تادلة أزيلال

سفر إلى جوهرة الأطلس

السبت 17 يوليوز 2010 - 08:33

تمثل جهة تادلة أزيلال واجهة سياحية واقتصادية متميزة، من حيث المؤهلات الطبيعية والجغرافية والثقافية والتاريخية، التي تجعل منها قطبا استراتيجيا، على مستوى التنمية الاقتصادية المحلية والوطنية..

باعتبار التنوع المجالي، والغنى الفلاحي، فضلا عن الشبكة المائية والطاقية، التي تزخر بها، ما يجعلها أرضية خصبة لاستقطاب الاستثمار الوطني والأجنبي، شريطة توفير الظروف الملائمة لذلك، ولعل هذه الثروة الطبيعية، فضلا عن ذاكرتها الثقافية والتاريخية، جعلت منها فضاء متنوعا ومتميزا على المستوى السياحي، ستزداد قيمتها مع فتح الطريق السيار، الذي أعطى انطلاق أشغالها، أخيرا، جلالة الملك محمد السادس.

إن موقع مدينة بني ملال الجغرافي وسط المغرب، وقربها من العاصمتين، الإدارية والاقتصادية، الرباط و الدارالبيضاء، ووجودها على الطريق الرابطة بين قطبين سياحيين، هما فاس ومراكش، بالإضافة إلى توفرها على ثروة سياحية طبيعية مهمة، ما يمكن من استثمارها في مختلف أنواع الرياضات السياحية المتنوعة، كجولات المشي على الأقدام، أو على ظهور الدواب، أو بواسطة الدراجات، أو التزحلق على الثلج، إضافة إلى تسلق الجبال، وممارسة الصيد والقنص والتجديف بالبحيرات والأودية، وهي إمكانات وجب استغلالها ولو جزئيا، في الميدان السياحي. ومن أجل استثمارها بطريقة عقلانية، يجب تغطية كل المواقع والفضاءات السياحية بالجهة، بدراسة التهيئة السياحية، وإخضاع مجالها الترابي لتصاميم التهيئة، والحد بصفة استعجالية من البناء العشوائي بها، قصد حماية جماليتها.

مؤهلات طبيعية

تضم جهة تادلة أزيلال، التي تتكون من إقليم بني ملال، وإقليم الفقيه بن صالح، وإقليم أزيلال، العديد من المؤهلات الطبيعية، يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال: عين أسردون، جبل تصميت، مغارة "مجغيول"، بمنطقة دير القصيبة، ومخيم تاغبالوت، وشعاب ومنحدرات شقوندة..

وفي إطار تشجيع الاستثمار بهذه المواقع، ودعم بنيات الاستقبال بها، عن طريق مآوى مرحلية عند السكان، وتهيئ فضاءات للتخييم في الهواء الطلق، يتعين فك العزلة عنها، عن طريق وضع شبكة من الطرق المعبدة، أو المسالك القروية، وكذلك التفكير في وضع مجمعات عقارية، على مستوى الجماعات التي تحتضن بعضا من هذه المؤهلات الطبيعية.

أما عن المؤهلات التاريخية والثقافية والحضارية بالجهة، فنجدها تحتضن موروثا ثقافيا، يمكن اعتماده مكونا للمنتوج السياحي بالمنطقة، فهناك الأبواب والقصبات، والأسوار والحصون والقلاع وغيرها... لذا أصبح لزاما ترميم هذه الكنوز، والعمل على ترتيبها وتأهيلها لاحتضان أنشطة سياحية.

للإشارة، فإن المواقع ذات الأهمية السياحية بالجهة، التي تحظى بتدفق سياحي مرتفع، هي شلالات أوزود و عين أسردون وبين الويدان ومخيم تاغبالوت.

أما عن المعالم التاريخية، فهناك القصبة الزيدانية، التي تقع على الواجهة اليسرى لأم الربيع، التي جرى إنشاؤها في القرن 16، على يد الأمير زيدان، الذي ولاه والده السلطان أحمد المنصور الذهبي على المنطقة، وجعل منها مركزا اقتصاديا وعسكريا مهما، في إطار الصراع السياسي وقتئذ، بين عواصم الملك فاس ومراكش، ولعبت القصبة دورا كبيرا في تاريخ المغرب، ومازالت آثار هذه المدينة المشيدة حاضرة من خلال بقايا القصبة، التي تتعرض كل يوم إلى الانقراض رغم جذورها التاريخية العريقة، مما يتطلب صونها.

