البيضاويون يختنقون في زحام السيارات وقلة المرابد العمومية

الحراس قانطون من احتكار الشركة الإسبانية

الأربعاء 15 دجنبر 2010 - 11:00
ت: عيسى سوري

يندس بين السيارات، متفقدا الواحدة تلو الأخرى، فمهمته تفرض عليه ذلك، كان مكان لاكولين 2 بسيدي معروف في الدارالبيضاء يعج بالسيارات، لهذا ما كان لإبراهيم مصلوحي غير إلقاء نظرات حولها، تحسبا لأي طارئ قد يفقده ثقة موظفي الشركات بكفاءته ..

إن الإخلاص في العمل وحده الذي جعل إبراهيم يكسب محبة الموظفين، وإن كانت بعض المشاكل بدأت تعيق عمله في الآونة الأخيرة، بعد أن قضى فيه حوالي 18 سنة.

إبراهيم مصلوحي (38 سنة)، حارس سيارات، وأب لطفل، دفعته قلة الحيلة إلى امتهان حراسة الأرصفة، فكان يرى جميلا أن يكرس نفسه كليا لهذا المهنة التي تسد لقمة عيشه، كما كان يريحه أن يرى ثقة زبنائه تتجسد في حسن معاملته له، والتعبير له، في أكثر من مناسبة، عن مدى جديته في الحفاظ على الأمانة، وحتى يصون مكانته الاعتبارية لديهم، كان في كل لحظة يجوب بين السيارات المركونة متفحصا إياها، على نحو يطمئنه بأن ما ائتمنه الناس عليه ما زال على حاله.

في الثامنة صباحا، يصل إبراهيم إلى منطقة لاكولين 2، بعد أن يترك بيته في دوار ولاد مالك ببوسكورة، مستعينا بسيارة الأجرة وعربة متنقلة، ومع ذلك، لا يشكو من مشقة الطريق وضعف الإمكانيات المادية، لكن المضايقات التي أصبح يعيشها في مكان عمله، بسبب ما أسماه بحارس "دخيل"، أصبحت تشوش على عمله ونفسيته.

لولا حسن سيرته أمام زبنائه، لكان إبراهيم اليوم دون عمل، يذكر ذلك على نحو يائس، إذ أن وجود حارس جديد لم يمض على وجوده غير سنة ونصف السنة، خلف تبعات سلبية على حياة إبراهيم، الذي فاجأته ذات مرة زبونة بفقدانها لمبلغ ألف درهم، كانت في سيارتها، في تلويح منها إلى أن إبراهيم هو المسؤول الوحيد عن ضياع هذا المبلغ، ليجد نفسه مجبرا على تفسير الواقعة لرجال الأمن، مع أنه لا يعلم عن ذلك شيئا، غير أن أقدميته في المهنة بالمكان نفسه، إضافة إلى شهادة الزبناء بجميل أخلاقه، ساعداه على الخلاص من مشكل اعتبره ملفقا ومدبرا.

مسؤولية جسيمة

يذهب إبراهيم المصلوحي في كل الاتجاهات بلاكولين 2، حتى يتحقق من أن الفضاء يخلو من أي مستجدات قد تعكر صفو عمله، فالسيارات العديدة على مختلف أنواعها، تقدر بمبالغ مالية كبيرة، من الصعب أن يعوضها إبراهيم إذا ما لحقتها بعض الخسائر كالخدش والسرقة وما يشابه ذلك، فاليقظة أول ما يعتمده إبراهيم لتعزيز ثقة الزبناء بكفاءته، وإن كان عدد السيارت قد يبلغ 200 سيارة في اليوم متفرقة على زقاقين، يفيد إبراهيم بجدية، في تأكيد أن المشكل ليس في عدد السيارات التي تتوافد على المكان أو تلك التي يركنها موظفو الشركات طيلة اليوم، وإنما في شخص حارس جديد يجده إبراهيم يترصد خطواته بإيعاز من أشخاص يجهلهم، والسبب الحقيقي وراء هذا الأمر هو أن إبراهيم، حسب إفاداته، فضل أن يؤدي ما عليه من واجبات، بعد حصوله على رخصة الحراسة من الجهة المعنية في شهر أكتوبر الماضي، فكانت هذه الخطوة غير مستساغة للبعض، بعد أن كان يدفع لهم 400 درهم، مقابل حراسته لزقاق واحد.

