المغربيةزارت قسم الولادة بمستشفى محمد الخامس بآسفي

مقبرة النساء الحوامل

الثلاثاء 06 أبريل 2010 - 10:12
(خاص)

حالات مأساوية عاشها قسم الولادة بمستشفى محمد الخامس بآسفي، في الآونة الأخيرة، بسبب توالي وفيات النساء الحوامل أثناء الوضع وتعرض بعضهن لعاهات مستديمة.

"المغربية" زارت قسم الولادة بمستشفى محمد الخامس، فصادفت نساء يئن من كثرة الألم وأخريات يصرخن متوسلات بالممرضات، لكنهن لا يجدن سوى المعاملة القاسية أو الإهمال واللامبالاة من طرف بعض الممرضات.

حوامل يلطمن وجوههن من شدة المخاض وأخريات يتسرب منهن السائل السلوي (السكية)، والبعض الآخر يجبن القاعة أو الممر مشية وجيئة، وهن يتدورن ألما... أحمد الجعادي، رجل في الأربعينات من عمره، فقد زوجته بقسم الولادة، لكنه لم يمل أو يكل، بل هو من فجر قضية توالي وفيات الحوامل بهذا المستشفى، إذ قدم شكاية إلى الوكيل العام للملك يطالب من خلالها بفتح تحقيق في وفاة زوجته.

يدان ترتعشان، وساقان فقدا توازنهما، وعيون غمرت بدموع تنهمر مثل سيل مياه عذبة... جسم نحيف ووجه شاحب حفرته عوامل تعرية القساوة والألم والمعاناة، هكذا بدت ملامح عزيزة حسني وهي امرأة في الأربعينيات من عمرها، شاءت الأقدار أن تكون بين أياد غير رحيمة لتعبث بجسدها وأعضائها.

عزيزة أصبحت بعد عملية جراحية أجريت لها بقسم الولادة بمستشفى محمد الخامس لإزالة "فيبروم" عاجزة عن وقف تسرب البول، لكن الطامة الكبرى أنها علمت في ما بعد أن الطبيبة التي أشرفت على العملية استئصلت الرحم دون أخذ إذنها، أو إذن الزوج.

بجمرد علم عزيزة بما ألم بها، زارت الطبيب المشرف وطلبت منه تسليمها شهادة طبية تثبت مدة العجز من أجل الاستفادة من تعويضات صندوق الضمان الاجتماعي على اعتبار أنها كانت تشتغل مياومة بمصنع لتصبير السمك بالمدينة.

لم تقف مأساة عزيزة عند هذا الحد بل هجرها زوجها، الذي تسلم ثمن رهن المنزل، وتوارى عن الأنظار بعد أن ودعها بكلمة "أحسن ليك كون غير متي وهنيتي الوقت".

تجر عزيزة وراءها خيبة الأمل وتزور المستشفى باستمرار، علها تحصل على شهادة طبية تثبت مدة العجز، لكن أملها الآن في المركز المغربي لحقوق الإنسان الذي يؤازرها مرددة : "دعيتهم لله ولكن غاذي ناخذ حقي في الدنيا".

الهروب من الموت

"غير خلوني نرجع فحالي واش باغيني نموت" و "راه باغى نولد في الدار" و"بغى نعيش لوليداتي"، عبارات حزينة رددتها زينب حامل في المخاض بالقرب من قسم الولادة بمستشفى محمد الخامس بآسفي، مساء أول أمس الثلاثاء، زينب لم تحب ولوج القسم المذكور، لأنها تفضل الولادة التقليدية (لدى القابلة)، لكن الخوف من شبح الموت هو الذي دفعها إلى التراجع عن الولادة بالمستشفى.

تقول زينب لـ "المغربية"، إنها سمعت عن توالي وفيات الحوامل بقسم الولادة في الآونة الأخيرة وتملكها الخوف، خاصة بعد أن توفيت إحدى قريباتها، أخيرا، وتركت أربعة أطفال دون سن العاشرة.

رغم توسل الزوج وإلحاحه على زينب بأن تدخل المستشفى بعد أن وصلت مرحلة المخاض، إلا أنها رفضت وخرجت مهرولة اتجاه سيارة الأجرة، ساعتها لم يجد الزوج بدا سوى احترام رغبتها، ونقلها إلى مكان سكنهما بالشماعية، كي تلد لدى المولدة التقليدية "القابلة".

زينب واحدة من النساء الحوامل، اللواتي تسرب إليهن الخوف، بعد سماعهن توالي تسجيلات حالات الوفيات في صفوف الحوامل بقسم الولادة، فأغلبهم لا يدخلن هذا القسم إلا بعد أداء الشهادة وهن على يقين أن مصيرهن سيكون المقبرة.