السر في عين أسردون

عين أسردون، أو هبة الأطلس، تمنح مدينة بني ملال، ماء رقراقا عذبا وصافيا، وأسردون باللغة الأمازيغية تعني "البغـل"، إلا أن عين أسردون لا تربطها أي علاقة بذلك، إلا ما ترويه الأسطورة من أن شخصا في القدم، اكتشف منبع العين صدفة، فقام بإغلاقه، وتوقفت عين أسردون عن الجريان، ليتصل هذا الرجل بسكان المنطقة، ويطالبهم بدفع حمل بغـل ذهبا، مقابل إعادة مياه العين إلى سابق عهدها، وكان له ذلك، لكنه بعد فترة، قرر أن يعيد المحاولة، فكان أن نصبوا له كمينا فقتلوه، وذهب معه سر منبع العين، لكنهم استراحوا من تهديداته المتتالية.

يقع مركز الاصطياف عين أسردون عند سفح الجبل، على مسافة حوالي ثلاثة كيلومترات من وسط المدينة، ويعتبر الملجأ الوحيد في فصل الصيف، للاحتماء و لو نسبيا من الحرارة المفرطة، التي تعرفها المنطقة، كما يؤمها الزوار من داخل المدينة ومن خارجها، طيلة فصول السنة، وتقع على مساحة تسعة هكتارات، وهي عبارة عن منبع مائي، يخرج من بين الصخور، ليتحول إلى شلالين، ثم إلى سواقي مثلجة المياه، تنساب صوب الحقول المجاورة.

عرفت عين أسردون إصلاحات متعددة، أضحت بفضلها ذات جمالية متميزة، ومساحات خضراء وأخرى مغروسة، وحديقة ألعاب للأطفال، ومقهى وعدة أكشاك، وموقف للسيارات لا تفوق طاقته الاستيعابية 50 سيارة، وفوق العين، وفي أعلى الجبل، يقف برج عين أسردون، أو كما يعرف محليا بــ (القصر)، حارسا أمينا وراعيا، في مقابلة المنطقة المعروفة بـ (رمي الحمام) .

جمال شلالات أوزود

تقع شلالات أوزود في الدائرة الترابية لإقليم أزيلال، تبعد عنها بحوالي 30 كيلومترا، للوصول إلى هذه الشلالات ينبغي أن تسير في الطريق الرابطة بين أزيلال ودمنات حوالي 14 كيلومتر، ثم تعرج على طريق ضيقة، طولها حوالي 16 كيلومترا، هي التي ستوصلك إلى أزود.

أوزود هي مجموعة شلالات، تسقط فيها المياه من علو يصل إلى 150 مترا، تنبع مياهها من عيون "تابونت"، التي تقدر بحوالي 25 عينا، وبمجرد الوقوف أمام الشلال، تحس برذاذ المياه المتساقطة من هذا العلو الكبير، التي تضفي على الجو رطوبة منعشة، وقبل أن تنهك سنوات الجفاف المتتالية هذا الشلال، كانت قوة المياه تشكل عند التقائها بأشعة الشمس، قوس قزح دائم. وفي أعلى الشلال، أقيمت مطاحن القمح والشعير المعتمدة على الطاقة المائية، التي بقي منها مطحنتان فقط، إذ دُمر الباقي عقب فيضانات عرفتها المنطقة، في الفترة نفسها، التي عرفت منطقة "وريكة" فيضانات مهولة.

أضحت مجموعة من الفنادق تؤثت المكان لاستقبال الزوار والسياح، من جميع مناطق المغرب، بفضل برنامج لتأهيل المنطقة، يصل إلى 24 مليار سنتيم، سيجعل منها قطبا سياحيا دوليا حقيقيا، والدراسات الخاصة بالمشروع قيد الدراسة، لإعطاء هذا المحيط السياحي، ما يستحقه من عناية، وفي محيط الشلالات، توجد زاوية "تانغملت" على بعد 3 كلم، وبجوارها القرية المكسيكية، ومنابع "تابونت"، ما يجعلها فضاء مهما في السياحة الطبيعية.

