أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس على ضرورة إدخال تغيير جذري على أنماط إنتاج واستهلاك الطاقة، بما يجعلها قابلة للاستمرار، ويكفل تحقيق سبل الرفاهية للبشرية جمعاء.
وطالب جلالة الملك الحكومة التعجيل باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمأسسة الآليات الملائمة لتحقيق النجاعة الطاقية، واللجوء إلى الطاقات المتجددة في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
ونبه جلالة الملك، في رسالة سامية وجهها إلى المشاركين في المناظرة الوطنية الأولى حول الطاقة، التي انطلقت أشغالها أمس الجمعة بالرباط، تلاها المستشار الملكي محمد معتصم، إلى ضرورة إدخال تغيير جذري على أنماط إنتاج واستهلاك الطاقة، بما يجعلها قابلة للاستمرار.
وقال جلالته إن كل الخيارات تبقى مطروحة، لاسيما منها اللجوء لاستخدام الغاز الطبيعي، والطاقة الكهرو-نووية، والطاقة الشمسية القوية لإنتاج الطاقة، رغم اختيار الفحم النقي والطاقة الريحية كدعامتين أساسيتين لإنتاج الكهرباء في المغرب.
وأوضحت الرسالة الملكية أن "ضمان تزويد بلادنا بالطاقة، والحفاظ على البيئة، في صدارة انشغالاتنا،" مبرزا أن "بلادنا مطالبة بالاستعداد والتكيف المستمر مع مختلف التحولات، لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، بالموازاة مع تلبية حاجياتها المتزايدة من الطاقة".
وحول علاقة الطاقة بالاستثمار، دعا جلالة الملك إلى تمكين قطاعي الكهرباء، والطاقة بصفة عامة، من تنظيم وهيكلة ناجعة، واعتماد الحكامة الجيدة، لفسح المجال أمام المستثمرين لارتياد آفاق جديدة، تتسم بوضوح الرؤية، فضلا عن ضرورة تسريع وتيرة اعتماد النصوص القانونية اللازمة.
من جهتها، شددت أمينة بنخضرا، وزيرة الطاقة والمعادن والماء والبيئة، على أهمية هذه المناسبة، التي تجمع تحت سقف واحد مختلف المتدخلين في قطاع إنتاج واستهلاك الطاقة، بغرض طرح المحاور الرئيسية الاستراتيجية في مجال الطاقة للمزيد من النقاش.
وقالت بنخضرا إن الطلب العالمي على الطاقة، بصفة عامة، سيرتفع في أفق عام 2030 بنسبة 45 في المائة، الأمر الذي يبرر فتح الوزارة باب النقاش والمشاركة في صناعة القرار حول مستقبل الطاقة بالمغرب أمام جميع المتدخلين.
وكشفت بنخضرا أن عام 2008، الذي عرف لهيبا في أسعار الطاقة البترولية، بالخصوص، على المستوى العالمي، دفع الدولة المغربية إلى رصد 23 مليار درهم لدعم الثمن الاستهلاكي للمنتوجات البترولية.
وأشارت الوزيرة إلى أن الطلب على الطاقة بالمغرب سيعرف، خلال السنوات المقبلة، ارتفاعا كبيرا، ليس فقط بسبب التزايد الديموغرافي، وتطور مؤشرات المعيشة، بل بسبب انطلاق جملة من الأوراش الكبرى، كمخطط المغرب الأخضر، ودوران عجلة الاقتصاد الاجتماعي بشكل أسرع.
"الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
حضرات السيدات والسادة، يطيب لنا أن نتوجه إلى المشاركين في هذه المناظرة الوطنية الأولى حول الطاقة، تأكيدا لما نوليه من اهتمام بالغ للقطاع الطاقي الوطني وللدور الحيوي الذي يضطلع به في النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا.
إن هذا الملتقى الهام يشكل مناسبة لتبادل الأفكار والآراء بين المهنيين والمستعملين، بشأن الرهانات والتحديات الجسيمة والواعدة التي تطرحها الطاقة في المغرب
.
