الفأر الغابوي ينهش المواطنين رغم الاحتياطات

الخميس 10 دجنبر 2009 - 09:43
الذبابة الرملية المسؤولة عن انتقال العدوى بداء الليشمانيا من الفأر الغابوي إلى الإنسان

تعتمد وزارة الصحة المغربية "البرنامج الوطني لمحاربة داء الليشمانيا" في المغرب، منذ سنوات السبعينيات، للحد من الداء ووقف انتشاره في عدد من مدن الجنوب الشرقي من المملكة،

مع ذلك ما تزال العدوى بالمرض تنتقل إلى عدد من المواطنين، فتظهر عليهم ندوبا ودمامل من مختلف الألوان والأحجام، بعضها يكون متعفنا، يشوه وجوههم وأطرافهم العليا أو السفلى.

ذكرت مصادر طبية مسؤولة لـ"المغربية" أن عدد الإصابات بداء "الليشمانيا" في إقليم الرشيدية، بلغ إلى حدود شهر أكتوبر الماضي من السنة الجارية، أزيد من 300 حالة، في مقابل تسجيل 569 إصابة، في الفترة نفسها من السنة الماضية، إلا أنها لم تذكر العدد النهائي للإصابات في مجموع المناطق المعنية بالمرض، لعدم تجمع المعطيات بعد، ولخصوصية المرض، الذي لا تظهر أعراضه إلا بعد مرور ما بين 3 و6 أشهر من الإصابة بالعدوى.

وتؤكد المصادر الطبية تراجع عدد الإصابات بالداء في المغرب، علما أنه في سنة 2006، كان عدد الإصابات بداء الليشمانيا، ألفان و164 حالة، تصل نسبة الإصابة وسط النساء إلى 57 في المائة، وتمس الفئة العمرية المتراوحة أعمارها ما بين 15 و49 سنة.

"الليشمانيا"

يعرف الأطباء الأخصائيون مرض "الليشمانيا" بأنه مرض جلدي طفيلي، ناتج عن طفيلي وحيد الخلية اسمه "الليشماني"، يصيب أساسا الحيوانات، إلا أن العدوى به تنتقل إلى الإنسان، بسبب الصعوبات التي تواجه الجماعات المحلية في محاربة انتشار الأوساخ والقاذورات، وعدم قدرة "مصلحة وقاية النباتات"، التابعة لوزارة الفلاحة، على مقاومة الفأر الغابوي، الذي يعتبر خزانا له، ومصالح أخرى مختصة في محاربة "ذبابة الرمل".

وتشبه الحشرة الناقلة للعدوى، انطلاقا من خزان المرض، سواء كان الفأر الغابوي أو الكلاب، إلى حد ما حشرة "شنيولة"، إلا أنها أصغر حجما منها، يتراوح طولها ما بين 2 إلى 5 ملمترات، وهي المسؤولة عن نقل المرض من الحيوانات المذكورة إلى الإنسان، ما يجعل المرض غير قابل للانتقال من إنسان إلى آخر.

وأكدت مصادر طبية مطلعة لـ"المغربية"، أنه من شأن تحمل جميع القطاعات المعنية بمحاربة مسببات الداء في المغرب، القضاء نهائيا على المرض، أو خفض فرص الإصابة به، من خلال محاربة الفأر الغابوي والكلاب الضالة والحشرات، والتغلب على جمع الأزبال والقاذورات.

تنتشر في المغرب ثلاثة أنواع من مرض "الليشمانيا"، الأول يسمى "الليشمانيا ماجور"، والثاني اسمه "الليشمانيا طروبيكا". وهذان النوعان جلديان، خزانهما هو الفأر الغابوي، لا تخترق العدوى بهما دم الإنسان وبالتالي لا يتسببان في إيذاء الأعضاء الحيوية لجسم الإنسان، كما لا يهددان حياة الإنسان.

أما النوع الثالث من مرض الليشمانيا، فخزانه الكلاب، يمس أحشاء الإنسان، فيضرب كبد وطحال المصاب، ما يؤدي إلى انتفاخهما، ما يؤدي إلى وفاة المريض، لأن العدوى به تخترق دم الإنسان فتضر بالأعضاء المذكورة أعلاه.

