أدى انتشار الأسواق العشوائية في أحياء حديثة النشأة بالعاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، إلى تشويه صورة التمدن والحضارة التي من المفترض أن تتميز بها المدينة. ولم يعد وجود هذه الأسواق.
التي لا يراعى في تأسيسها أي نوع من التنظيم والنظافة، يقتصر على الضواحي، بل شمل أيضا الأحياء الجديدة الراقية، إذ يلاحظ استقرار باعة بأماكن إلى جوار الأسواق التجارية المنظمة، التابعة لهذه الأحياء الجديدة، بعرض البضاعة على عربة يدوية أو مجرورة بحصان، أو يشيد كل واحد منهم كوخا من البلاستيك والقصدير و"الكارطون"، ويسطو على المكان شيئا فشيئا لدرجة أنه يتحدى كل من يتجرأ على طرده منه.
ولا يستغرب سكان الدارالبيضاء من كون الأسواق التجارية المشيدة، لا تشكل الفضاء الوحيد، إذ رغم محاولات الحفاظ على رونق وجمالية الحي بمنع انتشار الباعة المتجولين أو إنشاء محلات عشوائية، التي تنبت باستمرار وبشكل مفاجئ كالفطر على جنبات المراكز التجارية، بل أكثر من ذلك، تتحكم في الرواج التجاري للسوق، متسببة في تعثر حركة السير وتفشي الفوضى والازدحام، لكن انخفاض الأسعار التي يعرضون بها سلعهم، بالمقارنة مع أصحاب المحلات داخل المراكز التجارية، يؤدي إلى إقبال الزبناء على ما يعرضونه.
وذكرت إحدى المواطنات من سكان المنطقة القريبة من سوق بدر، في حي بوركون، التي صادفتها "المغربية" في جولة لها بالسوق ذاته، أنها لا تمانع في وجود هؤلاء الباعة بالقرب من السوق، لأنهم في نظرها يعرضون سلعة جيدة، وبأسعار مناسبة، بخلاف أصحاب المحلات داخل السوق، الذين قالت إنهم "كيبيعو بالدقة عالنيف، تقهرنا بالغلاء"، لذلك "أفضل شراء ما أريده من الباعة على جوانب السوق". وأضافت أنه يجب فقط أن يراعى بعض النظام والحفاظ على النظافة، لأنهم عند نهاية النهار وحلول الليل، وبعد بيع كل سلعهم يتركون بقايا الأزبال في المكان ما يشوه صورة الحي ويؤثر على البيئة، إضافة إلى الضجيج، لأنهم لا يكتفون بالتجول في المكان هنا وهناك بعرباتهم و"فراشاتهم"، بل إنهم يظلون ينادون على الزبناء من المارة، خاصة أيام آخر الأسبوع، الذي يكثر فيه إقبال الناس على شراء ما يلزمهم من خضر وفواكه وأسماك ومواد غذائية أخرى يحتاجونها طيلة الأسبوع.
وقالت امرأة في الخمسين من عمرها إنها أول ما جاءت إلى الحي، الذي سكنت به منذ ثلاثة أشهر فقط لعلمها بما يتميز به من نظافة ونظام، أصيبت بالدهشة وخيبة أمل وكانت مفاجأتها كبيرة، إذ أنها لم تكن تظن أن حيا مثل حي بدر يمكن أن يوجد به هذا العدد من الباعة المتجولين، مشيرة إلى أنه لولا جدية عمل أصحاب النظافة، الذين يواظبون على كنس الأزبال، رغم كثرتها لأصبح مزبلة حقيقية.
واتفقت في رأيها مع المواطنة الأخرى، إذ أكدت أن ما يشجع المواطنين على اقتناء ما يرغبون فيه من مستلزمات قفة اليوم أو الأسبوع انخفاض السعر إلى جانب الجودة، مضيفة أصبح لها علاقة متميزة مع بعضهم، إذ يكفي أن تحادثهم عبر الهاتف المحمول لتطلب منهم ما تريده وتحتاج إليه، ليجلبوه لها إلى غاية منزلها، موفرين عليها بذلك عناء نزول درج العمارة وحمل القفة والتجول بين الباعة.
