مولد الرسول الكريم.. رسالة رحمة وعدل ومساواة للإنسانية

الثلاثاء 10 مارس 2009 - 09:05

إن محمدا هو رسول الرحمة، و"الرحمة" هي الصفة التي تلخص على أفضل وجه مضمون الدعوة التي جاء بها نبي الإسلام، سيدنا محمد عليه أزكى الصلوات والسلام، تكملة وختاما للديانات السماوية.

هذه الدعوة التي ما يزال جوهرها يكتسي راهنية قوية إلى يومنا هذا، ونحن نحتفل في 12 ربيع الأول لهذه السنة الجهرية 1430، (موافق عاشر مارس)، بذكرى ميلاد خاتم النبيئين وحامل الرسالة الإلهية الخاتمة إلى الإنسانية جمعاء.

وبالفعل فإن الرحمة المحمدية للبشر تتجلى في أبهى صورها من خلال السيرة المثالية لخاتم الرسل والأنبياء، الذي كانت أبسط أفعاله وتصرفاته كتابا مفتوحا للناس أجمعين، لاستخلاص المثال في أفعالهم وسلوكياتهم داخل المجتمع.

"كان خلقه القرآن" هكذا وصفت زوجة الرسول، عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، سيرة النبي المتفردة. فبهذا التفرد، وبهذا الانضباط الدقيق للتعاليم الإلهية المتضمنة في القرآن الكريم، استطاع الرسول تحويل مجتمع قديم تابع ومتخلف في جميع الميادين ليجعل منه مجموعة مثالية على المستوى الأخلاقي والمؤسسي، مجتمعا متضامنا وموحدا، بفضل روابط عاطفية قوية، وكل ذلك في وقت قصير، لم يسبق له مثيل في التاريخ.

إنها الخاصية الراسخة لسمو رسالة الإسلام.

فعلا، إنها ميزة الرسالة القرآنية، المتمثلة في تغيير المجتمع العربي الجاهلي، الذي تتجاذبه النزاعات الداخلية، القائم على النهب والسلب والعصبية القبلية، إلى مجتمع مؤسس على مجموعة من القيم الروحية، يرفض التقوقع على الذات، بناء على عامل الجنس والعرق والتعصب أو إلغاء الآخر.
إن هذا التوجه الكوني كاستكمال وتتويج للديانات التوحيدية السابقة، هو الذي وضع الأساس للنزوع الطبيعي للإسلام إلى صهر خليط من الأمم والمجتمعات والشعوب والمجموعات من مختلف الأعراق والأجناس في قالب واحد.
وعلى الرقعة الجغرافية للإسلام برزت، على مر القرون، مجتمعات زاهرة استطاعت دمج مختلف الحضارات لتقدم للعالم نموذجا حضاريا مشعا أغنى التراث البشري من خلال مساهمته في مختلف مجالات المعرفة والعلوم والثقافة والفنون.

هكذا يتبين أن دعوة محمد عليه الصلاة والسلام، هي أبعد ما تكون عن نشر منظور منغلق على الذات، أو خطاب طائفي ضيق، يمجد أمة أو شعبا محددين، يقوم تفوقهما افتراضيا على نظام من القيم الدنيوية.
إن هذه الدعوة كانت بمثابة الحلقة الأخيرة في سلسلة الرسالات النبوية في دعوتها إلى توحيد الله وعبادته وعدم الإشراك به مع كل ما يعنيه ذلك من تعاليم يضمن اتباعها النجاة للفرد البشري، بعيدا عن الجنس والأصل والمكانة الاجتماعية.

إن الدعوة المحمدية، سواء من حيث هي أخلاق فردية أو تعاليم خاصة بالجماعة، تبقى مثالا فريدا في تاريخ البشرية، كما أن تصرفات وسلوكيات رسول الله أصبحت قيمة نموذجية بالنسبة للبشر كافة.

إن السيرة النبوية تعج بالمواقف والتصرفات الدالة على سمو أخلاق رسول الله، وعلى حنوه ورعايته لأهله والمقربين منه، وكيف كان صلى الله عليه وسلم رؤوفا رحيما لايثقل على أهله، ولا يؤنبهم أو يعنفهم.

وإذا كانت حياة الرسول نموذجا على مستوى الأخلاق الفردية، فإن التعاليم الجماعية التي جاء بها الوحي القرآني، مكنت من بناء مجتمع قائم على أسس الإيمان والتشبث بالقيم الإنسانية، حيث حرية الاختيار الديني عبر خطاب يتوجه إلى العقل والحس السليم "لا إكراه في الدين".

إنه نداء عميق للوعي البشري للتساؤل حول سخافة سعي الناس لتحقيق المجد الزائف والأبهة الخادعة، لأن نبل الأفعال يقاس بانسجامها مع المثل القرآنية التي تسير على هديها مجموعة بشرية تتوخى الوسطية، وتمقت الظلم وتتحلى بالرأفة والتضامن تجاه الفقراء والفئات المستضعفة من المجتمع.

إن المجتمع الذي ينشده الإسلام هو مجتمع يملك زمام أمره ومصيره، ويتحكم في طريقة تدبير شؤونه، وفقا لمبدأ الشورى، وهو مجتمع تتداخل فيه الأخلاق الفردية الحميدة، التي استنها رسول الله لأفراد أمته، مع غايات الرحمة والعدالة، كأهداف سامية لرسالة الإسلام. (و م ع)




تابعونا على فيسبوك