زارت "المغربية" قسم الولادة بمستشفى محمد الخامس، فصادفت نساء يصرخن من شدة الألم وأخريات يصرخن متوسلات بالممرضات، لكنهن لا يجدن سوى المعاملة القاسية أو الإهمال واللامبالاة من طرف بعض الممرضات.

حوامل يلطمن وجوههن من شدة المخاض وأخريات يتسرب منهن السائل السلوي (السكية)، والبعض الآخر يجبن القاعة أو الممر مشية وجيئة، وهن يتدورن ألما.

أزواج يضربون أخماسا في أسداس ويرددون "لولا اليد قصيرة لأخذت زوجتي إلى مصحة خاصة"، فهم فقدوا الصبر من كثرة الانتظار ومن المعاملة القاسية لبعض الممرضات والمشرفين بقسم الولادة، إذ أكد عبدالرحيم لطفي، الذي كان يضع أمامه حقائب وهو ينتظر خروج زوجته من قسم الولادة بعد أن فقدت مولودها يوم الاثنين الماضي.

يقول عبد الرحيم "لا أصدق أن يموت الرضيع، لقد كانت زوجتي كانت في وضعية صحية جديدة"، مؤكدا أن زوجته دخلت المستشفى يوم السبت الماضي، قصد الوضع، لكنه يتفاجأ يوم الاثنين بأن المولد تخبره أن الرضيع كان متوفيا في بطن زوجته.

والغريب في الأمر يقول الزوج "بما أن المولود كان ميتا، منذ السبت الماضي، لما لم تخبره المولودة بالأمر"، لكن الزوج المكلوم أرجع السبب إلى الإهمال واللامبالاة من طرف بعض الساهرين على توليد النساء.

أم بلباس رجل

بعد زيارة مستشفى محمد الخامس، انتقلت "المغربية" إلى بعض منازل ضحايا الإهمال والأخطاء الطبية بقسم الولادة بالمستشفى المذكور، فكانت عائلة أيوب التطواني، التي تقطن بالمدينة القديمة بآسفي، التي توفيت زوجته نتيجة خطأ طبي تسبب في عاهة مستديمة، إذ حسب الزوج فإن الطاقم المشرف على الولادة أصابه بجروح في المعي الغليظ.

وأضاف الرجل أن الحالة المرضية لزوجته تطلب مبالغ مالية كبيرة، لكن لكونه يعمل مياوما لم يستطع توفير تلك المبالغ، لولا مساعدات بعض الجمعيات والمحسنين.

وبعينين دامعتين، قال التطواني "مراتي بقات كتهزل حتى ماتت في السبيطار وخلات وراها تسعة النفوس".

رغم مرور سنة على وفاة زوجة التطواني إلا أنه مازال يعيش معاناة حقيقية مع أبنائه التسعة، خاصة الصغار منهم، الذين لم يصدقوا خبر الوفاة، ولإحساس أطفاله الصغار أن والدتهم توفيت توجه بهم إلى المقبرة ودلهم على قبرها، لكنه فوجئ بهم ينهشون ويحفرون القبر مرددين "عبارة "علاش أبا درتي أمنا في التراب ياله جبذها لينا"، ساعتها لم يجد الأب المكلوم بدا سوى حمل أبنائه على كتفيه وغادر المقبرة.

منذ وفاة الزوجة بات التطواني يلعب دور الأم كل ليلة، إذ يرتدي لباسها ويضع منديلا على رأسه ويقلد صوتها ولا يزيل الملابس إلا بعد أن يتأكد أن فلذات كبده ناموا نوما عميقا، إضافة إلى ذلك يقوم الأب بالسهر على راحة أبنائه بإعداد وجبات الطعام وكنس المنزل وغسل الأطباق.

رأي المسؤولين

للمزيد من التوضيحات التقت "المغربية" عبد الحكيم مستعيد، نائب المدير الجهوي بمستشفى محمد الخامس، الذي أكد أنه بناء على شكاية زوجة الجعايدي اتخذت الإجراءات المناسبة، إذ تكونت لجنتين للتقصي في موضوع الوفاة، الأولى تابعة لإدارة المستشفى والثانية تابعة لمندوبية وزارة الصحة، بعدها، يضيف حلت لجنة تقصي الحقائق عن الوزارة الوصية.

وأفاد مستعيد أنه لا يمكنه الإدلاء بأي شيء في ما يتعلق بالوفاة، إلا بعد انتهاء لجنة تقصي الحقائق، التي ستصدر قريبا تقريرا في الموضوع، والذي بناء عليه ستتخذ الإجراءات المناسبة.

