عقدت مؤسسة الثقافات الثلاث والأديان الثلاثة لحوض المتوسط، مساء أول أمس الثلاثاء، بإشبيلية (أندلس، جنوب إسبانيا)، بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيسها، اجتماعا لمجلس إدارتها، بحضور عدد من المسؤولين الحكوميين المغاربة والإسبان.
" معالي السيد مانويل شافيز رئيس خونطا دي أندلسيا،
معالي السيدات الوزيرات والسادة الوزراء،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة،
ها هي ذي عشر سنوات قد ولت، اليوم العاشر من مارس 1999، منذ ذلك الحين الذي ضربت فيه المملكة المغربية وإسبانيا موعدا للقاء هنا، بحاضرة اشبيلية التي تتوسط عقد الأندلس. ذلكم اللقاء الذي كان الدافع إليه الرغبة في الإعراب عن انخراطنا المفعم بروح التبصر والإرادة القوية في تلكم الرؤية التي ننطلق منها لتصور ما ينبغي أن تكون عليه مصائرنا المشتركة، والتي قوامها الإنصات للآخر والمزاوجة بين كل ما نزخر به من مقومات التنوع ومظاهر الاختلاف.
وقد باتت مظاهر الاختلاف هاته تخضع لقراءة جديدة تنبع من الطموح الذي يحدونا لتحسين سبل التعارف فيما بيننا وتكريس مبدأ التكافؤ بيننا، القائم على إبداء المزيد من الحرص على مراعاة كافة حقوقنا وواجباتنا وآمالنا.
وقد تأتى قيام مؤسستنا، مؤسسة الثقافات الثلاث والأديان الثلاث لحوض المتوسط، انطلاقا من مبدأ الترفع المقصود عن مظاهر التخوف السائدة والتغاضي عن الالتباسات الأكثر إثارة للشبهة.
لقد تجسدت كل الأبعاد التي ينطوي عليها هذا الخيار المستند إلى ترجيح منطق العقل وتغليب النزعة الإنسية وتبني قيم الحداثة، وتجلت كافة المعاني والدلالات التي يحملها، عندما عقدنا العزم تلقائيا على إطلاق إسم أبينا المنعم جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه، على الرواق الذي يحتضن مقر المؤسسة.
لقد كانت مؤسستنا رائدة لأكثر من سبب، ذلك أنها كانت محقة وسباقة إلى توقع إثارة الجدل الزائف حول الصدام المزعوم للحضارات. كما بادرت قبل الأوان إلى بلورة الرد المناسب على أنصار نظرية الانكفاء على الذات والقائلين بوجود قطيعة روحية بين الشعوب.
وقد شكلت روح التوافق والالتزام التي تجمع بين المغرب وإسبانيا والأندلس، مصدر قوة وإلهام بالنسبة لمؤسسة الثقافات الثلاث لتفرض وجودها في ظرف وجيز كأحد الفاعلين المحوريين على صعيد حوض البحر الأبيض المتوسط، وتعمل بالتالي على إدارج الحوار بين حضاراتنا في صميم النقاش الإيديولوجي وطرحه على الساحة الدولية وإثارته داخل الأوساط الاقتصادية وعالم الإبداع الفني.
ومن منطلق البعد الكوني الذي ينطوي عليه جوهر رسالتها ومراميها، فقد كانت مؤسستنا محقة في أن توجد لنفسها موطئ قدم في كل من أوروبا والشرق الأوسط ودول أمريكا الشمالية والجنوبية وآسيا، سعيا منها إلى نشر التراث المغربي الإسباني والتعريف بعناصره على أوسع نطاق ممكن وإبراز عمق الدلالات التي ينطوي عليها هذا الموروث المغربي الأندلسي.
وتتعاظم في الوقت الراهن أهمية الرسالة التي يحملها هذا الموروث بالنظر إلى مشاعر الخوف من الآخر التي غالبا ما تتملك مكونات المنتظم الدولي وكذا الهلوسات التي تستبد بها بسبب الشرخ الديني الذي يحلو لبعضهم أن يستمروا في التأقلم معه دون أن يضيرهم الأمر في شيء وربما في غياب أي وخز من ضمير.
إن المكاسب التي راكمتها مؤسسة الثقافات الثلاث في هذا الإطار لتعد مبعث فخر واعتزاز بالنسبة للعديدين منها ونحن محقون في ذلك.
أما بالنسبة لي، فإني أرى في هذه المكاسب أكثر من دافع لمواصلة المسير، فكلنا يعلم أن العديد من التصورات والأفكار المتجاوزة لا تزال تحكم قبضتها حوالينا وتشتد وطأتها جراء حالة الاندحار الفلسفي والروحي التي ينبغي أن نتحد من أجل مواجهتها.
تزداد الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية تفاقما واستفحالا مع توالي الأيام، مما يزيد من هشاشة الوضع القائم في كافة تجلياته، ويذكي من جديد جذوة مخاطر الإقصاء ونبذ الآخر والخوف المرضي من الإسلام ومعاداة السامية. وهي المخاطر التي غالبا ما نرى رأي العين إرهاصاتها المقلقة تنتشر في أغلب بقاع العالم، بكل ما تحمله من مظاهر النكوس والرجعية. لذا، فلم يئن الأوان بعد لمنظمتنا كي تنهي حالة التأهب.
