هراوات العنيكري تحتفل بعيد ميلاد رئيس التحرير

السبت 07 مارس 2009 - 21:05

يحق للجنرال حميدو العنيكري، المفتش العام للقوات المساعدة، أن يتباهى بإنجازاته الأمنية الاستثنائية.

فبعد فرق الوحدات المتنقلة للأمن، المعروفة باسم "الكيس"، التي يعود للشرقي الضريس، المدير العام للأمن الوطني، فضل ومكرمة إلغائها، في أعقاب تفاقم نفقاتها، ومحدودية أداء عناصرها، بعد هذه الفرق وما ارتكبته من فظاعات في حق المواطنين، تأتي مبادرته الحالية بخلق "جيل جديد" من القوات المساعدة، مدربة جيدا لتتحول من وحدات أمنية، إلى فرق وحشية، للفتك بالمواطنين، الذين باتوا اليوم كلهم متهمين بتهديد الأمن والاستقرار. فكل مغربي، كبيرهم وصغيرهم، شبابهم وشيبهم، رجالهم ونساؤهم وأطفالهم، هم مشاريع مجرمين، يجب التنكيل بهم، بلا رحمة ولا شفقة.

ليست هذه مزايدة، ولا رد فعل على هراوات احتفلت كما تشاء بلحمي وعظامي، لأن ما ذقناه من قمع وتنكيل، وتعذيب وقهر وترهيب في سنوات الرصاص، فاق كل قياس، حتى تعودت عليها أجسادنا، وباتت محصنة من أن تنال منها ضربات إضافية من هراوة الجنرال العنيكري. ليست هذه مزايدة أبدا، وإنما شهادة شاهد عيان، ذاق التنكيل عندما كان مارا، مثل عشرات المواطنين، صباح أول أمس الخميس، بشارع محمد الخامس بالرباط. لم تكن هيئته تدل على أنه واحد من عشرات المعطلات والمعطلين، الذين كانوا يخوضون احتجاجا أمام البرلمان، ولعل ذنبه الوحيد، مثلما ذكر أحد الشهود، أنه كان يتكلم بهاتفه المحمول مع زميله سكرتير تحرير جريدة "المسائية"، عادل غرفاوي، ويتداول معه في الموضوع الافتتاحي للجريدة، وجرى الاتفاق على تخصيصه لاستعراض الاستراتيجية الأمنية الجديدة لمكافحة المخدرات، وإبراز فعاليتها في التصدي للبارونات الكبار والصغار، وكان من نتائجها القبض على كثير من المهربين، ومزارعي الكيف، وحجز كميات كبيرة من مختلف المواد المخدرة، من الشيرا إلى الكوكايين، وصولا إلى الأقراص المهلوسة.

في تلك الأثناء، كان صراخ المعطلين يتعالى في مواجهة هراوات المخازنية، سألني عادل عن الحدث، فقلت له إن ما يجري بات شبيها بلعبة "الغميضة" بين المعطلين والقوات المساعدة، وإن عناصر هذه الأخيرة تفتك بأجساد المعطلين بصورة وحشية. وذكر لي الشهود أن عنصرا من هذه القوات هرول نحو رئيسه، وتحادث معه لحظات قصيرة، فما كان من رئيسه إلا أن هرول مسرعا نحوي، وأنا ماض في الشارع، في اتجاه سيارتي، حوالي الحادية عشرة والنصف صباحا، كنت أريد زيارة زميلتي ليلى أنوزلا بالمصحة، لتهنئتها بمولد كتكوتة صغيرة جميلة، والاطمئنان على صحتها، فلم أدر إلا ويد تقبض على خناقي، وتطوح بي ذات الشمال واليمين، وتنزل هراوة على رجلي، ثم ترادفت ضربات أخرى في الخصر والساق، إلى أن سقطت أرضا، وتدخل العديد من المواطنين، مغامرين بأجسادهم، لفكي من أيدي وهراوات قوات العنيكري.

كنت أرى في عيون المخازنية، ورئيسهم بالخصوص، علامات الحقد والكراهية، كانوا يضربون بهراواتهم بكل غل وضغينة، وكان رئيسهم يتلفظ بشتائم بذيئة. ولما تطوع أحدهم ليخبره أن الساقط على الأرض هو رئيس تحرير جريدة "الصحراء المغربية"، رد مسعورا "يكون حتى رئيس تحرير الزمر"، وزاد بالفرنسية "كلهم أوغاد وأوباش". ظللت مرميا على الأرض أزيد من ربع ساعة، وتطوع بعض المعطلين لتقديم الإسعافات الأولية، لم أعرف طبيعة المواد التي استعملوها في الأماكن التي تعرضت للضرب، لكنني كنت متأكدا أنهم أنجزوا العملية باحترافية، فلكثرة سقوط ضحايا هراوات العنيكري في صفوفهم، شكلوا بينهم خلية مختصة في معالجة الإصابات. كانوا يبدون أمامي بشرا، مواطنين، يتحركون ويتحادثون ويتصرفون بحس إنساني، وفي مواجهتهم، كانت تبدو أمامي وحوش متحركة، مستأسدة بأصفاد وهراوات، وبأطنان من السباب الزنقوي، كانوا شبيهين بوحوش خرجت على التو من أقفاصها، تغلي بالحقد على كل من هو آدمي، ينقضون عليه، ويتلذذون بأنات الضحية، عندما يهوون عليها بهراوة "الطونفا".