مخازن معلقة

المخازن تقليد اجتماعي قديم، منها "المطمورة"، و"الطارما"، وتستعملان لخزن الحبوب، بحيث كانت كل البيوت القديمة تحتوي على واحدة منها، وهناك مخازن جماعية، كانت كل أسرة تملك مخزنا داخل موقع مشترك، وتساهم في مهام البناء والصيانة والدفاع، كما تسير هذه المخازن بطريقة جماعية، وتتفق القبيلة على حارس لهذه المخازن، وهو الذي يسهر على تطبيق الأعراف المتوارثة بين الأجيال، التي تنظم قوانين الاستعمال، كأوقات الدخول إلى المخازن وغيرها، ومن بين هذه المخازن الجماعية بمنطقة بني ملال: مخازن أوجكال، التي تعتبر من أهم المعالم الثقافية والسياحية بالمغرب، إلا أنها غير معروفة بشكل كاف.

إن دراسة كافية لمخازن أوجكال، والاطلاع على الأدوار، التي لعبتها في تاريخ قبائل "آيت عبدي"، طيلة قرون، تسلط الأضواء على بعض قواعد التنظيم الاقتصادي والاجتماعي والحربي، لقبيلة نموذجية، حاولت استثمار الإمكانيات الطبيعية المتاحة لبناء هرم معماري منيع. و بالرغم من أن هذه المخازن كفت عن أداء وظائفها منذ حوالي 1977، فإنها ما تزال شاهدة على العبقرية في المعمار والتخطيط.

ونظرا للتفرد في طريقة المعمار بالنسبة لهذا الموقع، جرى تداول البعد الخرافي والأسطوري، حول هذه المخازن. فحسب تقرير مندوبية الثقافة، فإن إحدى البعثات استندت على الرواية الشفوية للأهالي للقول بأن المخازن كانت محروسة من طرف الأفاعي، التي كانت تقتات على الفئران الموجودة بكثرة فيها، وأن حارس المخازن وحده الذي كان يمتلك سر التواصل مع هذه الأفاعي. كما يقول سكان المنطقة إن "هذه المخازن هي في حماية آيت أوجكال، أي الأرواح"، ما يضفي عليها هالة من الغرابة والغموض، تزكيها أسراب الغربان بنعيقها المستمر، حيث اتخذت من تجاويفه أوكارا لها. كل هذه الأشياء جعلت بعض القبائل تسارع إلى زيارة المخازن تبركا بها وتقربا من الجن الذي يحرسها، وهذا ما يفسر احتفاظ هذه المخازن بأغلب معالمها الأساسية ومكوناتها الرئيسة.
للإشارة فإن مخازن أوجكال لعبت دورا استراتيجيا في المقاومة الباسلة لقبائل آيت سخمان، أثناء الاحتلال الفرنسي للأطلس، حيث كانت محطة خلفية للتموين وتخزين العتاد والسلاح، واستفادت منه أغلب القبائل المجاورة .
لذا أصبح لزاما تصنيف هذه المخازن باعتبارها تراثا وطنيا، والدفع بملفها صوب المؤسسات الدولية، لكي يجري تصنيفها كتراث إنساني، وكذا العمل على إجراء بحث إثنوغرافي حول هذا الموقع والمنطقة المتواجد بها، إضافة إلى وضع علامات طرقية تشير إلى الموقع، وتسهل عملية الوصول إليه.

مستقبل واعد

إن التنوع والغنى الذي يميز جهة تادلة أزيلال، من حيث مؤهلاتها المختلفة، يجعلها منطقة ذات بيئة جذابة، من حيث المنتوج السياحي، كقطار للتنمية، خاصة السياحة الجبلية، مما يتطلب خلق بنية تحتية متينة بموقعها الاستراتيجي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ارتباطا بتنمية وإصلاح الشبكة الطرقية، في نسيج بني ملال، مراكش، البيضاء، ورزازات، ثم توسيع مطار أولاد يعيش بالإقليم، وخط السكة الحديدية لتوسيع قاعدة الاستثمار، وتنمية الجهة بشكل حقيقي، للاستفادة من المكونات السياحية المتنوعة بالمنطقة، والإسهام في استقطاب أكثر من 10 ملايين سائح كما يطمح في ذلك المغرب.




تابعونا على فيسبوك