إن العالم لا يزال في حاجة إلى من يعمل على مد الجسور ويحظى من أجل القيام بذلك، بالشرعية والمصداقية اللازمتين لدى مؤسستنا.
وحاجته تلك تنبع من رغبته وأمله في أن تندمل يوما ما ندوب هذه الحقبة التي طال أمدها أكثر من اللازم وتعرضنا خلالها لخطر التقهقر والانحسار بذريعة نشوب صدام الحضارات وبسبب اللجوء إلى التوظيف المغرض للعقائد الروحية التي ندين بها.
لذا، ينبغي لمؤسسة الثقافات الثلاث والأديان الثلاث لحوض المتوسط أن تجعل من هذا التحدي المتمثل في تغليب منطق العقل من جديد وإعادة بناء أسسه، محورا للعمل الذي تعتزم القيام به في المستقبل.
هاهي ذي إذا الغاية المثلى التي ينبغي السعي إلى تجسيدها من خلال المزاوجة بين كافة الهويات والثقافات لجعلها تنصهر في بوتقة ثقافة واحدة أو مجموعة من الثقافات المشتركة. وهو المقصد ذاته الذي يدعو المغرب إلى تحقيقه ويلتزم بمبادئه من خلال تبنيه خارطة الطريق التي ستنكب مؤسستنا على بلورتها في المستقبل".
ومن جهة ثانية,أبرز العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول الدور الذي تقوم به مؤسسة الثقافات الثلاث والأديان الثلاث في حوض المتوسط في التقارب بين المغرب وإسبانيا ودعم التفاهم بين شعوب المتوسط.
وأكد الملك خوان كارلوس في رسالة موجهة إلى مجلس إدارة المؤسسة الذي اجتمع مساء أمس الثلاثاء باشبيلية (جنوب إسبانيا) أيضا على المبادرات التي قامت بها إسبانيا من أجل دعم تمتين العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
وقال في الرسالة التي تلاها رئيس الحكومة المستقلة للأندلس مانويل تشافيز إن البعد الأوروبي للمملكة الإسبانية و" الاتصالات القوية للمملكة المغربية مع الاتحاد الأوروبي تميز علاقاتنا الثنائية وتندرج في سياق الدعم الذي تقدمه إسبانيا من أجل تحديد الأجندة التي تقود إلى وضع متقدم في العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي ".
وحث العاهل الإسباني بالمناسبة مؤسسة الثقافات الثلاث والأديان الثلاث على المثابرة من أجل التقارب بين مختلف الثقافات والديانات في الحوض المتوسط مؤكدا على الجهود المبذولة من طرف المؤسسة من أجل دعم حوار من شأنه المساعدة على إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي.
وقال الملك خوان كارلوس في هذا الصدد " أحث جميع المؤسسات والاشخاص الذي يتعاونون مع هذه المؤسسة المهمة على المضي قدما في هذا الالتزام الجماعي الذي تمثله، التزام يدعم التقدم والتعايش والتعاون في العلاقات بين المغرب وإسبانيا ويطمح إلى متوسط أكثر رفاهية وسلما ".
وكان مجلس إدارة مؤسسة الثقافات الثلاث بالمتوسط قد عقد اجتماعا اليوم الثلاثاء باشبيلية بمناسبة الذكرى العاشرة على تأسيسها بحضور عدد من المسؤولين الحكوميين المغاربة والإسبان.
وتميز اجتماع مجلس إدارة مؤسسة الثقافات الثلاث والأديان الثلاثة، الذي افتتحه رئيس الحكومة المستقلة للأندلس، مانويل شافيز، بتلاوة نص رسالتي صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وصاحب الجلالة الملك خوان كارلوس الأول، عاهل إسبانيا، الرئيسين الشرفيين للمؤسسة.
وقام بتلاوة الرسالة السامية، التي وجهها جلالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في الاجتماع، أندري أزولاي، مستشار صاحب الجلالة، والرئيس المنتدب للمؤسسة.
ووجه الملك خوان كارلوس الأول رسالة إلى المشاركين في الاجتماع، تلاها رئيس الحكومة المستقلة للأندلس، في حين قام السفير الفلسطيني المعتمد بإسبانيا، عامر وضاح، بتلاوة الرسالة التي وجهها رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس إلى هذا الاجتماع.
حضر الاجتماع عدد من المسؤولين الحكوميين من كلا البلدين على رأسهم، خالد الناصري، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، وأحمد اخشيشن، وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي.
كما شارك في الاجتماع يوسف العمراني، الكاتب العام لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون، وأنخيل لوسادا، كاتب الدولة الإسباني في الشؤون الخارجية ،وخاسبار زارياس مستشار (وزير) برئاسة حكومة الأندلس، وسفيرا البلدين بالرباط ومدريد، فضلا عن عدد من الشخصيات من البلدين.