يحق للعنيكري أن يتباهى بالجيل الجديد من "كرواتيا" المخازنية، وأن يشرب نخب ما صنع بمدرسة تكوين أطر القوات المساعدة بابن سليمان، وببرنامج التدريبات المكثفة، التي قيل لنا إنها تركزت على استعمال السلاح، وكيفية التصويب بمسدسات من نوع "بريطا"، وأصفاد للاستعمال أثناء التدخلات، وهراوات خاصة مستوردة من الخارج، تحمل اسم "طونفا"، وضبط متهمين بارتكاب جنايات، كالقتل، وتكوين عصابات إجرامية.

ويحق لي، أنا أيضا، أن أتباهى بإنجازات العنيكري، الذي درب، وعرف كيف يدرب ويكون مدربين على ضبط مجرمين مثلي. يحق لي أن أتباهى برئيس تلك الفرقة، الذي كان شجاعا ويقظا، إذ لم تنطل عليه هيئتي، ولم ينخدع بالهندام الأنيق وربطة العنق، فسرعان ما اكتشف أنني مجرم متخف ومندس، يريد زعزعة النظام وتهديد الاستقرار والأمن العام، وتكوين عصابات إجرامية، وإحباط ما كنت أدبر اقترافه من مخططات القتل وتخريب الممتلكات. يحق لي أن أتباهى بذلك المخزني، رئيس تلك الفرقة المخزنية، وبما تلفظ فوه وأتت أيمانه، فهو صنيعة "تكوين جيد"، قيل لنا إنه شمل "مناهج غير مسبوقة"، معمول بها على الصعيد العالمي، فالمفتشية العامة للقوات المساعدة تربطها اتفاقية بالأمن الفرنسي، وعناصر المخازنية استفادوا من تجارب أجنبية، وبالتالي، اكتشفت، أول أمس، للمرة الأولى، أن تجارب الأمن الأوروبي تكون الأمنيين على التنكيل بالمواطنين، وجعلهم فئران تجارب للأصفاد والهراوات، وعلى تحقير السلطة الرابعة، فالصحافة ليست سوى "زمر"، فصدقت أن من واجب الصحافي أن يهيء جسده للضرب على اللحم والعظام، وأن من حق المخازنية أن يجعلوا هراواتهم تحتفل بجسد الصحافي.

على ذكر الاحتفال، وما جرى في 5 مارس، أذكر دائما أن هذا اليوم له نكهة خاصة في حياتي، هو اليوم الذي رأيت فيه النور، وأطلقت الصرخة الأولى في الحياة. في زمن المراهقة بالثانوية، وأيام الشباب بالجامعة، وما تلاها من سنوات، كانت لدي عقدة حقيقية مع يوم ميلادي، كنت أريد أن أتذكره في يومه، ليس بغرض الاحتفال، الذي كان في آخر اهتمامات جيلي المكتوي، آنذاك، بما كنا نسميه "نيران العدو الطبقي"، وإنما لأحس بهذا اليوم، وأقول مع نفسي، ومع صديق أو صديقة، إن هذا يوم مولدي. وكنت أفشل دائما في تذكر ذلك اليوم، حتى رفاقي وأصدقائي تضامنوا معي في السهر على تذكر ذلك اليوم، والعجب أننا كنا ننساه جميعا، فلا نتذكره إلا في اليوم الموالي. ولم تحدث المفاجأة إلا في يوم استثنائي، من سنوات الرصاص، في ذلك اليوم، بعد طول كر وفر، تمكنت عناصر الأمن من القبض علي، كما اعتقلت شقيقي عبد الرزاق. وعند إنجاز محضر الاستماع، كنت أجيب عن أسئلة الأمن، فتنبه محرر المحضر لتاريخ الازدياد، وقال هذا يوم ميلادك. كانت مفاجأة فعلا، توقفت عن الإجابة، وقلت سأدلي باستطرادات، إذا لم يقع تسجيلها، سأرفض التوقيع على المحضر، وشرعت في مرافعة عن حقوق الإنسان، وعن البلد الذي تنتهك فيه كرامة المواطنين، وكيف أنه كان ممكنا، في ذلك الوقت، أن أحتفل بعيد ميلادي في أجواء طبيعية، فيها أمن وطمأنينة، وحتى فرح وسعادة، عوض ما أعيشه، في ذلك المكان، من قمع وبطش، لم يكتفيا بأشقائي، بل طالما مسا العديد من أفراد عائلتي، ولم ينج منهم حتى والدي ووالدتي.

يوم أول أمس، كان بالصدفة يوم الخميس خامس مارس، يا للجناس الجميل، يفترض أنه يوم عيد، ولذلك لم يقصر مخازنية العنيكري في الاحتفال بي، كما يجب، الله يعمرها دار، واش اللعب هذا، الأمر تيتعلق بالأمن والاستقرار، وسيان عندهم عيد المولد أو عيد الميلاد.




تابعونا على فيسبوك