يجنح في الغالب المواطنون المغلوبون على أمرهم أمام الضعف والعوز، دون أن يتركوا للعقل متسعا للتفكير الموضوعي والعلمي، إلى الحلول السهلة والجاهزة، فيصبحون أداة طبيعية لتصديق الوهم والخرافة، وجعلها أمرا واقعا، فيسقطوا فريسة سهلة للمحتالين والمشعوذين.
ويمكن أن يشمل ذلك شرائح اجتماعية مختلفة، من أميين ينقصهم الغذاء المعرفي، ودارسين يتغلب لديهم الجانب النفسي والروحي والعاطفي على العقل والمنطق، يراهنون على حلول هي مجرد تهوين وتسكين للمأساة.
ويخلق حديث السحرة والمشعوذين عما يقض المضاجع ويؤرق البال، نوعا من الارتياح النفسي الظرفي، وتوهيم النفس بأن وصفة الساحر والمشعوذ علاجية، وتخلق ارتياحا نفسيا، لكن يبقى دائما هذا الشعور ظرفيا، فالحلول لا تسمن ولا تغني من جوع، بقدر ما تزيد الذهن شرودا وخروجا عن جادة الصواب، والدخول في متاهات قد تكون لها عواقب وخيمة على الصحة، خاصة عندما يلتجئ بعض الدجالين إلى تطعيم وصفاتهم الوهمية ببعض المواد التي لها تأثير مباشر على الصحة الجسدية للضحية.
ولتسليط الضوء على هذا الموضوع استقت "المغربية" وجهات نظر فئات عمرية باختلاف تكوينها، ومجالات ممارستها وكانت الحصيلة كالتالي :
بعض المعتقدات الخاطئة في ثقافتنا، تجعلنا نصدق حكايات فك طلاسيم "السحر" و"الثقاف" و"العكس" و"العكر"، و"الزهر" و"الخدمة" لمجرد أنها مروية من طرف أشخاص نسلم بما جاء على لسانهم، ونلغي من تفكيرنا مقاربات هامش الكذب والتضليل، ما جعل هذا الهامش، يكبر إلى أن أصبح هو الطاغي، وأصبحت بالتالي "الشوافة"، هي التي تملك حقيقة ما تخفيه الأقدار، والفقيه هو الذي يفك طلاسيم السحر و"الثقاف"، وغيرهما من المعتقدات، التي أصبحت مرتبطة بطقوس الأضرحة، إذ لا نستغرب إذا وجدنا المتعاطين لهذه الطقوس، شبابا يبحث عن شغل، وفتيات يبحثن عن أزواج، ونساء يردن تطويع أزواجهن.
الذين يلجأون إلى السحر والشعوذة هم أناس مسلوبو الإرادة، يبحثون عن أحلام أكبر من الإمكانيات والكفاءات، في زمن أصبحنا نعيش في زمن التطور المعلوماتي، الذي سهل الدخول إلى العولمة والتأكد من صحة ادعاءات المحتالين، نجد أن مساحة التطبيق، اتسعت نظرا لتعاطي العرافين والعرافات للوسائل التقنية في عرض خدماتهم، إذ أصبح لهم مواقع الإنترنيت، وعوض أن تساهم الصحف في التنبيه لحيل وأكاذيب المشعوذين، أفردت بعض مساحات لنشر معلومات تزكي خوارق هؤلاء، حتى أصبح بعضهم يقدم خدماته عبر الهاتف المحمول، ويقوم ببرودة دم بنصب شباكه لاصطياد ضحاياه.
في اعتقادي أن زوال هذه المعتقدات الخاطئة في مجتمعنا الحاضر، أضحى أمرا صعبا، بالنظر إلى استمرارها كموروث ثقافي، يتوارث تلقائيا بين الأجيال المتعاقبة، فالبخور مثلا، لا يمكن أن نلغيه بسهولة في مناسباتنا، كالزواج والولادة والعزاء، فهي تحتل مكانة خاصة في عاداتنا وتستعمل لدى لبعض، إما لفك السحر وشفاء شخص مصاب بالعين، أو لجلب الحظ.
ونظرا لاستعمالاتها المتعددة، تتعدد أنواعها وتتفاوت أشعارها، وبالتالي فعدم البحث في أسرار ومكامن وحقائق معتقداتنا، سيجعلنا أسرى لها، مهما كانت العواقب. فالأزمات الاقتصادية وتردي العلاقات البشرية وحرص الإنسان على تلبية مصالحه الذاتية، أسباب رئيسية في تكريس تفشي الظاهرة، وجعلها رقما أساسيا في التعاملات الأسرية.
تتفاقم ظاهرة الشعوذة في وقتنا الحاضر، مرتبط بانسلاخ بعضنا عن الدين، وضعف إيمانه بعقله وذاته، الشيء الذي سهل الطريق أمام المشعوذين باستغلال هذا الضعف وترويضه لمصلحتهم.
فالراحة النفسية التي يبحث عنها عادة الإنسان، بكافة مركباته العضوية والنفسية، عندما لا تجد الطريق السليم لخلق توازنها وتهذيبها، تكون لقمة سائغة للدجل والوهم. كما أن استفحال الجهل ومظاهر التخلف والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، يقوي احتمال استسلام المواطن للمشعوذين، ويزكي هذا التوجه، غياب إعلام تربوي وديني، يفك طلاسيم المتناقضات التي يلعب عليها الدجل لاستغلال الضعف النفسي لدى الأفراد.
عندما تتجول بسوق الجميعة مثلا، وتمر بدكاكين "العراكات" يتبادر إلى ذهنك هذه الاعتقادات الخاطئة، فهذا يعلق الشموع بمختلف الألوان والأحجام، والآخر يرصع جنباته بالحيوانات المحنطة، وذاك يعلق جلد أفعى، ورأس غزالة، أو قنفودا، ويمكن أن تجد أيضا لدى أصحاب هذه الدكاكين دم الحيوانات وريش الطيور النادرة وغيرهما، بوجود الوصفات الملموسة للمشعوذين، يرجح لدى البعض حقيقة مزاعمهم.
كما أن سماح السلطات المحلية بوجود "العراكات" وهي أماكن تباع فيها مستحضرات ولوازم "السحر" والشعوذة، يعني بالنسبة للمواطن العادي أن هذه المعتقدات حقيقية، والوصفات العلاجية مسموح بها قانونا.