ينتشر النوع الأول من المرض في مناطق الجنوب الشرقي من المغرب، الواقعة ما بين جرادة إلى مناطق طاطا، وضمنها فكيك وبوعرفة وإقليم الرشيدية، حيث ظهرت أولى الإصابات سنة 1976، بينما ينتشر النوع الثاني في المناطق الجبلية، مثل أزيلال وشيشاوة وإمنتانوت، أما النوع الثالث فيظهر في المناطق الشمالية ومناطق الريف.

وظهر داء "الليشمانيا" بشكل وبائي في المغرب، في منطقة "كرامة"، سجلت أول حالة في مداشر "أنيس"، التابعة لقيادة "أنيس"، وتبين أن المرض يستوطن في المنطقة، وليس مرضا وبائيا، إذ يظهر، خلال فترات متباعدة، كلما انخفضت مناعة الإنسان، ما دفع بوزارة الصحة سنة 1977 إلى وضع "البرنامج الوطني لمحاربة الليشمانيا"، لوقف انتشار المرض.

وعاود المرض بالظهور في الشمال الشرقي لإقليم الرشيدية، ما بين سنة 2004 و2005، إذ سجلت إصابة 231 حالة، ومنها انتشر الوباء إلى "بوذنيب"، ثم إلى الريصاني والمناطق الحدودية، مع الجزائر. ووصل المرض، ما بين سنة 2006 و2007، داخل القصور التابعة لـ"كلميمة" في الرشيدية.

طرق انتقال الداء

تقل العدوى بداء "الليشمانيا" إلى الإنسان، بعد تعرضه للدغة (عضة) من"ذبابة الرمل"، التي تشبه حشرة "شنيولة"، التي تكون تحمل طفيليا وحيد الخلية اسمه "الليشماني"، بعد لدغها للفأر الغابوي. ويحدد توقيت نشاط الذبابة ما بين الساعة 6 و10 مساء.

يكشف عن الإصابة بالداء، بعد ظهور بتور صغيرة تشبه لدغة الحشرات، ودمامل تمس الأطراف العليا أو السفلى أو الوجه، غالبا ما تأخذ في التوسع تدريجيا، ويحدث قرحة جلدية، غالبا ما لا تكون مؤلمة.

من خصائص المرض، أن أعراضه لا تظهر إلا بعد مرور فترة تتراوح ما بين 3 و6 أشهر من التعرض للدغة الذبابة، وغالبا ما تكتشف الحالات ما بين شهر يوليوز وغشت من كل سنة.

وتوجد طريقتان لعلاج المصابين بداء "الليشمانيا"، الأولى بواسطة مراهم وعلاجات موضعية، تقدم للذين يحملون دمامل غير متعفنة في الأطراف، والثانية تجري بواسطة حقن طبية، إلا أن أولوية الاستفادة منها تمنح للذين يحملون دمامل وآثار على الوجه، بالنظر إلى أنها غير متوفرة في الصيدليات، وتستوردها وزارة الصحة مرة في السنة، وتقدمها بشكل مجاني للمصابين، في إطار تنفيذ برنامج مكافحة المرض.

ويكشف عن الإصابة بعد ظهور بتور صغيرة تشبه لدغة الحشرات، تمس الأطراف العليا أو السفلى أو الوجه، وقد تعرف توسعا تدريجيا، كما يمكن أن تحدث قرحة جلدية، غالبا ما تكون غير مؤلمة.

وذكر مسؤول طبي لـ"المغربية"، أن المصابين يخضعون لعلاجات لتجاوز مضاعفات المرض، وهي عبارة عن حقن طبية، تتضمن مواد مكافحة للآثار والعلامات التي تحدثها لدغات "ذبابة الرمل"، إذ تمنح الأولية للذين يحملون علامات في الوجه، أو الذين يحملون دمامل متعفنة، بينما تمنح مرهمات وعلاجات موضعية لمن يحملون دمامل في الأطراف العليا أو السفلى، وتبين خلوها من أي تعفن.