وأكد مستعيد أن مستشفى محمد الخامس يعرف ضغطا، حيث يتوافد عليها مرضى من مختلف القرى التابعة لإقليم آسفي، إضافة إلى استقبال مرضى من مدينتي الصويرة والجديدة، مشيرا إلى أن رقم الولادات التي تتم داخل المؤسسات الاستشفائية بإقليم آسفي هو رقم محترم على الصعيد الوطني.

وأوضح مستعيد أن عدد الولادات التي جرت داخل المؤسسات الصحية بلغت حوالي 15 ألفا و 386 ولادة، خلال سنة 2009، ذلك أن 8697 سجلت بمستشفى محمد الخامس، بينما أجريت 971 ولادة بالمستشفى المحلي باليوسفية و5718 تمت داخل دور الولادة بالعالم القروي.

من جهة أخرى، قال نائب المدير الجهوي إن مستشفى محمد الخامس يحقق مردودية على مستوى العلاجات وعدد الولادات رغم الخصاص في الموارد البشرية، إذ يتوفر المستشفى على حوالي 67 طبيبا و460 من العاملين بما فيهم الممرضين والأعوان والموظفين، بينما يبلغ عدد الأسرة 446 سريرا.

وأكد مستعيد أنه داخل المستشفى يجري تتبع حالات النساء الحوامل أثناء الوضع وما بعده، وذلك بناء على تعليمات وزارة الصحة التي تعتبر واضحة في هذا المجال، موضحا ن مخطط وزارة الصحة ينص على أن كل حالة تخضع للفحص والإطلاع على مسار المرأة الحامل من البداية إلى غاية الساعة التي تضع فيها مولودها.

من جانب آخر، أكد عضو بنقابة أطباء القطاع الحر، أنه سبق لهم أن راسلوا مندوب وزارة الصحة بآسفي والهيئة الجهوية للأطباء بمراكش، والهيئة الوطنية للأطباء في مشكل توالي الوفيات في قسم الولادة، إذ أرجع السبب إلى اشتغال أطباء القطاع العام بالمصحات، وقضاء عدة ساعات بها، أي من الثامنة صباحا إلى التاسعة ليلا.

وأضاف العضو ذاته أن النقابة تتوفر على وثائق بعثت على يد عون تثبت أن الأطباء يزاولون مهامهم في المصحات، خاصة العاملين بقسم الولادة وأمراض النساء والطب الباطني وقسم أمراض الغدد وداء السكري.
وأكد العضو أن حالة امرأة عمرها 19 سنة تتحدر من سبت كزولة كشف عنها، الخميس المنصرم، ليكتشف أنها تعرضت لعملية استئصال الرحم دون إخبارها، وأنه حين أخبرها بالموضوع لم تصدق ورددت "هل سأحرم من الولادة طوال حياتي"، فأجابها الطبيب بـ "نعم"، ساعتها يقول عانقت زوجها، الذي يبلغ من العمر أيضا 19 سنة، وأخذت تبكي.

أما الحالة الثانية التي وصفها الطبيب بالمؤلمة هي حالة السيدة الحامل، التي فقدت زوجها في حادثة سير، ودخلت لتضع مولودها، وهي ترتدي الحداد (الأبيض)، لكنها حرجت من المستشفى، وهي ترتدي الكفن الأبيض.

على إثر التقريـر ، الذي أعـده المركــز المغربي لحقــوق الإنسـان – فرع أسفي، ورفعه إلى وزيرة الصحة حول الوضع الصحــي، الذي وصفه بالكارثي بمستشفــى محمد الخامس، الذي أصبــح الولوج إليـه محفوفــا بالمخاطر، نظرا للتراجع الخطير للخدمـات الصحية والاستهتار بأرواح المواطنين، وابتزازهم ، والهجوم الصارخ على حق من حقوق الإنسان، وهو الحق في التطبيب والحياة والسلامــة البدنية، حلت بمستشفى محمد الخامس بأسفي لجنـة تفتيش موفدة من وزارة الصحـة العمومية يوم الخميس 23 مارس الماضي في زيارة للبحث والتقصي، وجرى استدعاء مكتب المركز المغربي لحقوق الإنسان، فرع أسفي من طرف هده اللجنة، إذ جرى عقد حوار على أرضية تقرير المركــز حول الوضع الصحي، وحول الخروقات التي رصدها الفرع بأقسام المستشفى .

الجعادي الذي فجر الملف

أحمد الجعادي، رجل في الأربعينيات من عمره، فقد زوجته بقسم الولادة بمستشفى محمد الخامس، لكنه لم يمل أو يكل، بل هو من فجر قضية توالي وفيات الحوامل بهذا القسم، إذ قدم شكاية إلى الوكيل العام للملك يطالب من خلالها بفتح تحقيق في وفاة زوجته أكد من خلاله أنها دخلت قسم الولادة، وهي في صحة جيدة، لتخرج منه، في اليوم الموالي، جثة هامدة، تاركة ستة أطفال، أكبرهم عمره 21 سنة، وأصغرهم هو الرضيع، الذي رأى النور يوم وفاتها.

