الكرة عنده تعني الكثير، مهما تحدث عن تجربته وحيثياتها في هذا المجال، لأن الكلمات وحدها لا تكفي لعكس ما عاشه من مواقف وإنجازات
درب كرة القدم شاق لا يفلح فيه إلا من يعتبرها هواية وموهبة، وفي حياته لم يصادف لاعبا كان يعتبرها مهنة، بحيث إن عشق الكرة مقدس، لا يقبل التحريف إلى غير اللعب من أجل اللعب، هكذا يحكي حفناوي الشرقاوي، الذي طالما شعر بطاقته الروحية تختمر في نفسه وهو يتمرن على كيفية ممارسة كرة القدم، حينما كان يرافق أطفالا من سنه إلى ملاعب الأحياء التي قال وإن كانت ملاعبا عشوائية فإنها المدرسة الأولى في كرة القدم، التي كان الأطفال يكتشفون من خلالها مهاراتهم الكروية.
كان الشرقاوي، المزداد سنة 1947 بـ"المدينة القديمة" في الدار البيضاء، غالبا ما يعود إلى بيته منشرح الصدر، بعد إنهائه لعدة مباريات كروية، حيث يحاول الأطفال في ما بينهم، بإشراف أحد يكبرهم سنا، التنسيق والتنظيم لخوض لقاءات كروية.
في كل مرة كانوا يبرحون حيهم والانتقال إلى حي آخر لتشتد المنافسة، وكم كان ذلك يسعد الشرقاوي وهو طفل، غير أن أمله كان أكبر من ذلك، حيث تطلع إلى أن يكون له جمهور يتحمس لحماسه ويشاركه فرحة النصر والفوز.
هكذا أيقن الشرقاوي مع نفسه قبل أن يتوجه إلى نادي الراك وعمره 13 سنة، فلعب لمدة سنتين ضمن فئات الصغار، وسنتين ضمن الفتيان، ومباشرة انتقل إلى فئات الكبار متجاوزا فئات الشبان، بإيعاز من مدرب الكادي، الشريف مولاي الكبير، الذي تنبأ للشرقاوي خير، وترسخ لديه أن مستقبل الشرقاوي سينهل من عالم الكرة، وسيكون لاعبا مرموقا يتداول اسمه محبو كرة القدم، خاصة مشجعي فريق الراك، ولهذا لم يتردد المدرب في التنويه بمؤهلاته، ثم ضمه سنة 1964 إلى القسم الأول للراك.
لم يرغب الشرقاوي في التخلي عن سنوات الرضى التي كانت تفتنه باللعب إلى جانب فريق الراك على إيقاع وهتافات الجمهور، حيث صوت هؤلاء لا يزال يدوي في مسامعه وهو يستحضر ذكريات قضاها مع فريقه.
وفي اليوم الذي تقرر فيه أن هناك مباراة ستجمع بين فريق الراك ومولودية وجدة، فكر الشرقاوي في أن هذا الأخير فريق قوي، ليس من اليسير الفوز عليه، وأن وجوده بفريق الراك الذي احتضنه وأشرف على تربيته البدنية والنفسية، تستدعي منه أن يكون لاعبا يعتمد عليه، ولأنها أول مباراة للشرقاوي، لم يشأ إلا أن يؤكد لمدرب الفريق وعناصره، أن اختياره ضمنهم لم يكن اعتباطيا، بل صائبا، لأن إمكانياته الكروية المتميزة تشهد على ذلك.
كما لم يخف الشرقاوي، أنه قبل بدء هذه المباراة توترت أفكاره، وخشي الهزيمة، كما خشي الظهور بمستوى يشوش على رأي مدربه ورفاقه، في أنه لاعب يعول عليه في الشدائد، خاصة إن كان الأمر يتعلق بمباراة كهذه مع مولودية وجدة المعروفة بقوة جميع عناصرها.
لم يكن الأمر سهلا بالنسبة إلى الشرقاوي حينها، ولكن الرغبة الجامحة في حصد أكبر عدد من الأهداف، كان دافعا قويا كي يدفع عنه ذلك التوتر، خاصة بعدما لعب في الدفاع الأوسط، وسُجّل الهدف الأول لصالح الراك في أول المباراة من قبل عمر لمهر، فيما استطاع الشرقاوي التصدي للكرات وإبعادها عن مرمى فريقه، لتجدد ثقته بعدما سجل الراك الهدف الثاني ثم الثالث في الشوط الثاني، كان وقع هذه الأهداف طيبا في نفس الشرقاوي، الذي تأقلم مع وتيرة لعب عناصر القسم الأول للراك على نحو طور مهاراته الكورية وأصبح معها لا يمكن الاستغناء عنه.
الكرة إخلاص في التدريب
ما إن انتصر فريق الراك على مولودية وجدة بـ 3 مقابل 1، حتى اطمأن الشرقاوي إلى أن كرة القدم قبل أن تكون موهبة فهي عزم وإصرار، لابد على اللاعب التحلي بهما، وسرعان ما وجد نفسه يشارك في مقابلات يستحسن فيها الجمهور انسجام وتنظيم عناصر فريق الراك، وهو شرف حمله الشرقاوي على عاتقه وجعله لا ينفك عن مواصلة التداريب وتحمل التوعكات والضربات التي تصيبه خلال المبارايات، لأن تعويض اللاعبين في حالة إصابة أحدهم لم يكن ممكنا آنذاك، فأصبح أكثر تعودا على طريقة لعب فريقه، باعتبار أن الألفة بين اللاعبين ودرجات التفاهم التي توحدهم تدفع بالضرورة إلى ممارسة الكرة بارتياح، كما يحكي الشرقاوي.
كما يذكر الشرقاوي أنه لعب مقابلتين ضمن فئات الشبان نصف نهائي، مع مولودية مراكش، انتصر فريق الراك فيها بـ3 مقابل 1، وكلما تحقق الفوز لفريقه، كان يتمنى أن تدوم فرحة النصر، بمعاودة الفوز في كل لقاء كروي، ولأن سنه لم يتجاوز 17 سنة حينما انضم إلى فريق الكبار للراك، كان اندفاعه قويا، وكان يؤمن بأن كرة القدم حليفة من يخلص لها، بالتدريب المستمر واحترام خصوصياته كرياضة شعبية لها جمهور يسعد بالفوز ويتحسر للخسارة، ولهذا فكثيرا ما كان يفضل حصص التدريب التي تشعره بأن الفوز سيحل على فريقه دائما، وإذا انهزم فريقه في مقابلة ما فإن الهزيمة كانت تشكل له فرصة لمراجعة الذات والبحث عن مكامن الخلل التي أدت إليها.
في الحلقة الموالية، سيفوز فريق الراك على الرجاء البيضاوي سنة 1968، وهي السنة الأولى التي يدخل فيها كأس العرش إلى الدار البيضاء منذ استقلال المغرب، وسيتمكن الشرقاوي من أن يحظى بلقب "سيد الملعب" لقوة تصديه للكرة وتطويقه لخصومه، غير أن الشرقاوي سيصاب بوعكة صحية أفقدته وعيه، وجعلت الجميع يعتقده ميتا، كما أن فريق الراك سينزل إلى القسم الثاني، ليشوش على عناصر فريق الذين رفضوا بيعه.