أهمية اعتبار السياق في المجالات التشريعية

الجمعة 04 أبريل 2008 - 09:57

"أهمية اعتبار السياق في المجالات التشريعية وصلته بسلامة العمل بالأحكام"، هو أحدث إصدارات "الرابطة المحمدية للعلماء" في عهد الأمين العام الجديد، أحمد عبادي.

والكتاب الذي نستعرض بعضا من فقراته في هذا العرض الموجز، هو في الأصل، ثَمرة لأعمال الندوة العلمية الدولية التي نظمتها الرابطة صيف العام الماضي بالرباط، وقُسِّم إلى سِفرين، يتناول كل سِفر مجموعة محاور... ويحتوي السفر الأول على المحاور التالية: المحور الأول بعنوان "مدخل إلى الإشكالية العامة للندوة"، المحور الثاني بعنوان "السياق عند علماء المسلمين"، المحور الثالث بعنوان "السياق في الدراسات القرآنية والحديثية"، بينما اشتمل السفر الثاني على المحاور الآتية: المحور الرابع المعنون بـ"السياق في المجال الأصولي"، والمحور الخامس المعنون بـ"اعتبار السياق في حاضر المسلمين".

وضمن مقالات الكتاب، نذكر على الخصوص: "السياق عند الأصوليين: المصطلح والمفهوم" لفاطمة بوسلامة، "السياق بين علماء الشريعة والمدارس اللغوية الحديثة" لإبراهيم أصبان، "أثر السياق في فهم النص القرآني" لعبد الرحمن بودراع، "المقام والإفادة من الخطاب الشرعي" لإسماعيل الحسني، "السياق عند ابن تيمية: قراءة جديدة" لفريدة زمرد، "السياق في تداوليات أبي إسحاق الشاطبي" لإدريس مقبول، "القراءة السياقية عند الأصوليين: قراءة في مفهوم معهود العرب عند الشاطبي" ليحيى رمضان، "السياق: المفهوم، المنهج، النظرية" لطه جابر العلواني، "دور السياق في فهم نص الحكم الشرعي" لأبي يعرب المرزوقي، "الإعلام بأهمية السياق في تنزيل الأحكام" لعبد الحميد العلمي، "السياق وفهم النص الشرعي: دراسة في الوظيفة والدلالة" للحسين ألحيان، "العملية الاجتهادية وأصول الفقه الحضاري: دراسة في سياقات المدخل المقاصدي" لسيف الدين عبد الفتاح، "واقع المسلمين بالغرب: من أجل اجتهاد متنور لسياق متغير" لمنير القادري، "دور السياق في التأصيل للدراسات المستقبلية" للمصطفى الهند.

نفتتح هذا العرض بالتقديم الهام الذي حرره أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، ويؤسس مداخلته بالإشارة إلى أن القول بخلود الإسلام وعالميه وصلاحيته، يفترض بالضرورة قدرة النص المرجعي على التفاعل مع كل المتغيرات، كما يقتضي هذا القول قدرة النص المؤسس على صياغة إجابات عن كل المشاكل والأسئلة الوجودية والثقافية، التي تعترض سبيل الإنسان، بغض النظر عن هويته أو لغته أو دينه أو عرقه أو زمانه أو مكانه.

ويبقى الاكتشاف المتجدد لهذه القدرات الكامنة في نص الإسلام المرجعي، هو مناط الاجتهاد والجهد البشري لتوليد دلالات ومعاني جديدة من داخل هذا النص، للتفاعل مع مختلف التساؤلات والتعامل مع متغيرات العصر ومستأنفات الأحوال؛ تجاوزا لأسلوب التبشير بمكانة النص في بناء الحضارة الإسلامية والإسهام في توجيه الحضارة الإنسانية؛ إلى استفراغ الجهد لاستخراج قدرات النص المرجعي المكنونة التي تمكنه من استيعاب وتوجيه الواقع بأسئلته المتجددة، ومن هنا، أهمية هذا المبحث الضخم، الذي يكاد يكون مجلدا (713 صفحة)، ولذلك، لا يسعنا الترحال مع ثنايا المداخلات، ونقتبس بعضا مما جاء في أهمها.

