إذا أردت أن تقف على حقيقة المشاكل، التي تعانيها مدينة برشيد، لن تجد أحسن من الحي الحسني، فهذا لأخير، حسب مجموعة من سكانه، يلخص المشاكل التي تغرق فيها المدينة.
في زيارتها لهذا الحي، التقت "المغربية" بالعديد من فعالياتها وشبابها، الذين حاولوا، بكل تلقائية، وضع المهتمين بالشأن المحلي في عاصمة ولاد احريز في حقيقة الخصاص، الذي يعانيه هذا الحي على عدة مستويات.
إنه واحد من الأحياء الأكثر شهرة في مدينة برشيد، شكل في العشرية الأخيرة قبلة للعديد من المواطنين، الذين نزحوا إلى عاصمة ولاد احريز، خوفا من قساوة العيش في البوادي المجاورة، أخباره تصدرت في السنتين الأخيرتين عناوين مجموعة من الصحف الوطنية، إنه الحي الحسني.
العديد من سكان مدينة برشيد يشبهونه بحي مولاي رشيد في الدارالبيضاء، ويكمن وجه الشبه بالنسبة إليهم، في كون هاذين الحيين خُصصا أصلا قبل سنوات، لإيواء سكان دور الصفيح، في إطار سياسة محاربة "الكاريانات".
حينما زارت "المغربية" الحي الحسني، التقت بالعديد من شباب وفعاليات هذا الحي، اختلفوا في شهاداتهم وتقييمهم لهذا الحي، لكنهم اتفقوا على أنه يعاني خصاصا كبيرا على عدة مستويات.
اقتربنا في زيارتنا إلى الحي الحسني من شباب يشتغل في إحدى المحلات التجارية، في محاولة لمعرفة رأيه في الحي، الذي يسكن فيه، تردد هذا الشاب كثيرا، وبدت مراسم الخوف ظاهرة على محياه، الشيء الذي فسره مرافقنا بكون شباب هذا الحي غير معتاد على زيارة وسائل الإعلام لهذا المكان.
تردد هذا الشباب لم يمنعه من القول"راه كاين بزاف تاع المشاكل، ولكن في الحقيقة المشاكل الصعيبة ليكانت مابقاتش"، رأيه اصطدم بموقف عدد من جيرانه، الذين أكدوا أن هذا الحي ما يزال يعد معقلا لتجارة المخدرات والقرقوبي، كما جاء في تصريح عبد القادر الصنيعي"اسم مستعار"، لمواطن يقطن بالحي الحسني لمدة تفوق عشرين سنة، "راه كاين غير القرقوبي والشفارة، وليل الحي الحسني يختلف كليا عن نهاره، ففي الليل يصعب على المرء أن يتجول بكل حرية". وهل سبق أن تقدمتم بشكايات إلى الجهات الأمنية؟ "تاواحد ما غادي يتسوق ليك، ولمن غادي نرسلو الشكايات ديالنا، حتا واحد ما غادي يلقا لينا الحل".
ويشكل الحي الحسني لوحده، في برشيد، مدينة مستقلة عن محيطها، إذ يوجد فيه كل ما يبحث عنه المرء، ويعد من أكبر الأحياء في برشيد، وخُصص لإعادة إيواء إسكان دورالصفيح كدوار الحاج عمر، والشيخ الصالح، والشنانية، والحيمر، والأشهب.
وحينما استقر سكان هذه الدواوير في هذا الحي، كانوا يعتقدون أنه سيشكل بالنسبة إليه تعويضا عن سنوات القهر والعذاب، التي قضوها في القصدير، لكن الشيء الوحيد الذي تغير، حسب رأيهم، هو أنه بدل المنازل القصديرية، التي كانوا يسكنون فيها، أصبحوا يقطنون في منازل بالأجور، ما عدا ذلك، فإن الخصاص الذي كانوا يعانونه في دواويرهم الصفيحية هو الواقع ذاته، الذي يتخبطون فيه حاليا.
ويؤكد، مصطفى الهواري، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في برشيد، أن السلطات المنتخبة في برشيد تنكرت لسكان هذا الحي، الذي يعتبر قاعدة انتخابية كبيرة، إذ أن معدل المشاركة في الانتخابات تسجل في هذا الحي، إلا أن ذلك لا يشفع لهؤلاء السكان، وقال في هذا السياق "أكبر نسبة البطالة في مدينة برشيد تسجل في الحي الحسني، علما أن المدينة تتوفر على منطقة صناعية تعد من أكبر من المناطق الصناعية في المغرب، وما يحز في النفس، هو الفوضى العارمة التي يشهدها هذا الحي على مستوى الترخيص للمحلات التجارية.
