الدكتور علي شعباني: المجتمع المغربي لم يكتسب بعد ثقافة التقاعد

الضاما.. سلاح المتقاعدين ضد الفراغ

الجمعة 16 أبريل 2010 - 11:50
متقاعدون يمارسون لعبة الضاما في الشارع العام (كرتوش)

يرتبطون ببعضهم البعض في مجموعات، ويحرصون على الالتقاء، يوميا، بأماكن وزوايا، صارت متعلقة بهم وبوضعهم، أشخاص تقدمت أعمارهم، وتقاربت لتخلق بينهم لحمة اجتماعية. يقول الحاج عبد الرحمان (67 سنة)، موظف متقاعد، بنوع من التفاؤل "الإنسان في سننا يرتبط بالأشخاص في

بدرالدين عتيقي

الساعة تشير إلى التاسعة صباحا، يخرج الحاج عبد الرحمان من منزله بحي "إفريقيا"، بالدارالبيضاء، متأبطا كرسيه البلاستيكي الصغير، في اتجاه فضاء مركز البريد، ليس لتحصيل معاش التقاعد، فالشهر لا زال في بدايته.

يستعجل الخطى بنوع من الحماس، كأنه يمضي باتجاه عمله، كما كان يفعل منذ سنين خلت، يتوقف بالقرب من مركز البريد، ويستظل بجداره، يضع كرسيه البلاستيكي ويجلس في هدوء، لا ينفك أن يستمتع بهذه الخلوة الصباحية حتى يتلقى تحية من بعيد، لينضم إليه أحد رفاقه، وتتوافد بقية المجموعة إلى المكان. يقول إبراهيم (70 سنة)، عامل متقاعد، بود شديد، "لا يمكن أن يمر اليوم دون أن نجتمع...".

سير تضيم

تتبادل المجموعة أخبارها، البعض يحكي عن جديده، والبعض الآخر يفضل الانخراط في أحاديث أخرى، سياسة وفن ورياضة واقتصاد، كل المواضيع مطروحة للنقاش، والكل يعبر عن وجهة نظره الخاصة، أحيانا بالصراخ والتعصب، وأحيان أخرى تتجاوز ذلك إلى الضحك والسخرية. يقول الحاج ميلود (66 سنة)، متقاعد "نختلف فيما بيننا في ما ننقاشه، لكن لا يخرج ذلك عن إطار الحوار والعلاقة الودية المتينة، التي باتت تجمعنا".

يستبد الحديث بالمجموعة، ليقاطعهم الحاج عبد الرحمان، أو بالأحرى ليذكرهم بموعد اللعبة بسرعة، يخرج أحدهم لوحة خشبية مخططة بمربعات صغيرة، تشبه في شكلها طاولة الشطرنج، لكن لا تلعب بقطع الشاه أو الوزير، وإنما بأغطية قناني المياه الغازية وأشياء أخرى، إنها لعبة "الضاما" الشعبية، التي ارتبطت بفئة المتقاعدين، وصارت لصيقة بهم. قواعدها بسيطة، تعتمد بالأساس على سرعة التحرك، يقول الحاج ميلود والحماسة تنضح من وجهه "هذه اللعبة تكسر الجمود، الذي نعيشه وتجعلنا نعمل بعقولنا قليلا". تتعالى الأصوات وتتفاعل مع اللعبة، الحاج عبد الرحمان يتفنن في مشاكسة خصومه، لكن سرعان ما يخسر اللعبة، ويترك مكانه لزميله.

تستقطب اللعبة، بضجيجها، المارة قصد التفرج، لتتحول إلى شبه استعراض في الشارع. يقول (ح.م)، في الأربعينات من عمره، ضاحكا "يتمتع هؤلاء المتقاعدون بطاقة كبيرة، ويظهر عليهم النشاط خلال ممارسة لعبة الضاما"، تستمر المشاكسة والمنافسة، حتى يعلن آذان الظهر نهايتها، لينسحب الحاج عبد الرحمان، ببطء من المجموعة، ويتوجه، مباشرة، صوب المسجد للصلاة.

عقدة التقاعد

تؤكد الأرقام والمعدلات الإحصائية، التي تدلي بها، المندوبية السامية للتخطيط، أن هناك ارتفاع دائم ومستمر في معدلات الشيخوخة، وبالتالي، أعدادا متزايدة من المتقاعدين سنويا، خاصة، أن هذا العدد شهد أيضا طفرة كبيرة مع تطبيق نظام المغادرة الطوعية خلال السنوات الأخيرة.

عقدة التقاعد، باتت هاجس الموظف والدولة والمجتمع. ماذا سيفعل هذا الموظف أو العامل بعد التقاعد؟، الجواب عن هذا السؤال صار مطلبا مجتمعيا خصوصا مع اتساع قاعدة هذه الفئة داخل المجتمع.

في أوروبا، مثلا، تبلور الوعي العام على تدبير التقاعد عبر خلق، ما يسمى بـ"ثقافة التقاعد"، التي ترتكز على فكرة أن التقاعد من الوظيفة ليس بالضرورة تقاعدا عن الحياة، وإنما هو منطلق لمشوار عمل آخر، يحترم خصوصيات السن والخبرة، التي جمعها الشخص عبر مراحل حياته المختلفة.

من هنا، وجب التخلص من تلك النظرة السلبية للمتقاعد في مجتمعنا، والتي تكرس قيم الدونية، وغياب النفع والإفادة عن الإنسان المتقاعد، يقول الحاج ميلود المتقاعد، بحسرة، "ليس هناك أدنى اعتراف بالمتقاعد حتى داخل أسرته". هذا التصريح له ما يؤكده في التحليل، الذي أدلى به الدكتور علي شعباني، الباحث في علم الاجتماع لـ "المغربية"، بخصوص الظاهرة، جاء فيه "المجتمع المغربي لم يكتسب بعد ثقافة التقاعد بخلاف ما عليه الوضع في أوروبا، حيث يعمل المرء،هناك، على تخطيط وتأمين حياة ما بعد التقاعد، بالإضافة، إلى اختلاف نظرتهم لمفهوم التقاعد وشخصية المتقاعد عن مفهومنا ونظرتنا إليه ، فهم يرون الظاهرة من زاويتها الايجابية، أما في مجتمعنا فقد ترسخت صورة أخرى سلبية ودونية عن التقاعد والمتقاعد".

تنتهي شعائر الصلاة، ويهم كل أفراد المجموعة إلى بيوتهم، للراحة والاستعداد لاستئناف أطوار اللعبة، خلال المساء، بالمقهى الواقع على رأس شارع "إفريقيا". يعود الحاج عبد الرحمان متأبطا كرسيه البلاستيكي صوب منزله متثاقلا، كأنه يمضي عائدا من عمله، كما كان يفعل منذ سنين خلت.




تابعونا على فيسبوك