ونبدأ أولا بالذي حرره المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي، مؤكدا أن التناظر بين العمل والعلم في المنظور الفلسفي وبين الشرع والعقد في المنظور الديني، يقتضي أن يكون الكلام في العقد غير الكلام في أصوله (دين)؛ كون الكلام في العلم غير الكلام في أصوله (فلسفة) مثلما أن الشرع غير أصوله (دين)؛ كون القانون غير أصوله. وذلك لاعتبار بدهي، فإذا كان علم أصول الفقه هو ما بعد علم الفقه فعلم أصول الكلام ينبغي أن يكون ما بعد علم الكلام بشرط ألا يبقى أي منهما مقصورا على المسألة المنهجية، منهجية استخراج الأحكام الشرعية من النص بالنسبة إلى الأول، ومنهجية استخراج الأحكام العقدية من النص بالنسبة إلى الثاني.

أما المفكر المصري سيف الدين عبد الفتاح، فينبه القارئ إلى أن معالجة فكرة السياق وآثارها في رؤية الأحكام الشرعية، تفرض التأكيد على أن فكرة السياق لا بد وأن تكون واحدة من أهم الشروط للقيام بالعمل الاجتهادي، ومن هنا، يضيف عبد الفتاح، يتوقف عندا ما يسميه بسياقات المدخل المقاصدي بما هو ينظم بين مفردات تشكل مداخل متكاملة حتى تكتمل فكرة السياق وتتشكل سياقات متساندة توضح عناصر متعددة ينضاف إليها سياقات أخرى تشكلها منظومة أصول الفقه الحضاري، فتسهم هذه السياقات جميعا في إبراز عناصر ثلاثة تشكل مثلث الاهتمام الذي يحلاك فكرة السياقات ويضمنها بعمل متواصل ومتراكم، ويهتم هذا المثلث بعمليات ثلاث: عملية التأصيل وعملية التفعيل وعملية التشغيل.

ونختتم هذا العرض بما جاء في ورقة منير القادري، مدير المركز الأورومتوسطي لدراسة إسلام اليوم، بباريس، ملاحظا أننا اليوم إزاء واقع جديد متميز (يقصد واقع المسلمين بالغرب) ويتطلب من الجميع اجتهادا خصبا وفعالا على مستوى الخطاب الديني عامة والخطاب الفقهي خاصة للتجاوب مع النصوص الثابتة من جهة، ومع خصوصيات هذا السياق المتغير والجديد ومراعيا المقاصد الشرعية السّمحة، ومستلهما المنهج العمري الرائد؛ فهذا الاجتهاد، يضيف القادري، جرى طرحه للاستلهام، لأنه زودنا بضوابط وموجات للاجتهاد التشريعي المحكم الخصب والفعّال في أرض الواقع، ولأن هذا الصحابي الجليل راعى تغير السياق واعتبر المتغيرات المستجدة في حياة المسلمين في عهده، كما راعى المصالح العامة للمسلمين، وأعطى للنصوص القطعية حيوية وخصوبة اجتهادية لتواكب بتطبيقاتها وأحكامها التغيرات والطوارئ والنوازل من أجل المصلحة العامة، واعتبار المقصد الشرعي ورفع الشدة ورفع الحرج ودفع الضرر عن الناس.

نعتقد أن الاطلاع على ثنايا هذا العمل، دون الحديث عن مبادرات أخرى، تشفع لبعض المراقبين للحديث عن إحياء عمل ووزن الرابطة، والمساهمة، على قدر المتاح والمستطاع، في رد الاعتبار لمؤسسة العلماء، التي تجد نفسها (المؤسسة) معنية ومطالبة بالتعاطي مع العديد من التحديات المحلية والإقليمية والعالمية التي تمر منها المنطقة العربية (من غزو تيارات التبشير والتشيع على الخصوص).




تابعونا على فيسبوك