يدرك إبراهيم أن أقدمية عمله بالحراسة في منطقة لاكولين كافية حتى يقصده الزبناء لدفع مستحقاته، وهو بدوره يخدمهم على النحو الذي يريحهم، لهذا يأسف على أن تتحول حياته المهنية إلى مجموعة من التعقيدات، نتيجة منافسة يعتبرها إبراهيم غير "شريفة" لأنها تمس بسمعته لدى زبناء أيقنوا بعد سنوات طويلة، أن هم إبراهيم هو أداء واجبه على أحسن وجه، والعودة إلى بيته في منأى عن المشاكل والاتهامات الباطلة".

ثقة الناس ..مكسب

يأمل إبراهيم المصلوحي أن يستعيد إحساسه بالأمان في عمله، لأن كسب لقمة العيش ليس أمرا يسيرا، وهو إنسان لا يفقه في شيء، غير حراسة السيارات ومهنة البناء، ولأن هذه الأخيرة تتطلب مجهودا عضليا وعلاقات عامة، تضمن مدخولا يوميا، فهو يفضل أن يظل حارسا للرصيف، يدفع ما عليه من واجبات وينال ما تجود عليه المهنة من أرباح، التي قال عنها إنها "بسيطة ومحدودة، لكنها تحول دون أن يمد يده للناس".

يبتسم على نحو يعكس أن الواقع أصعب مما يبدو، ليضيف أن "كرم الزبناء متفاوت من واحد لآخر، وهو لا يشترط عليهم، ويترك لهم الحرية في ما يدفعونه، مقابل حراسة سياراتهم، فمهنته عززت علاقاته الإنسانية، وهو مكسب يفخر به".

ولأن مهنة الحراسة تشترط الثقة المتبادلة بين الحارس والزبون، فإن هذا الأخير لا يتوانى في ترك مفاتيح السيارة لإبراهيم، في حالة ما استدعى الأمر ذلك، خاصة عندما يتوافد على المنطقة زوار يكون وجودهم بالمنطقة وجيزا، فيضطر إبراهيم إلى تغيير مكان السيارات، حفاظا على النظام وتسهيلا لعبور السيارات.

إن مبلغ 75 درهما هو قيمة ما يدفعه إبراهيم وباقي الحراس المرخص لهم للجهة المعنية، حتى يتسنى لهم أداء خدمات الحراسة، أما ما يحصل عليه إبراهيم من أرباح فبالكاد تكفيه لمصروفه اليومي (25 درهما للأكل)، إضافة إلى تكاليف المواصلات ونفقات كراء غرفة صغيرة بـ 500 درهم شهريا.

وبينما يكشف إبراهيم عن واقعه مع مهنة حراسة الأرصفة، كانت عيناه لا تزيغ عن السيارات، التي يتحمل مسؤولية سلامتها، إذا ما فتئ يؤكد أنه راض بهذه المهنة المتواضعة، ولا يأمل غير أن يتركوه وشأنه دون مضايقات، في إشارة منه إلى أن هناك من يريد إزاحته من فضاء لاكولين 2 بسيدي معروف، وهو الذي يؤدي مهامه دون إزعاج غيره، مطالبا السلطات المعنية بإنصافه مما نسب إليه من اتهامات.

