باحثون مغاربة يرصدون أثر رحلة أنساب الأخبار وتذكرة الأخيار

الأربعاء 08 أبريل 2009 - 09:13
الباحث محمد رزوق

نظمت الجمعية المغربية للبحث في الرحلة، أخيرا، بالمكتبة الوطنية بالرباط، في إطار لقاءاتها الشهرية، قراءة في رحلة " أنساب الأخبار وتذكرة الأخيار"، للمدجن الحاج عبد الله بن الصباح الأندلسي، حققها وهذبها وعلق على حواشيها الدكتور محمد بنشريفة.

وشارك في هذا اللقاء كل من الدكتور محمد بنشريفة عضو أكاديمية المملكة المغربية، والدكتور محمد رزوق أستاذ التاريخ بكلية الآداب عين الشق بالدارالبيضاء، وفاطمة طحطح أستاذة الأدب الأندلسي بكلية الآداب بالرباط، وعبد الرحيم المودن أستاذ بكلية الآداب بالقنيطرة، رئيس جمعية أدب الرحلة.

وشملت هذه الرحلة التي قام بها الحاج عبد الله بن الصباح الأندلسي في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، كلا من مملكة غرناطة وبلاد المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، والحجاز، واليمن، والشام، والعراق، وتركيا، وبلاد فارس.

واعتبر الأستاذ الباحث المتخصص في الدراسات الأندلسية محمد رزوق، في قراءته التاريخية لهذا العمل، أن أهمية هذه الرحلة تكمن في كونها كتبت في ظروف خاصة اتسمت بتراجع الثقافة العربية الإسلامية وسقوط عدد كبير من ثغور الأندلس بأيدي المسيحيين،
مبرزا أن الرحالة يحاول من خلال الإجابة عن السؤال المحوري "لماذا سقطت الأندلس"، إبعاد المسؤولية عن العلماء والمفكرين وحصرها في صراع حكام الأندلس على الملك.

وأشار الباحث إلى أن الأسلوب الذي كتبت به الرحلة عفوي بسيط تكثر فيه الألفاظ العامية، مؤكدا أن ذلك يفيد الباحث اللغوي والسوسيولوجي لمعرفة طبيعة التطور اللغوي، الذي ما تزال بعض آثاره سارية، سواء على مستوى اللغة أو العادات أو التقاليد.

وقال رزوق إن المقصود من هذه الرحلة هو"طلب التواريخ وأخبار المدجنين"، وأضاف في تصريح لـ"المغربية" أن الأهمية العلمية للرحلة، تكمن في أن ابن الصباح يذكر لنا عددا من علماء الأندلس، كما يذكر مجموعة من علماء المناطق التي زارها، انطلاقا من غرناطة، وسبتة، ومراكش، وفاس، وتلمسان، والجزائر، وتونس، والقيروان، وطرابلس، ومصر والحجاز، وبلاد الشام، والقسطنطينية قبل فتحها من طرف الفاتح السلطان العثماني محمد الثالث، وهو في كل هذا يعرض رأيه بصراحة، ويذكر بعضا من مؤلفاتهم.

وأشار الباحث إلى أن ابن الصباح ينفرد بذكر بعض العلماء والأدباء، الذين اجتمع بهم أو سمع بهم، مؤكدا أن الباحثين لا يعرفون عن هذا الرجل إلا ما كتبه هو عن نفسه في هذه الرحلة.

وبخصوص أسلوب الرحلة، يقول محمد رزوق اعتذر ابن الصباح على ما ورد في الرحلة من خطأ أوخلل، ورفع ذلك إلى أسباب منها أنه كان "مابين الستين والسبعين مع ضعف البصر"، وأن "ما كتبه هو مما سمعه عن المشايخ وقد طال عهده بهم". كما أنه كان في جو"من الغربة والفقر وهموم الأولاد وما يتطلبه ذلك من النفقة عليهم، فلا عجب، إذن، إن وقع خطأ في الكتاب وخلل في الترتيب والكلام".

ولعله يقصد مقامه في مدينة وهران التي قضى فيها آخر أيامه، لذلك فهو يلتمس من القارئ "أن يصلح الخطأ ولا يعاتبه". ولهذا السبب جاء أسلوبه ملحنا تكثر فيه الألفاظ العامية.
أما مصادره فتنبني على وصفه للبلدان التي شاهدها مباشرة، وما سمعه من بعض الشيوخ، الذين التقى بهم، إضافة إلى استفادته من بعض المصادر ككتب المسعودي، وابن خلدون، وبعض كتب الشعراء، والسيرة، كما يظهر أنه اطلع على بعض الرحلات مثل رحلة ابن جبير، وابن بطوطة وغيرهما.

