أجمع المشاركون في لقاء نظمه المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ60 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أن القانون الدولي لحقوق الإنسان، "الذي يشكل آلية متقدمة للمجتمع الدولي ومكسبا للبشرية، يهدف إلى الارتقاء بالوجود الإنساني على جم
ويسعى المجلس، من خلال هذا اللقاء، الذي نظمه الخميس الماضي بالرباط، لفتح نقاش عام للتعريف والتحسيس بموضوع حقوق الإنسان، مع إثارة الإشكاليات، التي تستوجب تعميق النقاش والتحليل.
وتضمن جدول أعمال اللقاء أربعة محاور تهم "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بين تأصيل المبادئ وتطوير آليات التفعيل"، و"التطور المرتبط بتفعيل مقتضيات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الآليات الاتفاقية ولجن الأمم المتحدة للمعاهدات"، و"دور المؤسسات الوطنية في حماية حقوق الإنسان والنهوض بها"، و"مكانة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في المشهد المؤسساتي على المستويين الوطني والدولي".
واعتبر المتدخلون في اللقاء، تحت عنوان "من ترسيخ المبادئ إلى توطيد المكتسبات في مجال حماية حقوق الإنسان والنهوض بها"، أن حقوق الإنسان "تراث إنساني مشترك، يحمل قيما كونية إنسانية"، مشددين على أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "هو، في حد ذاته، توحيد لمفهوم الإنسان، كما جاء لتقوية مبادئ المساواة والعدل، وإحقاق تلك الحقوق، والنهوض بها، ونشر ثقافتها".
وأضاف المتدخلون خلال اللقاء، الذي شارك فيه عدد من الفعاليات الحقوقية والفكرية والجمعوية، أن مبدأ كونية حقوق الإنسان، الذي يستمد أسسه من مبدأ المساواة في الكرامة لجميع البشر، "يحتل مكانة محورية في النقاش السياسي والقانوني لمنظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والمسارات الإصلاحية، التي انخرطت فيها خلال السنوات الأخيرة".
ودعا عباس الفاسي، الوزير الأول، خلال كلمة افتتح بها اللقاء، كل فعاليات المجتمع المغربي، وخاصة المجتمع المدني، إلى أن "تتعب، داخليا ودوليا، لفضح الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مخيمات تندوف". وقال "لابد أن نستحضر بألم شديد ما يعانيه المواطنون والمواطنات، وكذا الأطفال، من الاعتقال والتعذيب والتنكيل بمخيمات تندوف"، موضحا أن هؤلاء المواطنين "محتجزون في ظروف عيش لا إنسانية تحت رحمة الأمن العسكري الجزائري، وفي خرق سافر لأحكام القانون الدولي الإنساني". وأضاف أن "سلطات الجزائر، بمصادرتها لحرية مواطنينا، تضرب في الصميم روابط الدين والتاريخ المشترك، وقدسية علاقات الجوار، وتعطل بناء اتحاد المغرب العربي".
من جهة أخرى، نوه الفاسي بإنجاز خطة وطنية حول حقوق الإنسان والديمقراطية، مبرزا أن من شأن هذا الإنجاز أن "يغني ويعمق الإنجازات في هذا المجال، ويمهد لمزيد من الإصلاحات، القائمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان"، داعيا إلى إنجاز هذه الخطة "وفق مقاربة مندمجة وشمولية، قائمة على ترابط حقوق الإنسان وتكامله".
وأبرز أن إعداد هذه الخطةّ" يستدعي من الجميع تعبئة قوية، ومشاركة فاعلة، وانخراطا مسؤولا لكل مكونات المجتمع المغربي، من قطاعات حكومية، ومؤسسات وطنية ومجتمع مدني، للمساهمة في وضع الخطوط العريضة للتوجهات الوطنية في مجال حقوق الإنسان، بما يضمن الفعالية، والانسجام، والتنسيق بين جميع الأطراف، وتحقيق الالتقائية في السياسات العمومية المختلفة حول مقاربة مندمجة لحقوق الإنسان".
واعتبر الفاسي أنه "رغم ما أنجز لترسيخ الحقوق المدنية والسياسية، من الضروري رفع التحدي الأكبر، المتمثل في النهوض بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وتحقيق التنمية المستدامة"، مشيرا إلى أن الحكومة "تولي أهمية خاصة للنهوض بهذه الحقوق، وتضعها في صدارة برامجها، وفق مقاربة شمولية ومندمجة، تروم محاربة معضلات الفقر، والأمية، والبطالة، والتهميش، وتحقيق الكرامة، والعيش اللائق لجميع المواطنين من دون انتقائية، إذ خصصت 53 في المائة من ميزانية سنة 2009 للبرامج ذات البعد الاجتماعي".
