تواصل حرب الطرق تسجيل أرقام مرعبة، إذ حصدت، في السنة الماضية، 4 آلاف قتيل، بمعدل 10 قتلى في اليوم، في حين بلغت الحصيلة اليومية لعدد الجرحى 120.
ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 5 آلاف في أفق سنة 2012، أي بمعدل 14 قتيلا في اليوم، بسبب عدم احترام قانون السير، والوضعية التشريعية الحالية، حسب ما يراه المراقبون.
وإلى جانب الخسائر في الأرواح، ارتفعت فاتورة التكلفة المادية لهذه الحوادث، إذ وصلت إلى 11 مليار درهم في السنة، أي ما يعادل كلفة 20 وحدة صناعية، تستطيع كل واحدة منها توظيف أزيد من 500 عامل، وهو ما يفرض استعجالية التصدي لحرب الطرق التي يواجهها المغاربة يوميا.
وتعتبر الوقاية حجر الزاوية في مدونة السير الجديدة، إلا أنه كان يتعين أيضا العمل على تشديد العقوبات للتصدي لانحراف السلوك الطرقي، والشعور بالإفلات من العقاب، الذي ترسخ في عقول وممارسات مستعملي الطريق.
ويحتدم النقاش، مع حلول 18 فبراير من كل سنة، الذي يصادف الاحتفال باليوم الوطني للسلامة الطرقية، حول الوقاية من حوادث السير، وتسارع الجهات المعنية لإطلاق حملات تحسيس بهول الكوارث التي تخلفها حرب الطرق، وفي كل مرة يكون السائق، بمثابة "الثور" الذي تكثر السكاكين حين سقوطه، فكل الإجراءات والتدابير الزجرية المتخذة تجعل السائق "كبش فداء"، دون إجراء مقاربة للأسباب والمسببات القبلية للفواجع، ومعرفة حجم مسؤولية الأطراف المتدخلة في هذه النازلة، حتى تكون المعالجة مركزة وموضعية، بعيدا عن المقاربات الشمولية.
وبتسليط الضوء على استقراء دوافع بعض الحوادث المميتة، أو المسببة لعاهات مستديمة، يتضح الخيط الرابط بين هذه الأسباب وبين غياب الضوابط الأخلاقية والسلوكية، التي من شأنها الحد من تهور السائق والراجل، وتبقى كيفية التعامل مع ذواتنا تجاه الآخر، إحدى الإشكاليات السلوكية التي ما زالت تشكل جوهر الارتفاع المهول لحوادث السير.
وأكد فاعلون حقوقيون وجمعويون أن السرعة، وعدم التسامح، وعدم الإكتراث لصعوبة المرور، باعتبار الحالة الميكانيكية للسيارة، "تشكل إحدى الدوافع الرئيسية في مثل هذه النوازل"، معتبرين أن "الطريق في بلادنا لا تؤمن بعنصر الكفاءة في السياقة، إذ السائق، حتى لو افترضنا أنه لم يتجاوز حدوده وظل محافظا على برودة دمه وأعصابه، والحالة الميكانيكية لسيارته حسنة، فإنه لا يسلم من الأذى، ما دام أن الشوارع بها سائقون لا يكترثون بالآخرين، وينظرون إلى الطريق وكأنها تحتكم لرغباتهم في المرور".
ويرى العديد من مستعملي الطريق، في تصريحات لـ"المغربية"، أن وضعية الطرق المغربية الثانوية والرئيسية "تساهم في تنامي الحوادث، بسبب انعدام علامات المرور، وكثرة الحفر والمنزلقات، إضافة إلى ضيق طرقنا واكتظاظها، وهي عوامل تساهم في ارتفاع عدد قتلى حوادث السير".
وما يمكن أن نستشفه من واقع تعاملنا مع الطريق، يقول عبد الله مفكر، ناشط حقوقي، أننا "نقتل بعضنا البعض بدم بارد وبأخطاء بليدة، لأن استسلامنا لمشاكلنا الاجتماعية، والاقتصادية، والمهنية، يجعلنا نقود سياراتنا بتوتر وضغط نفسي قابل لارتكاب أية حماقة".
وأضاف عبد الله مفكر أن "هذه الأسباب تكاد تكون القاسم المشترك في جميع الحوادث المميتة ببلادنا، وفي مختلف الطرق والممرات، حتى الطرق السيارة، لأن السياقة سلوك وأخلاق وكلما افتقرنا لهذه الخصال، كلما انسقنا نحو التهور والجنون، هذا، دون أن ننسى الوضعية الميكانيكية الكارثية لمعظم السيارات والحافلات التي لها النصيب هي الأخرى في ارتفاع نسب حوادث السير".
وأوضح أن الكثير من هذه الهياكل، "انتهى عمرها الافتراضي منذ سنوات، وما زالت تجوب شوارعنا وطرقنا من دون أدنى تدخل من المسؤولين"، متسائلا، هل هناك قانون يضبط استعمال العربات حفاظا على سلامة المواطنين والبيئة من التلوث؟.
من جهته، يقول هشام سعداوي، محام، إن "المسؤولين حين اكتشفوا صعوبة الحد من الحوادث وردع مسببيها، لجأوا إلى التشديد على ضرورة استعمال حزام السلامة للتقليل من حصيلة عدد القتلى، في انتظار أن تتفتق عبقرية المسؤولين بحلول عقلانية".
وأبرز سعداوي أن السير والجولان في أي بلد هو "عنوان مدى التحضر والوعي لدى المواطنين والمسؤولين"، مشيرا إلى أنه "متى استطعنا أن نكرس هذا المفهوم في نفوس السائقين والمواطنين بصفة عامة، نكون قد هيأنا لمستقبل بدون حوادث".
واعتبر أن مسألة الردع والأخذ بالمخالفة، حتى لو لم تسفر عن ضحايا على أساس أنها جنحة "تدخل في باب محاولة القتل، يعاقب عليها القانون بأقصى العقوبات، لتكون عبرة لكل من يتعامل مع الطريق كغابة لا يحكمها إلا منطق السرعة والاحتيال"، واسترسل موضحا، "إذا استطعنا تطبيق القانون بحذافيره من دون تمييز، وكان مسؤولونا صارمين في مراقبة الحالات الميكانيكية للسيارات دون تجاوز وغض الطرف، والإقرار بمبدأ المساواة والأهلية في منح رخص سياقة الحافلات وسيارات الأجرة أو غيرها من عربات نقل المسافرين، سنتمكن من التخفيف من حدة هذه المعضلة، مبرزا أن "كل هذا يجب أن يعزز بإعادة النظر من طرف المسؤولين في كيفية هندسة طرقنا وشوارعنا، التي تساهم، عن قصد وبغير قصد في الرفع من عدد الحوادث، وتجهيزها بعلامات المرور، وتفعيل قانون السير لأنه أسمى القوانين التي تعايش عن قرب حركة المواطنين في الشارع، وهو الأسمى كذلك لأنه قانون يحتكم إليه جميع السائقين والراجلين في مختلف أصقاع المعمور".