الرجال يبكون أيضا..

الخميس 03 يونيو 2010 - 08:33
عائلة المصطفى اليازجي (خاص)

المصطفى اليازجي عاش شهورا في العراء مع زوجته وطفلهما يقاومون البرد والشتاء والفئران تحت أعين السلطات بالبيضاء

تحت أشعة الشمس الحارقة يجلس المصطفى اليازجي القرفصاء، محاولا الكشف عن ما تبقى لديه من أواني منزلية لم تعد صالحة للاستعمال، أواني كساها الصدأ وظلت شاهدة على عملية الهدم التي طالت منزله، ليجبر على العيش في العراء لشهور، قبل أن يتصدق عليه جيرانه ببعض الأغراض وصفائح من "القصدير"، قصد تشييد ما يشبه غرفة يحتمي داخلها من عوامل المناخ، بعدما رمت به عوامل الزمن نحو التشرد.

يحمل المصطفى ابنه ذا السنة وأربعة أشهر، وهو يقاوم دموعا اغرورقت في عينه، تعكس أن الرجل يمطر أحزانا تتضخم لديه كلما جال بنظره صوب منزله المهدم من قبل السلطات المحلية، بدعوى أن هذا المنزل الموجود بدوار العراقي بأولاد احمد (02 الرحمة)، بدار بوعزة، منطقة النواصر، بجهة الدار البيضاء، واحد من البنايات العشوائية التي تفرض الخلاص منها.

"براكة" من قصدير وأغراض قديمة ومهترئة، هي كل ما استطاع المصطفى أن يحصل عليه بعد الهدم، في ظل تهديده بأن حتى هذه الأشياء البسيطة ستنزع منه، لمبررات قال عنها المصطفى إنها "غير معقولة ومجحفة في حق أسرته"، إذ ما فتئ يذكر باستياء أنه "لا يوجد أي مبرر وجيه لهدم منزله، في وقت ما تزال العديد من المنازل قائمة بالدوار، وتحمل مواصفات البناء نفسها، التي كان عليها بيته"، مضيفا، بنبرة قلقة، أنه "كان اقتنى بقعة أرضية بمساحة 60 مترا مربعا بـ60 ألف درهم، شيد فوقها بيتا، كلفه حوالي 40 ألف درهم، فقطنه مدة سنة، إلى حين أن تفاجأ، في شهر فبراير الماضي، بهدمه دون سابق إنذار".

تدمع عينا المصطفى مسترسلا في الحديث عن مشكلته التي وصفها بغير الإنسانية، "كنت خدام في البناء، ملي رجعت لقيت مرتي أو ولدي في الزنقة، أو حوايجي خادوهم لي، آشنو هو السبب الحقيقي اللي خلا السلطات تريب لي بيتي، ما كيعرفو غير المعنيين به"، مضيفا أنه "بنى بيته بمباركة هذه السلطات التي لم تبد يوما أي اعتراض، باعتبار أن عمليات البناء في هذا الدوار بديهية وإلا ما كان التوسع فيه لا يزال مستمرا"، مفسرا أن "محدودية إمكانياته المادية هي التي شجعت السلطات على هدم بيته، وهو بذلك لا يملك بديلا آخر للتنازل عن أرضه وأغراضه، التي أخذت منه بالقوة في غفلة منه".

يرمونه بالحجارة

يمتعض المصطفى بمجرد استحضار أيامه الأولى التي قضاها في العراء رفقة زوجته وطفله دون مساند يدعمه، ماعدا مؤازرة بعض الجيران، الذين تبرعوا عليه بأغطية لافتراشها وأخرى للتدثر بها، ليجد نفسه يعيش مأساة حقيقية، سيما أن "أشخاصا مجهولين كانوا يرمونه بالحجارة في وقت متأخر من الليل، لزرع الرعب فيه والدفع به إلى الرحيل، فكان "القصدير" وحده يحول دون تضرره بتلك الحجارة، بينما كانت زوجته تحاول قدر الإمكان تهدئة روع طفلها، الذي لا يستوعب حقيقة ما يحيط به"، حسب تصريحاته لـ"المغربية".

أما حينما كانت السماء تجود بالأمطار الغزيرة، كانت أسرة المصطفى لا يغمض لها جفن، إذ أن بيته "القصديري" لا يقي من التساقطات المطرية، بل إن القصدير يعد مشكلة أخرى تعمق معاناته النفسية والاجتماعية، في الشتاء تخترق المياه "براكته" وتتبلل أغراضه المتهالكة، وفي الصيف يتحمل انعكاس حرارة الشمس على نحو يرهق أسرة المصطفى.

لم يعد المصطفى يستسيغ فكرة أن المنزل، الذي كلفه كل ما يملك، تهدم باسم "البناء العشوائي"، إذ حصل بعد تعرضه إلى حادثة سير في الماضي، على تعويض يقدر بـ 60 ألف درهم، أراد به أن يخلق أسرة ويستقر في أمان، ليكتشف أن بهذا المبلغ اشترى التعاسة والشقاء، لينزوي في "براكة قصديرية"، متطلعا إلى استعادة ما ضاع منه، وإن كان وفق ما ذكره، لا يتفاءل كثيرا في استدراك ما خسره، خاصة أنه كلما لجأ إلى السلطات المعنية، التي باشرت بهدم منزله دون غيره، تلقى منها الصد والعزوف عن تقديم حل لمشكلته، في إضافة منه أنه "تحول إلى مريض بالأعصاب جراء تجاهل وضعيته من قبل المعنيين، الذين في كل مرة يقدمون له وعودا في منأى عن تحقيقها".

الفئران أيضا

من جهتها، ذكرت السعدية ابويردات، عضو مكتب "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع الدار البيضاء"، التي رافقت "المغربية" في زيارتها لأسرة اليازجي، أن "واقع هذه الأسرة مبعث على الشفقة، غير أن الشفقة وحدها لا تكفي لحل مشكلتها، ومن ثمة وجب على المسؤولين إعادة النظر في حقائق هدم منزل المصطفى، باعتبار أن دوار العراقي كله بناء عشوائي ولا تزال مبانيه قائمة"، معبرة في الآن نفسه عن "تضامن الجمعية مع هذه الأسرة التي تفتقر إلى مكان آخر تلجأ إليه، ماعدا التشبث بحقها في السكن، إلى حين استيقاظ ضمير المعنيين وتعويضه عن بيته المهدم".

في حين ذكر المصطفى أن قصته "مدعاة للحيرة والتساؤل، مادامت السلطات المحلية استثنته عن البقية حتى تهدم بيته الوحيد"، ليتنقل بمحاذاة "براكته" ثم كشف بقايا الركام التي ألقى بها خارجا، حتى لا تسكنه الفئران والحشرات، وهو في غنى عن تحملها هي الأخرى.




تابعونا على فيسبوك