يؤكد الجعادي أن زوجته "توفيت نتيجة إهمال من طرف الطبيبة المشرفة، والممرضات العاملات بقسم الولادة"، مشيرا إلى أنه "أجريت لها عمليتان جراحيتان في ظرف وجيز، وتركت تنزف لأكثر من 12 ساعة، دون تعويضها بكمية من الدم.

يقول الجعايدي الذي فقد زوجته، أخيرا، وهي تضع مولودها السادس بقسم الولادة بمستشفى محمد الخامس إن الضابطة القضائية فتحت تحقيقا في موضوع الوفاة بناء على شكاية تقدم بها إلى الوكيل العام للملك، مضيفا أنه لن يهدأ له بال وحتى تتخذ إجراءات في حق الطبيبة (ب) حتى لا تتكرر المأساة بقسم الولادة.

رغم أن الضابطة القضائية استمعت إلى الضحية والطبيبة المشرفة وبعض العاملين بقسم الولادة، وكذا زيارة لجنة تقصي الحقائق للمستشفى، من أجل التحقيق في موضوع الوفاة، فإن وقع الصدمة مازال واضحا على قسمات وجهه، التي لا تعرف الابتسامة طريقا إليها.

يتأبط الجعادي ملفا يضم وثائق الزوجة والشكايات، التي توجه بها إلى الوكيل العام للملك وللمركز المغربي لحقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه كلما علم بحالة وفاة امرأة حامل أو إصابة إحداهن بعاهة أو فقدان رضيعها ينتقل إلى محل سكناهم، ويطلب منهم فضح الخروقات التي يعرفها قسم الولادة، من أجل الحصول على حقوقهم.

بمجرد ما فقد الجعادي زوجته وجد نفسه في متاهة كبرى، ويتساءل كيف له أن يتكفل بتربية خمسة أبناء، إضافة إلى الرضيع، إذ اضطر إلى تسليم هذا الأخير إلى إحدى العائلات للتكفل به مقابل دفع مبلغ 50 درهما في اليوم.

ويختم الجعادي حديثه "البلد تتوفر على قانون يحمي الضعفاء، وفجرت الملف حتى لا تتكرر المأساة".

فاطمة أصبحت معاقة بعد الوضع

لم تكن فاطمة دادا (28 سنة)، التي دخلت المستشفى في شهر يناير2010، من أجل وضع مولودها أن مصيرها سيكون الإعاقة، فبمجرد ما وضعت هذه المرأة مولودها شعرت بأنها لم تعد تقدر على حراك رجليها.

في البداية، لم تصدق الأمر، لكن بعدها بدأت تشعر بآلام في الظهر والعمود الفقري، لتكتشف أنها تعرضت لكسر في الحوض، وعند استفسارها، تعرضت لوابل من السب والشتم من طرف الطبية (ب).

أوضحت شقيقة فاطمة أن الطبيبة كانت تتلفظ بكلام لا يحترم آدمية المواطنين، إذ تقول كلما استفسرت الطبيبة عن حالة أختها الصحية تردد "خودو بنتكم راها غير كتبوحط".

وأضافت الأخت أنها مازالت تتذكر الحالة التي كانت عليها فاطمة بعد الولادة، ترتعش من شدة البرد وظنت أنها تحتضر، لكن لم تجد مساعدة من طرف الطببية المذكورة.

تقول الشقيقة إن قسم الولادة يضم بعض المبتزين للمواطنين الذين يطلبون رشاوى من أجل الاهتمام بالحوامل، وأن أختها اضطرت لتسلم المُولدة مبلغ 150 درهما، وتضيف أن أخريات يطالبن بثمن يتراوح ما بين 150 و400 درهم.

قضت فاطمة مدة شهرين تتنقل بين المستشفى وعيادة الطبيب قصد العلاج، الذي أخبرها أنها في حالة ما تكونت "لحمة" في العمود الفقري ستظل طوال حياتها معاقة.

مازالت فاطمة لا تبرح سريرها، لأنها لا تستطيع الوقوف على رجليها... وبعيون دامعة قالت "هاذشي كتاب علي" و "ودابا بغيت غير نوقف على رجلي".

++++++++++++++++
الصور (خاص)
1 قطط تتقاسم المرحاض والأسرة مع الحوامل
2 مدخل قسم الولادة
3 أيوب التطواني رفقة احد أبنائه التسعة
4 عزيزة غير قادرة على وقف التبول
5 الجعادي يتوسط أبنائه الستة
6 فاطمة التي أصبحت معاقة




تابعونا على فيسبوك