"بارميط"، "فتاحة" و"ونيسة"، هذه بعض الأسماء التي تطلق على الفتيات اللواتي يشتغلن في الحانات. لكن هؤلاء يلجأن، بمجرد ما تغلق الحانات أبوابها في شهر رمضان، إلى الدعارة، وينزلن إلى شوارع الدارالبيضاء لاصطياد الزبائن. وليست "البارميطات" وحدهن من يمتهن الدعارة
"المغربية" قضت ليلتين مع "بارميطات" و"موقفيات" واستمعت إلى حكاياتهن الصادمة، فمنهن من قادتها ظروف عائلتها إلى امتهان الدعارة في شهر الصيام، وأخريات يفضلن أن يكن "ونيسات" (مؤنسات للزبون فقط). ومنهن من تعرضت لممارسة جنسية شاذة ولاغتصاب جماعي. وأغلبهن يعانين مضايقات العاهرات المحترفات، اللواتي لديهن أماكن عمل محددة ومحرمة على الوجوه الجديدة، إلا بعد دفع مبلغ مالي من أجل السماح لهن بالوقوف إلى جانبهن.
كانت مريم ترتدي عباءة سوداء اللون، وتضع منديلا مزركشا بألوان زاهية على رأسها، وتسير في حي "جميلة سبعة"، بسيدي عثمان، بالدارالبيضاء، بخطى متأنية، لكنها أثارت فضول أبناء الحي، الذين ظنوا أن مريم "تابت إلى الله"، ورجعت عن طريق الرذيلة وقررت أن تقضي شهر رمضان في العبادة، ليغفر الله ذنوبها، وفجأة، أشارت إلى سائق سيارة أجرة صغيرة، مخلفة عطرا فواحا، انتشرت نفحاته في أرجاء الحي.
رافقت "المغربية" مريم من حي "جميلة سبعة" إلى شارع للا الياقوت، وسط الدار البيضاء، وهو المكان الذي ألفت الوقوف به لاصطياد زبائنها، مقابل مبلغ مالي بين 100 و 200 درهم لقضاء فترة مع الزبون لا تتعدى ساعة واحدة.
في البداية، أزالت مريم المنديل والعباية، وأبانت عن مقدمة فخذيها، ثم وقفت وهي تصدر إيحاءات جنسية من أجل استمالة الزبناء، وبعد عشر دقائق، قدم زبون في الثلاثينات من العمر. اقترب منها وأخذ يعبث في فخذيها، لكنها صدته بقوة، وطلبت دفع مبلغ 100 درهم مقابل العبث، فضحك الزبون حتى ظهرت أنيابه، وشتمها بكلمات يندى الجبين لسماعها، ساعتها ثارت في وجهه، وغرزت أظافرها في وجنتيه، فهرب، والدماء تنزف من وجهه.
وعلى رصيف ضيق بشارع للا الياقوت، أيضا، كانت تقف ثلاث نساء، أعمارهن بين 20 و 40 سنة، كما يبدو من خلال ملامح وجوههن أنهن كن جميلات، لكن قساوة الزمن رسمت تجاعيدها مبكرا، وتفننت في نحت الوجوه، ليبدو وجه إحداهن كأنها شمطاء في السبعينيات من العمر، رغم محاولة إخفاء تلك التجاعيد باستعمال رتوشات من المكياج.
منهن من أعياها الوقوف، وجلست القرفصاء، تتطلع علها تظفر بزبون سخي ترافقه لقضاء ليلة حمراء، تعود إلى بيتها قبل مطلع الفجر من أجل الاستحمام والاستعداد للصيام خلال النهار.
هؤلاء لسن عاهرات "مائة في المائة"، بل هن بعض "البارميطات" و"الموقفيات"، بمجرد ما أغلقت الحانات أبوابها بحلول شهر رمضان، وأمام قلة الطلب على بعض "نساء الموقف"، تحولن إلى عاهرات، أو ونيسات لمن يرغب في ذلك من الزبناء، وكل واحدة اختارت شارعا أو زقاقا معينا لاصطياد الزبون.
مليكة (اسم مستعار) عمرها 35 سنة، تشتغل في إحدى حانات الدارالبيضاء، لكن بعد إغلاق الحانة منذ منتصف شعبان، اضطرت إلى امتهان الدعارة، تقول إنها لجأت إلى هذا الطريق بعد أن فقدت عملها بالحانة، وكانت تحصل على مبلغ مالي يتراوح بين 2000 و 2500 درهم يوميا، وقد يزداد نسبيا، حسب سخاء الزبون.
ابتسام: الجسد أداة عمل
كانت مليكة تتحدث مع "المغربية"، بينما عيناها تبحثان عن زبون ثم طلبت منا بدفع مبلغ مالي، من أجل إتمام حديثها وسرد معاناتها، وحددته في مبلغ 400 درهم لشراء السجائر وتعويضها عن الوقت الذي أمضته معنا، فما كان علينا إلا أن نلبي طلبها، لاقتحام عالم "البارميطات"، المحفوف بالمخاطر والمآسي والمعاناة.
بمجرد ما حصلت مليكة على 400 درهم، وضعت الأوراق النقدية، بطريقة غريبة، في صدريتها واستأنفت حديثها "أنا والله ما راضية على هاذ الشي، ولكن الزمان صعيب والظروف ما راحمنيش"، مسترسلة: "أحلم، في يوم من الأيام، أن يكون لي زوج يتكلف بمصاريف البيت، وأولاد، ينسوني همومي وما فعل الزمن بي".
لم تستطع مليكة في هذه اللحظة إتمام حديثها، إذ غالبتها الدموع، وصمتت بضع دقائق، وبعد أن جففت دموعها، استأنفت الحديث قائلة إنها تفضل أن تكون "بارميط" أو "فتاحة" بدل عاهرة، مستدركة أنها "في الحالتين، تعصى أوامر الله وتقترف الكبائر". وتعتبر مهنة "بارميط" أخف ضررا من عاهرة لأنها في الحالة الأولى يمكن أن تكون مؤنسة (ونيسة) فقط للزبون ولا يصل الأمر إلى مرافقته إلى شقته لممارسة الجنس.
وفي زنقة عمر السلاوي، وسط الدارالبيضاء دائما، قالت نادية (من نساء الموقف) إنها سئمت انتظار زبونة أو زبون يطلبانها للشغل في منزلهما، مشيرة إلى أن النساء يستغنين عن "الموقفيات" في شهر رمضان، ما اضطرها إلى امتهان الدعارة بالليل، حتى توفر وجبة الفطور لستة أفواه.
لسيت هذه المرة الأولى التي تتعاطى فيها نادية للدعارة، بل سلكت هذا الطريق خلال الشهرين الأخيرين، وتقول إن هذه المهنة بدأت تندثر بسبب اكتساح العاهرات للأمكنة، التي تتخذها نساء الموقف لعرض خدماتهن في كل من زنقة عمر السلاوي، ودرب السلطان، وسوق درب عمر.
أما ابتسام (موقفية)، التي كانت تجلس القرفصاء قرب أحد الدكاكين بدرب عمر، فقالت بحنق: "دخلت عالم الدعارة في شهر الصيام مكرهة، فبسبب قلة الشغل، ومرض والدتي المزمن، اضطررت للبحث عن مورد رزق، فوجدت هذا الطريق سهلا، ولن يكلفني شيئا، سوى جسدي".