على العموم، فإن الرحلة تحاول أن تجيب عن السؤال الرئيسي "لماذا سقطت الأندلس؟"
يقول ابن الصباح، في هذا الصدد، "ولما سكن العرب جزيرة الأندلس وتمكنوا فيها، وصاروا ملوكا عليها من كثرة النعمة والخصب والتمكين المكين والأكل والشرب والفرح والسرور والفرجات والبساتين وضرب العيدان والأوتار وكثرة الزينة واللهو والفسق والعصيان، وبدلوا وغيروا واختلف ملوكهم وخان بعضهم بعضا ومنعوا الزكاة وضيعوا الصلاة وفرطوا فيها. وارتكبوا المعاصي والفواحش ومالوا إلى الدنيا ونسوا الآخرة.
وتعدوا حدود الله وضيعوا الشرع وكنزوا الأموال ولم يجد غنيهم على فقيرهم. وقست قلوبهم وعميت أبصارهم وصمت آذانهم وقصرت أيديهم عن الصدقات وغلب على قلوبهم الشح والبخل والحرص على الدنيا وطمع بعضهم في ما في أيدي بعض ووقع الحسد بين ملوكهم وفتنوا بعضهم بعضا، سلط الله عليهم عدوهم وسلب منهم بلادهم وعاملهم بذنوبهم".

ومن دون شك، فإن ابن الصباح لم يكن هو الوحيد الذي دق ناقوس الخطر، بل هناك علماء أندلسيون عديدون كانوا يستشعرون الأزمة ويتنبأون بسقوط الأندلس، نذكر من بينهم على الخصوص ابن عاصم في كتابه "جنة الرضى"، وابن الأزرق في كتابه "بدائع السلك"، علما أن بعض الموريسكيين ظل أملهم كبيرا في استرجاع الأندلس، حتى بعد سقوطها، وطرد ما تبقى من الموريسكيين بها في 4 أبريل 1609، ويكفي أن نعود إلى كتاب"ناصر الدين على القوم الكافرين" لأحمد بن قاسم الحجري الأندلسي الشهير بأفوقاي لنتأكد من ذلك.

وتطرق الباحث إلى المنهج الذي اعتمده الدكتور محمد بنشريفة في تحقيق هذا المخطوط الذي لم يكن متوفرا إلا في نسخة واحدة فريدة توجد بدار الكتب الوطنية بتونس تحت رقم 2295، خالية من اسم الناسخ وتاريخ النسخ، مشيرا إلى أهمية المناهج الجديدة في دراسة واستكتشاف ما يكتنزه أدب الرحلة من قضايا لغوية ودينية وتاريخية وأدبية.

من جانبه، أوضح الدكتور محمد بنشريفة، أن العمل يؤرخ لرحلة ذات قيمة متعددة من الناحية التاريخية والجغرافية والاجتماعية، مضيفا أن ما يميزها كونها "الرحلة الوحيدة التي قام بها أندلسي كان يعيش تحت حكم النصارى "مدجن" يخرج مما يسمى بدار الحرب إلى دار الإسلام ويسجل انطباعاته وارتساماته حول ما شاهده في العالم الإسلامي وقتئذ، ويقارن بينه وما كان عليه الوضع في إسبانيا ومملكة أراغون، التي كان يعيش في عهد حكمها".

وأبرز الدكتور بنشريفة أن هذه الرحلة تنضاف من الناحية الكمية إلى الرحلات التي قام بها الأندلسيون ثم المغاربة في سياق سفرهم لأداء مناسك الحج، مشيرا إلى أهمية أدب الرحلة ضمن باقي الأجناس الأدبية الأخرى كالشعر والرواية والقصة والشعر والنثر والمسرح.

من جهته، اعتبر الأستاذ عبد الرحيم المودن رئيس الجمعية المغربية للبحث في الرحلة، أن قراءة هذا العمل ينبغي أن تنطلق من المقاربة الأدبية الخاضعة للنص الرحلي، باعتباره خطابا مثل باقي الخطابات الخاضعة لبنية السفر، مبرزا دلالات العنوان الرئيسي أو الفرعي، واللغة الوظيفية المستخدمة، وكذا تقنية الوصف والسرد المعتمدة في النص.

وأوضح أن الرحلة قدمت خصائص فكرية وفنية دعمت المتن في سياق الرحلة الأندلسية عبر توزعها بين "المذكرات" والاستطراد بين التاريخ والجغرافيا، وبين علم الأطوال والعروض وكتب الخطط، وبين مدح المدن ورثائها ووضع اليد على مركزية الإسلام -شرقا- ردا على ضعف الإسلام غربا أي بالأندلس.




تابعونا على فيسبوك