وغير بعيد عن سوق بدر في حي بوركون، ينتشر عدد من الباعة في محلات عشوائية، شيدت معظمها من البلاستيك والكارطون، يربطونها بخيوط متدلية وغير منتظمة، في المنطقة القريبة من شارع بوركون. ويصعب على المتجول في المنطقة المرور، خاصة مع وجود كثرة السيارات والشاحنات المحملة بمواد البناء، من آجور وحديد وأكياس الاسمنت والرمل، نظرا لأن المنطقة تعرف انتعاشة كبيرة على مستوى تشييد العمارات الكبيرة محل الفيلات والمساكن القديمة، ما يتسبب أحيانا في وقوع حوادث خطيرة.
وعبر أحد أصحاب المحلات التجارية بالمنطقة، يعرض مواد متنوعة من السلع، من عطارة وتوابل، ومواد غذائية، وبعض الأواني المنزلية التقليدية، مثل الغربال و"القصرية" من الطين وخشب الجوز والعرعار، والطبق المصنوع من "الدوم"، إضافة إلى كل أنواع القطاني، عن تضرره جراء اتخاذ بعض الباعة مكانا قارا لهم بالقرب من محله، دون مراعاة كساد تجارته، لأنهم يخفون سلعته عن الزبائن.
وقال لـ "المغربية" إنه رفقة عدد من أصحاب المحلات التجارية في المنطقة المسماة بـ "السويقة" تقدموا بشكايات عدة لدى الجهات المسؤولة، بهدف وضع حد لانتشار المحلات العشوائية، غير المرخص لها، التي لا يؤدي اصحابها أي نوع من الرسوم أو الضرائب، إلا أن أمر منعهم وملاحقتهم لا يستمر إلى بضعة أيام، لتعود الظاهرة إلى التفشي من جديد، بل أكثر من ذلك، ذكر أن عددهم في تزايد مستمر.
وعبر عن التظلم الذي يلحق بأحد أصحاب المحلات التجارية، في حالة إذا تجرأ ومنع أحد هؤلاء الباعة من الاستقرار قربه، إذ يتفقون على إزعاجه باستمرار، وذلك بالوقوف جماعات أمام محله ورمي كل أزبالهم أمامه.
أما الضرر الكبير، كما عبر عنه بعض سكان حي البلدية، هو الذي يشتكي منه سكان المدينة الجديدة، بمنطقة درب السلطان الفداء، إذ عمت الفوضى وانتشار "البراريك" والمحلات القصديرية التي "تنبت" بين عشية وضحاها، لدرجة أصبح معها أحيانا مرور أي شخص، خاصة من سكان الحي، مستحيلا.
وذكرت خديجة، إحدى قاطني المنطقة المجاورة لسوق "الغرب"، المعروف بسوق "الجميعة"، أنها لا تعرف الراحة طيلة النهار ولا بالليل، لأن الباعة من أصحاب المحلات القصديرية، لا يتوقفون عن الصياح والمناداة على الزبناء. كما أشارت إلى أنهم يقضون الليل في "البراريك" نفسها، يتسامرون وتتعالى أصواتهم بالغناء، الذي غالبا من ينقلب إلى شجار وخصام، يزعجهم ويتسبب في قيامهم مفزوعين في غلس الظلام.
وأكدت لـ "المغربية" أنه في حالة مرض أحد مسني الحي، يستحيل نقله بسرعة إلى المستشفى وإنقاذه، لأن كثرة انتشار صناديق الخضر هنا وهناك لا يسمح بتاتا لسيارة إسعاف أو طاكسي أو سيارة من أي نوع المرور وحمله.
وأشارت إلى أنها تقدمت رفقة بعض سكان المنطقة بشكايات إلى الجهات المسؤولة إلا أن نداءها لم يجد بعد الآذان الصاغية، وما زال الحي على ما هو عليه، بل يزداد "ولادة" المحلات الصفيحية يوما عن يوم.