أسرته الفقيرة مهددة بالعيش في الشارع

تفاصيل حياة غير عادية لرجل أمن متفاعد

الجمعة 09 أبريل 2010 - 10:46

ببنية نحيفة وملامح مرهقة تمرر مليكة بناني يديها على وجهها، محاولة تجفيف دموعها التي انهمرت رغما عنها من فرط ما تقاسيه، زوج طريح الفراش، وحكم إفراغ يهدد أسرتها المعوزة..

وبنات تجاوزن الأربعين سنة في وضع صحي ونفسي حرج، وابن في الخمسينات من عمره دون عمل أو زواج، جملة من المشاكل تتخبط فيها مليكة السبعينية وحدها، بعدما أيقنت أنها مجبرة على ذلك في غياب المعيل، ولو كانت بناتها متزوجات ومستقلات ماديا لرحلت بعيدا دون رجعة، لكن لا تملك بدا غير الصبر والجلد، تقول مليكة بنبرة حزينة.

تقلب لمياء مراد ابنة مليكة، كيسا مملوءا بأنواع مختلفة من الأدوية، قالت إن من دونها لا تستطيع صرف الوقت على نحو عاد، فوضعها الصحي المتدهور يدعوها إلى تناولها بانتظام، مقابل التردد على مستشفى 20 غشت بين الفينة والأخرى، قصد متابعة تطور مرضها بالأنيميا والوهن، الذي تشعر به في كثير من الأحيان.

بزنقة سقراط بحي المعاريف، قرب المركب الرياضي محمد الخامس في الدار البيضاء، حيث العمارتان (ب ود) اللتان يقطنانها رجال الأمن المتقاعدون، تقيم أسرة مراد مصطفى (74 سنة)، رجل أمن متقاعد وزوج مليكة بناني التي ما فتئت تؤكد أن صحة مصطفى تبعث بالرثاء، لينضاف إليه مشكل حكم إفراغ عمق مأساته.

وسط بيت متواضع، بحاجيات منزلية بسيطة، تجلس أسرة مصطفى (الأم رفقة ابن وثلاث بنات)، في ارتياب وحيرة، جراء حكم إفراغ يهدد وجودها بالبيت، وخشية إلقاء أغراضها خارجا بالقوة، ارتأت مليكة وبناتها جمع أغراضها في أكياس وعلب كرطونية، تحسبا لأي مباغثة من السلطات تقودها إلى المكوث في الشارع.

التيه في المعاناة

كلما مر يوم دون أن يطرق غريب باب بيت مصطفى إلا وتنفس أفراد الأسرة الصعداء، فرحا بأن منزلهم ما يزال تحت تصرفهم فهاجس الطرد يؤرق بنات مليكة اللواتي يتعايشن مع الحياة على مضض، لمياء 38 سنة، الابنة التي تحاول رغم مرضها أن تساند أسرتها في محنتها، وإيمان 50 سنة، تعيش إكراهات نفسية، دفعتها إلى الانطواء والاعتزال عن الناس، ومريم 46 سنة، تعاني نفسيا وجسديا إلى حد تنام فيه لساعات طويلة في اليوم، وفي حالة استيقاظها قد تتصرف بعصبية كأن تضرب نفسها بأداة ما، أو تلقي بجسدها على الأرض أو تصطدم بالجدران، أما الابن الذي يبلغ من العمر51 سنة فهو مكره على العيش في منأى عن العمل والزواج، بعدما ضاعت فرصه في العثور على عمل قار، يحفزه على نهج حياة أخرى غير التي قالت أمه عنها "إنها مريرة وشاقة".

وبين مشاكل البنات والابن والزوج العاجز، تتجند مليكة، رغم تقدمها في السن وتراجع عافيتها، لإشعار أسرتها أن في وضعها الصعب، أملا وفرصا أخرى يمكن أن تبدد القليل من مآسيها، غير أن دموعها المنهمرة لحظة الحديث إليها، تفضحها وتكشف أن إمكانيات هذه المرأة محدودة وأن ما عانته لم يعد ممكنا تحمله، وما صبرها إلا وسيلة أخيرة تستعين بها للتصدي لمشاكل، أبناؤها عاجزون عن الخلاص منها.

بلهجة مستسلمة، تذكر مليكة أن زوجها حين كان يشتغل في الأمن، كان متفانيا في أداء واجبه الوطني، إنما أغفل أن الزمان سيلعب لعبته، ليجد أن أبناءه اليوم عرضة للتشرد والضياع، بسبب حكم إفراغ ألغى كل الاعتبارات والظروف، إذ لم تنفع خدماته لسنوات طويلة، إزاء الوطن ولا إقامته في منزله مدة 50 سنة، مستطردة قولها وهي ترتعد تأثرا باستحضار معاناتها، إن عجز زوجها الصحي (لا يقوى على التحرك ويتناول الأكل باعتماد وسائل طبية من خلال بطنه)، يضاعف مشاكلها، إذ أجرة تقاعده لا تكفي لسد مصاريف علاجه، بعدما مكث تسعة أشهر في إحدى العيادات استنفذ معها حقه في التغطية الصحية، ليضطر للانتقال إلى بيته والاكتفاء برعاية أبنائه.

فوق الاحتمال

مليكة، الزوجة التي تجاهد من أجل أسرتها، تحكي بحرقة أنه بقدرة قادر ما تزال على قيد الحياة، فما تتكبده يوميا فاق طاقتها الصحية والنفسية، ومع ذلك تصر على توفير السكينة في بيتها، وإن كلفها ذلك التغاضي عن احتياجاتها لصالح بناتها، ما أوضحته بالقول:" كنقول للطبيب يوصف لي دوا واحد نقدر نوقف به أو نتحرك، باش يشيط لي شوية الفلوس أو نعالج بهم بناتي المراض".

حينما يحل الليل وتنام بناتها، تغمض مليكة جفونها لسويعات قليلة ليس إلا، قصد الاطمئنان عليهن، خاصة مريم التي تعتريها نوبات عصبية يمكن معها أن تتصرف على نحو طائش ومتهور في غفلة منها.

وبينما تفضي مليكة عما تسره من معاناة، تنتفض ابنتها لمياء بتلقائية على نحو يعكس أن حلم الأسرة يختزل في أمر واحد هو"إبقاؤها في المنزل حيث هي، أو تعويضها عنه بما يحول دون تشريد أفرادها".

"17 من بين 47 أسرة استفادت من السكن بعد حكم الإفراغ الذي شمل جميع رجال الأمن المتقاعدين بحي سقراط، وأسرة مصطفى مراد واحدة من الأسر التي أقصيت من هذا التعويض، بدعوى أن من له أملاك، لا بأس من مغادرته مسكنه دون أي استفادة"، تفيد مليكة التي تشدد التأكيد أن زوجها المريض لا يملك غير الألم والحسرة، بعدما ضاعت صحته وعافيته، واليوم يتملكه خوف كبير من ضياع مسكن حسبه سيكون ملاذه بعد إنهاء مهمته الوطنية".




تابعونا على فيسبوك