من جانبه، اعتبر أحمد حرزني، رئيس لمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، أن المغرب، "الذي عرف صراعات وخروقات لحقوق الإنسان بعد استقلاله، كان قادرا على تجاوز الصعاب، والتصالح بين مختلف مكوناته، ويعد في طليعة المتشبثين بحقوق الإنسان، والمرسخين الفعليين لها"، مبرزا أن "الرسالة السامية لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة تخليد الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي أعلن فيها جلالته سحب المغرب تحفظاته على الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، ومصادقته على الاتفاقية الدولية الخاصة بحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تدل على أن المغرب لم يتبن فقط فلسفة ومبادئ حقوق الإنسان، لكنه أصبح، فعلا، في طليعة البلدان التي تطبق حقوق الإنسان، ومبادئ الديمقراطية".
أما مصطفى المنصوري، رئيس مجلس النواب، فأبرز أن المجلس "عبر عن انخراطه في الدينامية التي تعيشها المملكة من أجل ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وتحصينها"، موضحا أن المغرب "خطا خطوات جبارة في مجال حقوق الإنسان".
في السياق نفسه، قال امحمد العراقي، والي ديوان المظالم، إن تخليد المغرب لهذه الذكرى "يمثل في الذاكرة الوطنية الحقوقية حدثا مهما، ومحطة بارزة في مسيرة النضال من أجل ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، وإشاعة قيمها، ودعم مسلسل النهوض بها. ولحظة لتقييم موضوعي لمسيرة العمل الحقوقي، للوقوف على ما تحقق على أرض الواقع، وما لم يتحقق بعد".
وأشار إلى أن جلالة الملك، من خلال" دعواته المستمرة، وقراراته الشجاعة والجريئة في اتباع سياسة حقوقية رائدة ومتزنة وموصولة، ما فتئ يبعث رسائل واضحة، مفادها أن المغرب جعل من ورش الإصلاح الحقوقي، وتطوير حقوق الإنسان والمواطنة المسؤولة قاعدة مركزية لإصلاح المجتمع والدولة".
وقال إن "مسيرة عمل مؤسسة ديوان المظالم، كمسيرة العمل الحقوقي ككل، ستظل مستمرة، من أجل المزيد من العطاء والمكتسبات والنجاحات، رغم كل الصعاب والعراقيل والإكراهات، حتى يتحقق المبتغى من تخليد هذه الذكرى".
من جانبه، أكد رئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، خليهن ولد الرشيد، في كلمة ألقيت بالنيابة، أن المغرب تمكن من تحقيق مكاسب كثيرة في ميدان حقوق الإنسان منذ استقلاله، وخاصة منذ استرجاع الأقاليم الصحراوية، مشيرا إلى أن المجلس، منذ تأسيسه من طرف جلالة الملك محمد السادس، "نهج سياسة تصالحية، طبقا لما يتوخاه جلالته من أجل القضاء على مخلفات الماضي بخصوص المس بحقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية للمملكة".
وقال إن المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي وصفها المجتمع الدولي بالجدية و المصداقية"هي، فعلا، تحول في معادلة قضية الصحراء، لأن المشروع يحظى بتأييد كبير من طرف الصحراويين، أيمنا كانوا، لأنه يضمن لهم كل الحقوق، ويطوي صفحة المؤاخذات، ويعطي طريقة فذة في حل المشاكل عن طريق لا غالب ولا مغلوب".
وعن مجلس الجالية المغربية بالخارج، قال رئيسه، إدريس اليزمي، إن "الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، التي وقعها المغرب وصادق عليها، لم تأت بحقوق جديدة للمهاجرين، وإنما توخت محاربة الميز المحتمل، وضمان المساواة في التعامل بين أبناء البلد والمهاجرين".
و أشار إلى أنه "يحق للمغرب، الذي شارك بنشاط في إعداد هذه الاتفاقية، أن يفخر بكونه ثاني بلد يتبنى الاتفاقية منذ سنة 1993، وأنه لم يتوان منذ ذلك الحين عن المطالبة بتفعيلها لصالح مواطنيه المهاجرين".
ويرى أحمد بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أن المغرب" أضحى يعتمد إطارا مرجعيا، يجعل من حقوق الإنسان منظومة متسمة بالكونية والتكاملية والترابط، إذ تتضمن، إلى جانب الحقوق السياسية والمدنية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، ضمانا للتعددية، والحق في الاختلاف، في منظور استشرافي لتدبير الفضاءات الوطنية على أساس الحكامة الجيدة، وفي إطار الجهوية المتقدمة، وفي سبيل تحقيق الهدف الاستراتيجي، المتمثل في الكرامة والعدالة للجميع".