المدينة تختنق

أصبح التجوال في مدينة الدار البيضاء بالسيارة، أمرا عسيرا، خاصة في ذروة الأوقات، إذ أن الكم الهائل للسيارات وضيق الشوارع والأزقة، إضافة إلى الأشغال الجارية في المدينة، لإنجاز مشروع الترامواي، أربك حركية التنقل، وزاد من اختناق المدينة التي تعيش على إيقاع الفوضى، حتى أصبح الكثير من المواطنين يقضون وقتا طويلا، في البحث عن مكان شاغر قصد ركن سيارتهم، فأول فجوة تقابلهم تدفعهم إلى التسابق عليها، لعلهم يتجنبون ركنها في مكان يستدعي منهم دفع 2 درهمين لكل ساعة، وفي حالة تجاوزها، تدفع ذعيرة 30 درهما، بعد تقييد السيارة بـ"الصابو".

إن "المدينة تحتضر بسبب ارتفاع نسبة السكان وغياب المساحات الخضراء، وتقلص مساحات الشوارع والأزقة، لتزيد الطينة بلة، الشركة الإسبانية التي تتعاقد مع مجلس مدينة للاستثمار في الأرصفة وتقييد ركن السيارات بمدة محددة"، يفيد بعض المواطنون على نحو قانط من الوضع الذي آلت إليه المدينة في الآونة الأخيرة، في إشارة إلى أن "الدار البيضاء في توسع عمراني مستمر والمعنيون لا يولون لذلك اهتماما، حتى يخلصوا البيضاويين من اختناق يومي مرده إلى "العشوائية في إدارة الشأن المحلي"، والأمطار الغزيرة التي تهاطلت أخيرا، كان إشارة قوية إلى أن المدينة سابحة في المياه كما سابحة في جملة مشاكل لا تنتهي"، يذكر أحد المواطنين باستهزاء من واقع الحال.

الحراس يحتجون

خرج حراس الأرصفة في مدينة الدار البيضاء، في أكثر من مناسبة، للاحتجاج ضد الشركة الإسبانية، التي قالوا إنها "أوهمت الحراس في البداية أنها ستستثمر في الشوارع الرئيسية وتترك للحراس الأزقة، ليتفاجأوا بأن الشركة احتكرت هذه الأخيرة"، في وقت كانت مهنة حراسة الأرصفة تضمن لبعض الأسر الفقيرة مدخولا للعيش.

كما أكدوا، خلال وقفاتهم الاحتجاجية، أن عملية تفويت الأرصفة جرت في أماكن الحراس الفقراء، لصالح الشركة الإسبانية والمستشارين والموظفين الجماعيين وأصحاب "الشكارة"، ليتسبب ذلك في مأساة حقيقية لحراس الأرصفة"، كما أضافوا أن "على مجلس مدينة الدار البيضاء تحتمل مسؤولياته تجاه الحراس المشردين وتبعيات التفويت، التي لم تخدم المدينة بقدر ما خدمت مصالح الأجانب بالاستثمار والاغتناء منه".

كما أكد حراس الأرصفة، في وقت سابق، أن "الاستثمار في أرصفة الدار البيضاء، لم يساهم، بأي شكل من الأشكال، في هيكلة قطاع المواصلات، وتعبئة الطرقات والشوارع لفك معضلة الاختناق والازدحام، الذي تشهده المدينة"، مضيفين أن "مجلس المدينة اغتنى من جبايات الحراس ولم يستطع أن يقدم أي مردود للرصيف، إذ أن أغراض الناس هي التي تتحكم في الرصيف، أما المجالس فهي عاجزة، وتبقى متفرجة على الاختناق وسماع منبهات السيارات" .

وفي السياق ذاته، عبر حراس الأرصفة، شأنهم كباقي المواطنين البيضاويين،عن "استغرابهم من سوء تسيير قطاع المواصلات، والافتقار إلى المرابد الأرضية، وكذا الأنفاق من أجل سرعة التنقل، في الوقت الذي ينوه مجلس المدينة بالمشاريع التنموية، التي أخذها على عاتقه، وإن كان واقع الحال لا يمت لها بصلة".




تابعونا على فيسبوك