وأوضح أن ذلك يأتي في إطار "ترشيد استعمال الكميات المتوفرة من الحقن، استنادا إلى أنها غير متوفرة في الصيدليات، إذ تستوردها وزارة الصحة من الخارج، بعد طلب تتقدم به مرة واحدة في السنة إلى المختبرات المصنعة لها".أما المرضى الذين يحملون آثارا غير متعفنة في الأطراف العليا أو السفلى، فتقدم إليهم علاجات طبية موضعية، أو مراهم خاصة مجانا.

معيقات تطبيق البرنامج

أفادت مصادر متطابقة أن تطبيق "البرنامج الوطني لمحاربة الليشمانيا"، تشوبه مجموعة من الصعوبات، لأن القضاء على الوباء يدخل في اختصاص عدد من المصالح المعنية، أبرزها "مصلحة وقاية النباتات" التابعة لوزارة الفلاحة، والجماعات المحلية والمجتمع المدني، الموكول لها اتخاذ مختلف الإجراءات الوقائية لتفادي الإصابة بالداء، لتأتي مسؤولية وزارة الصحة في مرحلة بعدية، لتوفير التكفل العلاجي بالمصابين، وتنظيم حلقات التحسيس والتوعية بالداء وسبل تفاديه، ما يكشف عن صعوبة التنسيق بينها.

وأشارت المصادر إلى أن الأنشطة التي تنفذها "مصلحة وقاية النباتات" تجري، في بعض الأحيان، خارج التنسيق مع باقي المصالح، أو لأنها لا تنفذ في إطار من الاستمرارية، إلا أن مصادر أخرى كشفت أن هذه المصلحة بدورها تشكو عدم كفاية المواد المكافحة لـ"الفأر الغابوي"، وخصاصا في اليد العاملة المدربة والمؤهلة، ما يدفعها إلى تقديم مبيدات مكافحة الفئران إلى السلطة المحلية، التي بدورها تقدمها إلى "المقدمين"، ليتولوا أمر توزيعها على الفلاحين، الذين توكل إليهم مهمة محاربة الفئران، وهو ما لا يقدم ضمانات إيجابية بتوظيف المبيد في الغرض الموضوع له.

ومن المعيقات "غياب استراتيجية مضبوطة لمحاربة انتشار الأزبال والقاذورات، لتجنب انتشار "ذباب الرمل"، ناهيك عن توزيع مبيدات محاربة الفئران المنزلية".

وتحدثت المصادر ذاتها أن المغرب يفتقر إلى دراسة ميدانية وعلمية ترصد أسباب وجود "الفأر الغابوي" في المناطق، التي يفترض غيابه فيها، ناهيك عن غياب معلومات تطور الفئران في المنطقة، للتحكم في انتشارها، هذا إلى جانب غياب تقنيين مختصين في مراقبة تطور نمو أو توالد أو زحف الفئران إلى المنطقة، التي يفترض ألا يوجدون فيها.

و"يزحف" الفأر الغابوي إلى المداشر في الرشيدية، بعد فترة الحصاد، التي تتزامن مع شهر أبريل في المنطقة، حيث يسعى للتزود بالأكل، حينها يتصادم مع حشرة "ذبابة الرمل"، التي تعمد إلى عض الفأر، للتزود بالخلية الأحادية، من خلال مص الدم، ليضع بيضته للتوالد، عندها يتعرض الإنسان للدغة البعوضة، التي تحدث غالبا ما بين الساعة 6 و10 ليلا.

وتظل أعمال التحسيس والتوعية، حسب عدد من الأخصائيين، دون تطلعات الجميع، إذ يجب توسيع إدراجها في المناهج التعليمية، للرفع من جودة التحسيس بمخاطره وسبل الوقاية منه.
ولتجنب الإصابة بالداء، ينصح الأطباء بتفادي التعرض للسعات البعوض، والحرص على وضع أغطية عند النوم، وتفادي النوم في الهواء الطلق، مع وضع حواجز على النوافذ، مانعة لولوج الحشرات.




تابعونا على فيسبوك