فالأزمة العميقة التي يعرفها العالم اليوم، والناجمة عن اختلال التوازن بين المجال المالي والاقتصاد الحقيقي، علاوة على التطورات المتسارعة التي عرفتها أسواق الطاقة مؤخرا ومستقبلا، والمتجلية في تقلبات الأسعار وعدم استقرارها، كلها عوامل تبين بجلاء، ضرورة إدخال تغيير جذري على أنماط الإنتاج والاستهلاك، بما يجعلها قابلة للاستمرار ويكفل تحقيق سبل الرفاهية للبشرية جمعاء.
بيد أن التحدي الملح الذي يواجهه عالمنا اليوم، لا يكمن في ندرة الموارد، وإنما في ضرورة تعبئة الاستثمارات اللازمة في هذا المجال، وهو ما يقتضي وضع البنيات التحتية الطاقية الضرورية وتطوير التكنولوجيات البديلة.
وانطلاقا من منظورنا،على المدى البعيد، الذي يأخذ بعين الاعتبار توجهات ومتغيرات الوضع الطاقي العالمي خلال العقود القادمة، فإننا نضع ضمان تزويد بلادنا بالطاقة والحفاظ على البيئة في صدارة انشغالاتنا.
لذلك، فبلادنا مطالبة بالاستعداد والتكيف المستمر مع مختلف التحولات، لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، بالموازاة مع تلبية حاجياتها المتزايدة من الطاقة.
وهو ما يقتضي تفعيل الحلول المقترحة في الاستراتيجية الوطنية الجديدة، لتحقيق الأهداف المرسومة لها، خاصة وأن ما جاءت به هذه المقترحات ، جاء تتويجاً لمسار طويل من المشاورات الواسعة والمناقشات المعمقة، بمشاركة كل القوى الحية للأمة.
وفي سياق حرصنا على ضمان تزويد بلادنا بالموارد الطاقية، فإننا نشدد على ضرورة تنويع مصادرنا الطاقية وتعبئة الموارد المتجددة وتكثيف التنقيب عن المحروقات وإعطاء الصخور النفطية ما هي جديرة به من اهتمام، وكل ذلك، في نطاق اعتماد النجاعة الطاقية، التي نبوئها مكانة الصدارة في هذا المجال، باعتبارها آلية فعالة للاقتصاد في الموارد الطاقية والحفاظ عليها وعقلنة استهلاكها.
حضرات السيدات والسادة، إذا كانت هذه المناظرة تتيح فضاء للمناقشة وتبادل وجهات النظر، فإنه ينبغي أن تشكل أيضا مناسبة للتعبئة من أجل النجاعة الطاقية، التي تشكل اليوم، إلى جانب الطاقات المتجددة، ثورة جديدة في الحقل الطاقي. اعتبارا لما تسخره من تكنولوجيات جديدة وما تُفرزه من سلوكيات مُجتمعية.
واعتبارا للتطور الكبير الذي ستعرفه هذه الحقول الطاقية الجديدة، فإنه يتعين اعتمادها منذ الآن، في اتخاذ القرارات المتعلقة بالاستثمار وبالاختيارات التكنولوجية، في كافة القطاعات الأساسية، خاصة منها الصناعة والبناء والنقل.
لذا، نهيب بالحكومة التعجيل باتخاذ الإجراءات القانونية، اللازمة لمأسسة الآليات الملائمة لتحقيق النجاعة الطاقية، واللجوء إلى الطاقات المتجددة، في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
وتجسيدا لحرصنا على دعم برامج النجاعة الطاقية، وتطوير الطاقات المتجددة، فقد أحدثنا صندوق التنمية الطاقية وخصصنا له الهبتين الكريمتين المقدمتين من لدن أشقائنا بالمملكة العربية السعودية وبدولة الإمارات العربية المتحدة، علاوة على مساهمة صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ونظراً لكون مصادر الطاقة الأحفورية، تمثل النسبة العليا من حيث حجم الاستهلاك العالمي للطاقة، فإنها ستظل تحتل حيزا مهما ضمن المصادر الطاقية، التي تعتمد عليها بلادنا، حيث ستخضع للاستعمال الأمثل، من خلال انتقاء تكنولوجيات قوية ذات استهلاك محدود للكربون.
