الإقصاء من التعليم يعود إلى الفقر (43 في المائة)، وبعد المدرسة عن البيت (25 في المائة)، وبسبب اعتبارات اجتماعية وثقافية (32 في المائة).

وكشف البحث أيضا أن 68 في المائة من الأسر، التي تتحدر منها الفتيات الخادمات لا علم لها بالمقتضيات القانونية، التي تنص على إجبارية تعليم الأطفال حتى بلوغهم سن 15، و76 في بالمائة من الأسر تجهل تماما أن القانون يمنع تشغيل الأطفال. وأفاد البحث أن 75 في المائة من الأسر المشغلة للفتيات الخادمات تؤكد معرفتها بإجبارية تعليم الأطفال حتى بلوغهم 15 سنة، و62 في المائة تؤكد معرفتها بأن القانون يمنع تشغيل الأطفال في سن مبكرة.




تابعونا على فيسبوك