وسط الحديقة الواسعة التي تحيط بمحكمة القضاء الأسري، أو محكمة قضاء الأسرة في الدار البيضاء بمنطقة الأحباس، تجلس العديد من النساء على الكراسي الحديدية وسط الحديقة.
بوجوه شاحبة وأخرى متبرجة إلى حد البهرجة، يجلسن جنبا إلى جنب في انتظار أن يفتح الباب الرئيسي للمحكمة، في حين يجلس الرجال في أماكن بعيدة ومتفرقة
إلى جانب الباب الرئيسي للمحكمة، توجد حديقة صغيرة تضفي منظرا جميلا على هذه المحكمة العتيقة، التي تثير في أحيان كثيرة فضول السياح الزائرين لمنطقة الأحباس، ومتاجرها المشهورة ببيع كل منتوجات الصناعة التقليدية المغربية العريقة، وبعد تفحص لبناياتها ومعالمها، يأخذ السائحون صورا تذكارية لها
كانت الساعة تشير إلى الثامنة و45 دقيقة صباحا، كل من تحضر إلى الحديقة، تلقي السلام على باقي الحاضرات، وكأنهن يعرفن بعضهن البعض، وبعد أن تتخذ مكانها بينهن أو إلى جانبهن، يدخلن في حديث طويل وبصوت عال، تتخلله التنهيدات والدموع أحيانا، ولا يقطع هذا المسلسل المأساوي سوى فتح الباب الرئيسي لمحكمة الأسرة، لتبدأ سلسلة أخرى من الاستفسارات والأسئلة في ما بينهن عن المرحلة التي وصلت إليها ملفاتهن
في حدود الساعة التاسعة صباحا، يفتح أحد الأعوان العاملين في المحكمة الباب الرئيسي، ويقفز الجالسون والواقفون من المتقاضين من أجل الدخول إلى قاعات المحكمة، يقف العون بصرامة مؤازرا بعدد من رجال الأمن ليمنعوا المتقاضين من الدخول في إشارة منهم إلى أن يتوقفوا قبل أن يخبرهم أن )الدخول يجري من الباب الخلفي للمحكمة).
كثيرا ما يرفض المتقاضون من نساء ورجال وشباب الإذعان إلى أوامر رجال الشرط، أو حديث العون الذي ينفذ أوامر رئيس المحكمة، ولا يستوعب العون وغيره من رجال الشرطة رفض المتقاضين الدخول من الباب الخلفي للمحكمة، وكثيرا ما يدخلون في مشاداة كلامية مع الأعوان لا ينهيها سوى تهديدات رجال الأمن بإحالة المشاغب منهم على رئيس المحكمة، أو منعه من الدخول بصفة نهائية
بعد الولوج إلى المحكمة، تتخذ النسوة الوضعية ذاتها في الكراسي الإسمنتية المحيطة بجنبات قاعات الجلسات، منتظرات فتح الأبواب الرئيسية للقاعات للدخول والحصول على مقعد بدل الوقوف خارجها، فكل المتقاضين، يعرفون أن قاعات جلسات محكمة الأسرة مساحاتها صغيرة جدا، لا تكفي الكم الهائل من الملفات المعروضة في جلسة واحدة، خاصة أن النساء يحضرون برفقة ذويه وأطفالهم
فتح الباب الرئيسي للقاعة الأولى بالمحكمة، وتدافعت النساء الطاعنات في السن وكذاالشابات داخل، وجلسن بتزاحم شديد وسط الكراسي الخشبية
وتحولت القاعة شأنها شأن باقي قاعات الجلسات في هذه المحكمة إلى فوضى عارمة وضجيج صاخب، الكل يتحدث، الأطفال يصرخون، والنساء الطاعنات في السن لا شيء يعجبهن، ويرمقن النساء الشابات بنظرات امتعاض لا أحد يمكن أن يفهم معناها سوى الناظر إلى اللباس غير المحتشم الذي ترتديه هؤلاء الشابات أو إلى مساحيقهن
داخل المحكمة وداخل قاعاتها، تنطلق المهمة الصعبة لرجال الأمن المرابضين بالمحكمة، لإقناع المتقاضيات بالتزام الصمت داخل القاعة، أو الخروج بأطفالهم منها، وعليهم أن يواجهوا كل الاحتمالات من بكاء وعويل من النساء، اللواتي ينتظرن معرفة مصيرهن ومصير أطفالهن بعد أن تخلى عليهن الزوج، أو رمى عليهن يمين الطلاق وتركهن دون معيل
فجأة ينادي العون القضائي بصوت عال »محكمة« ويلتزم الجميع الصمت، في انتظار دخول هيئة الحكم، بعض النساء يستمرن في الحديث بصوت خافت، وأخريات يوجهن إشارات صارمة لأطفالهن بالتزام الصمت
بعد الإعلان عن بداية الجلسة، بدأ رئيسها في المناداة على أسماء الأشخاص المطروحة ملفاتهم أمامه، وكان الأشخاص الجالسون في الصفوف الخلفية لا يسمعون جيدا بسبب انخفاض صوت القاضي، وغياب ميكروفونات داخل القاعة، إضافة إلى الضجيج الذي يعم الممرات المحاذية للقاعة، وهو ما يتطلب في أحيان كثيرة، تدخل بعض الأعوان أو رجال الأمن لسيادة بعض من الهدوء ولو لدقائق قليلة
تدرج الملفات القضائية بسرعة، وغالبا ما تؤجل لغياب الزوج أو عدم حضور المدعية، ويلتمس المحامون من القاضي تقريب آجال النظر في القضية، ثم تنتهي الجلسة، ويتقدم العديد من المتقاضين نحو كاتب الضبط أو رئيس الجلسة ليسألونه عن ملفاتهم التي لن تدرج خلال الجلسة، ويطلب منهم التوجه نحو كتابة الضبط، لكن في أحيان كثيرة، يذعن لطلبهم ويبدأ في تقليب أوراق الملفات بين يديه ليخبرهم عن تاريخ التأجيل أو مستجدات القضية
عند انتهاء الجلسة، يدخل المتقاضون في سلسلة من الامتعاضات الناجمة عن حضورهم إلى المحكمة وعدم إدراج ملفاتهم، لكن السبب الرئيسي في ذلك يعرفونه من بعضهم البعض، ليصلون إلى سبب واحد هو أن الكثير منهم لم يسمع القاضي أثناء المناداة عليه بسبب الفوضى والضجيج الذي كان يعم القاعة وخارجها، والذي يحدثه الأشخاص المتجمهرون حولها.