وبالنسبة لمحمد أبو الفداء، رئيس جمعية الدفاع عن حقوق المستهلكين، فإن أكبر الشكايات التي تتوصل بها الجمعية مصدرها من الحي الحسني، وهذا دليل على المشاكل الكثيرة التي يغرق فيها هذا الحي بالمقارنة مع باقي الأحياء الأخرى، وأوضح محمد أبو الفداء في حديثه لـ "المغربيية" أن هناك 70 في المائة من العائلات في هذا الحي لا تستفيد من الماء الصالح للشرب، بدعوى أنهم بنوا منازلهم بشكل عشوائي، وتابع رئيس جمعية الدفاع عن حقوق المستهلكين قائلا: "إننا نطالب الإدارة العامة للأمن الوطني في تعزيز الأمن بموارد بشرية جديدة، وذلك للقضاء على الجريمة التي لا يعرفها الحي الحسني وحده، ولكن في برشيد عموما".
ومن الملفات العالقة في الحي الحسني، حسب إفادات بعض سكانه، القضية المتعلقة بالانقطاعات المتتالية للكهرباء، إضافة إلى ضعف صبيب المياه، وكانت هذه القضية موضوع شكاية بعث بها فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، برشيد، إلى عامل المدينة، وهو ما يؤكده، حسب مصطفى الهواري، رئيس الفرع، صعوبة هذا المشكل، لكن هناك من أكد لـ "المغربية" أن القضية ليست بالصورة التي يحاول البعض ترويجها، وأن كل ما في الأمر أن بعد الفيضانات، التي شهدتها برشيد تغير لون الماء، لكن دون أن يؤثر ذلك على جودته.
قبل سنتين، كان حلم العديد من فعاليات مدينة برشيد يتعلق باستقلال المدينة ترابيا على إقليم سطات، وإحداث عمالة بالمدينة، وتمكنت الأخيرة من تحقيق هذا الحلم، عبر تعيين العامل السابق لعمالة مقاطعات ابن امسيك، محمد فنيد، على رأس عمالة برشيد.
المدة التي قضاها محمد فنيد في برشيد، كانت كافية لفتح ملف مدى استفادة برشيد من إحداث عمالة، ولمعرفة الجواب على هذا السؤال استفسرت "المغربية" العديد من الجمعويين المهتمين بالشأن المحلي، بعاصمة ولاد احريز.
ويؤكد خالد الدرقاوي، رئيس جمعية الكرامة، أنه لحد الساعة لم تظهر بوادر التغيير في المدينة، وقال في هذا السياق "بعد الإعلان عن إحداث العمالة راودتنا أحلام كثيرة، بتغيير الواقع المزري الذي تعانيه هذه المدينة، لكن لم يتحقق ذلك، فمازالت الفوضى في قطاع التعمير، هي سيدة الموقف، إضافة إلى الانتشار المهول لظاهرة الباعة المتجولين، وأضاف" شخصيا ما يحز في نفسي هو أنه رغم الكثير من الشكايات، التي بعثنا بها، لم نتوصل لحد الآن بأي رد، وهذا ما يظهر ضعف التواصل.
بالمقابل هناك من له رأي آخر، ويعتبر أنه لا يمكن بأي حال الحكم على العامل الجديد من خلال المدة القليلة التي يوجد فيها على رأس العمالة، لأن ذلك لا يوجد حتى في أعرق الديمقراطيات، وأضاف أصحاب هذا الرأي قائلين، "لا يمكن الحكم على العامل الجديد في هذه الفترة، ويمكن القول إنه رجل يؤمن بالحوار، وعقدنا معه عدد من الاجتماعات، وهو رجل يريد أن يغير من صورة هذه المدينة، ويحاول معرفة المشاكل الكثيرة التي تعانيها، وله استعداد للتعاون مع كل الغيورين على برشيد، وفي الحقيقة لحد الساعة ما شفنا فيه غير الخير".
وإذا كان هناك اختلاف في برشيد هذه الأيام حول مدى استفادة المدينة من إحداث العمالة، فهناك شبه اتفاق على ضرورة الإسراع في مد العمالة بكل وسائل العمل الضرورية، بما فيها الأجهزة المساعدة، لأن أي عامل لا يستطيع وحده أن يحقق أي شيء، دون أن يكون له فريق عمل وأجهزة مساعدة.
