أكد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، أن عمل العلماء لم يعد موسميا، بل أضحى انخراطا يوميا، كما أن خطابهم لم يعد يقتصر على المواضيع التقليدية، بل أصبح خطاب معانقة لمشاكل الناس الحالية بناء على إرهاص حسي واجتهاد وقتي في التنزيل.
وقال الوزير، في عرض قدمه بين يدي أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس خلال ترؤس جلالته، مساء يوم الاثنين المنصرم، بمسجد حسان بالرباط، الحفل الديني إحياء لليلة المولد النبوي الشريف، إنه بناء على ميثاق العلماء، الذي أعلن عنه جلالة الملك في خطابه السامي في27 شتنبر 2008 بتطوان، بمناسبة انعقاد الدورة العادية للمجلس العلمي الأعلى، يحق لهؤلاء العلماء أن يفتخروا بما أسند إليهم في عهد جلالته من المهمات، وبما فتح أمامهم من مجالات، وبما أعطي لهم من وسائل لتحقيق الغايات.
وأوضح أحمد التوفيق في هذا العرض، الذي تضمن موجزا للتقرير السنوي عن حصيلة المجالس العلمية، وعن وضعية تسييرها، أن العلماء أصبحوا اليوم أصحاب المسؤولية في الفتوى، وعلى شرط تزكيتهم يدخل الأئمة والوعاظ إلى المساجد، وعلى عاتقهم يقع تكوين هؤلاء الأئمة وتوجيههم للعمل في كل منبر ومسجد على صيانة مقوماتنا وعلى تأهيلهم عبر الدليل الذي وضعوه لهم، والعلماء هم الذين يخول لهم القانون رئاسة لجان بناء المساجد المستحدثة، وهم أصحاب القرار في التأطير الديني للمواطنات والمواطنين في الداخل والخارج وفي مختلف المناسبات".
وأضاف أن أعمال العلماء تستمد أهميتها الكبرى من كونها تجري ضمن إطار مذهبي واضح عقيدة ومذهبا وسلوكا روحيا، في وعي تام من لدن العلماء بما ينبغي عمله داخل هذا الإطار.
وأبرز الوزير أن مشيخة علماء المغرب المتمثلة اليوم في المجالس العلمية مشيخة ذات مجد عريق في النضال عبر القرون، "بفضل التزامها وتلاحمها مع إمارة المؤمنين تلاحما تحققت به خصوصية المغرب، وهي أمانة الحرص على البلد الخالص لمذهب السنة والجماعة المتمسك دون أي خلط أو شائبة بالمذهب المالكي داخل مذهب السنة والجماعة، إنه انتماء راسخ ازدانت المشاعر بالالتزام به والنضال من أجل صيانته عبر القرون بهذا الحب الشريف، الذي يعبر عنه المغاربة لبيتكم الطاهر، بيت آل النبي الكريم".
وأشار أحمد التوفيق إلى أنه بفضل توجيهات أمير المؤمنين المتجددة هذه السنة، جرى تحقيق تقدم في المجالات الثلاثة، التي أشار إليها تقرير السنة الفارطة، حول أنشطة المجالس العلمية، على أنها آفاق التحسين المطلوب، وهي تأهيل الأئمة، والأحوال المادية لهم، والإعلام الديني، مشيرا إلى أنه ماعدا هذه الميادين، فقد تمثل اشتغال العلماء والعالمات في عشرات الآلاف من وجوه التدخل في سائر ميادين التوجيه والإرشاد والتأطير.
وذكر أحمد التوفيق، في هذا الصدد، بأن هذه السنة تميزت، على الخصوص، بإعلان جلالة الملك عن قرارات يدخل بها تدبير الحقل الديني في مرحلة جديدة.
وأوضح أن أول هذه القرارات هو وضع العلاقة المؤسساتية بين أمير المؤمنين وبين العلماء في إطار العقد، الذي أسماه الخطاب السامي لجلالته بتطوان بـ"ميثاق العلماء"، وهو ميثاق يحدد مسؤولية العلماء في القيام بواجبهم في التأطير الديني، الذي له غايتان، هما تحسين عقيدة الأمة من جهة، وإراحة ضميرها الديني بالدليل الشرعي في تناسق مع تطور المملكة في مختلف الميادين، من جهة أخرى.
أما القرار الثاني، فيتمثل في توسيع خريطة المجالس العلمية لدعم مفهوم القرب، الذي يمثله أصلا وجود المساجد في كل حي بالمدينة وفي كل قرية بالبادية، بينما يتعلق الثالث، بإحداث المجلس العلمي للمغاربة في أوروبا دعما لتأطيرهم وصيانة لهم من التخريب، الذي قد يستهدف عقيدتهم السنية ومذهبهم المالكي أو تصوفهم السني. في حين يهم القرار الرابع، إحداث مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين.
وأكد أحمد التوفيق أن العلماء يشتغلون "لأداء أمانتهم وهم مدركون أنهم ينخرطون في نموذج متأصل، تنزل إلينا التوافق حوله من أعماق التاريخ، وصدقت نجاعته مقتضيات الاختصاص بعصرنا هذا، نموذج مبني على أن الدين تحميه الأمة كلها، متمثلة في أمير المؤمنين، تحميه من الجمود المفضي إلى التطرف، كما تحميه من الجحود المفضي إلى التحلل من القيم التي انبنت عليها حياة الأمة ويحميها الدستور".
وأبرز وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أن البرزخ الذي تسير عليه الأمة إلى بر النجاة في مستقبلها المنسجم مع قيمها الضامنة لرقي سليم، هو إمارة المؤمنين، وهي الفاروق بين بحر السياسة كأسلوب للنقاش الاجتماعي والاختلاف الخصب، وبين بحر الدين كضامن للوحدة حول المقومات والثوابت، وكمعين لقيم الأخلاق والاستقامة، ومنبع للتقويم على التربية على الحق والصبر.
وبعد أن ذكر بأن عشر سنوات من عهد جلالة الملك أثمرت، بالعمل والصدق وحب الخير للشعب، اطمئنانا على الدين، تؤازره، عن عقيدة والتزام، مؤسسة علمية قوية تصدر نشاطاتها عن ثوابت الأمة، أكد الوزير أن التاريخ يشهد بأن المملكة المغربية لم تترك في يوم من الأيام الشأن الديني لأي عابث في الداخل أو أي متربص من الخارج، ولذلك جاء هذا التعبير عبر التنظيم الهيكلي المؤسساتي الحالي للعلماء مبنيا على المحتوى الرمزي نفسه والشروط الاعتبارية لمشيخة العلماء التي تعامل معها أجداد أمير المؤمنين عبر التاريخ.