وبالرغم من اختيار الفحم النقي والطاقة الريحية، كدعامتين أساسيتين لإنتاج الكهرباء ببلادنا، فإن كل الخيارات تبقى مطروحة، لاسيما منها اللجوء لاستخدام الغاز الطبيعي، والطاقة الكهرو- نووية، والطاقة الشمسية القوية ؛ إذا ما توافرت الشروط الاقتصادية والتقنية لذلك، وتم استيفاء معايير السلامة اللازمة، للتزود بهذه الأنواع من الموارد والتأكد من قدراتها التنافسية.
وفي هذا السياق، فإنه من الضروري العمل، وفق الآجال المحددة، على توفير البنيات التحتية الضرورية لإنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، وكذا تعزيز الموانئ وأرصفة المرافئ وتكوين مخزونات احتياطية.
حضرات السيدات والسادة، إن المخطط الوطني للتدابير ذات الأولوية، الذي وافقنا عليه في السنة الماضية، كخطوة أولية في إطار تنفيذ استراتيجية بلادنا في مجال الطاقة، يعتبر أن تحقيق التوازن بين العرض والطلب على الكهرباء، وتحقيق النجاعة الطاقية، هدفان ملحان، ينبغي بلوغهما في أفق2012 .
وكما لايخفى عليكم، فإن هذا المخطط يندرج ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، يتطلب تفعيلها تعبئة كافة القوى الحية للبلاد.
وفي هذا الصدد، فإننا نلح على ضرورة تمكين قطاعي الكهرباء والطاقة، بصفة عامة، من تنظيم وهيكلة ناجعة، واعتماد الحكامة الجيدة، لفسح المجال أمام المستثمرين، لارتياد آفاق جديدة تتسم بوضوح الرؤية ، فضلا عن ضرورة تسريع وتيرة اعتماد النصوص القانونية اللازمة.
وبموازاة ذلك، فإنه يتعين تعزيز الدور الحيوي الذي ينهض به المغرب، في المجال الطاقي على الصعيد الجهوي، وذلك من خلال تمكين هذا القطاع من الوسائل اللازمة لرفع التحديات التي يواجهها، ومن ثمة، تسهيل اندماجه في سوق الطاقة الأورو- متوسطية.
وإننا لحريصون على جعل بلادنا محركا أساسيا في إطار التعاون الطاقي الأورو-متوسطي. وذلك من خلال تقوية حلقات الربط الكهربائي مع دول الجوار، وإقامة البنيات التحتية الكبرى الضرورية لتحقيق الاندماج الإقليمي، وفي طليعتها إنجاز الحلقة المتوسطية للطاقة الكهربائية، خاصة وأن الوضع المتقدم الذي أصبحت تتمتع به بلادنا، في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، يفتح آفاقا جديدة للتعاون في هذا القطاع.
وفي الوقت الذي يتأسس فيه نظام عالمي جديد، في مجال الطاقة، لرفع التحديات الكبرى المرتبطة بالأمن الطاقي والتغيرات المناخية، فإن المغرب حريص على النهوض بالدور المنوط به على الصعيد الإقليمي، والانخراط في الخطة المتوسطية للطاقة الشمسية، فضلا عن العمل على تقديم عرض يجمع بين ضمان الموارد المتجددة، وتسهيل ولوج المركبات الصناعية المخصصة لأقطاب الكفاءات.
حضرات السيدات والسادة، تعد الاستراتيجية الوطنية الجديدة للطاقة، بمثابة خارطة طريق، تهدف إلى تمكين بلدنا من الوسائل الكفيلة بتأمين احتياجاته من الطاقة اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة.
ولن يتأتى التفعيل الناجع لهذه الاستراتيجية المضبوطة والواعدة، إلا بتأهيل الموارد البشرية وتشجيع البحث العلمي واعتماد مختلف أنواع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، علاوة على انخراط المواطنين وفعاليات المجتمع المدني ، غايتنا الجماعية، العمل على بلورة ميثاق وطني للطاقة، هدفه تجسيد شعار مناظرتكم "لنتحكم جميعاً في مستقبلنا الطاقي" في إنجاز وطني، كفيل بضمان الأمن الطاقي لبلادنا وتشكيل محرك قوي لتنميتها المستدامة ولتنافسية اقتصادها.
والله تعالى نسأل أن يكلل أعمالكم بالنجاح، ويسدد على طريق الخير خطاكم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".