ومن بين القضايا التي تطالب جمعيات برشيد العامل الجديد للمدينة الانكباب عليها، الملفات المرتبطة بالتعمير والتلوث والتفكير في خلق مناصب شغل جديدة بالنسبة إلى شباب برشيد.
كانت قضية المساحات الخضراء موضوع مجموعة من الشكايات، التي أكدت في مجملها أن الاستغناء عن بعض المساحات الخضراء يطرح أكثر من علامة استفهام حول التوجهات والاختيارات المتبعة في إنجاز مشاريع تأهيل مدينة برشيد، والتي تطغى عليها، حسب أصحاب هذا الرأي، روح الارتجالية وغياب الحس الجمالي، مؤكدين أن العديد من المناطق الخضراء حذفت بجرة قلم من تصاميم التجزيئات والتعاونيات، وهذا يرجع إلى الفوضى العارمة التي يشهدها قطاع البناء في المدينة، ما يشكل فضيحة كبرى تتطلب فتح تحقيق نزيه حول الطريقة المعتمدة في الترخيص لهذه المشاريع".
وفي هذا الصدد طالبت بعض الجمعيات، ومن بينها جمعية الدفاع عن حقوق المستهلك، بوقف عملية تقزيم المساحات الخضراء، لأن المدينة تعاني الاختناق الناتج عن وجود منطقة صناعية في المدينة، وإحداث مناطق جديدة للتشجير داخل محيط المدينة، وفتح تحقيق بخصوص ما يصفونه بالخروقات المسجلة في مخالفة التصاميم ووثائق التعمير.
وأضافت هذه المصادر أنه إذا كانت المدينة عرفت في السنوات الأخيرة طفرة في مجال التعمير، فإن ذلك جاء على حساب المساحات الخضراء، وقالوا "لا يعقل أن تتحول برشيد إلى مدينة إسمنتية، كما هو الحال بالنسبة إلى الدار البيضاء، فقد كان حريا بالسلطات أن تجعل من هذه المدينة متنفسا للمدن الكبرى التي تحيط بها كسطات والدار البيضاء، إلا أنها فضلت أن تجعلها نموذجا صغيرا لهذه المدن، فلا يجب أن يكون الاهتمام منصبا بشكل كبير على توسيع المجال العمراني، دون التفكير في إحداث مساحات خضراء تساهم في تنقية البيئة، سيما أن المدينة تتوفر على أكبر المركبات الصناعية في المغرب".
تتوفر برشيد على منطقة صناعية مجهزة على مساحة 35 هكتارا، ما أهلها إلى استقطاب حوالي 111 وحدة صناعية وطنية وأجنبية، في فترة لا تتعدى ثلاثين سنة، في المجالين الصناعي والعقاري، وأصبحت المنطقة تعتبر من أشهر المناطق الصناعية على الصعيد الوطني.
وكان الاعتقاد السائد في برشيد هو أنه حينما قدمت الوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية منحة لفائدة المكتب الوطني بقيمة 362 مليون سنتيم، لتمويل تحليل استثماري أولي، يتعلق ببناء منظومة صناعية لمعالجة المياه المستعملة في المدينة، أن ذلك مؤشر على نهاية مسلسل المعاناة من الروائح الكريهة التي تنبعث من المواد الصناعية، التي تساهم في انتشار عدد من الأمراض، من قبيل السل وحساسية العينين والجلد، إلا أن ذلك لم يحدث، فالمواد السامة التي تفرزها الوحدات الصناعية تشكل خطرا كبيرا على الفرشة المائية من جهة، وعلى صحة الإنسان من جهة أخرى، وسبق لعدة جمعيات أن وجهت شكايات بالجملة إلى الجهات المعنية قصد التدخل، لكن لم يحدث أي شيء.
وسبق أن أكد عدد من المهتمين بالوضع البيئي بالمدينة، أن ملف التلوث لم يعد يتحمل أي تأخير، على اعتبار أن سكان برشيد ضاقوا ذرعا من وجود عدد من المؤسسات الصناعية التي لا تحترم الحد الأدنى من معايير المتفق عليها، لاحترام جودة الهواء والحفاظ على البيئة، معتبرين أن برشيد تحولت إلى قنبلة بيئية موقوتة.