مائوية شاعر "السريالية في خدمة الثورة"

معرض بباريس يكشف المعادلات الصعبة في شعر رينيه شار

الأربعاء 13 يونيو 2007 - 10:51

تنظم المكتبة الوطنية بباريس حاليا معرضا ضخما حول الشاعر الفرنسي رينيه شار بمناسبة مائوية ولادته.

ويعنى المعرض الحالي، وفق ما ذكرت صحيفة »المستقبل« بجميع جوانب إبداع الشاعر ومختلف مراحل حياته الصاخبة والغنية بالأحداث والإنجازات.

واختار منظمو المعرض عرض شعر شار بطريقتين متكاملتين : في اللحظات الأولى لكتابته، ولدى تكريس هذه الكتابة الناجم عن تزيينها من قبل كبار الرسامين.

ويبرر هذا الخيار، حسب المصدر ذاته، ميل الشاعر باكرا للإصدارات الفخمة، حتى خلال نشاطه داخل الحركة السريالية، وتقربه فيما بعد من فناني جيله وتحريكه مواهبهم في اتجاهه بشكل أدى إلى طبعات مصورة كثيرة لدواوينه كان له فيها دائما الكلمة الأخيرة.

ومن بين المراحل المهمة في حياة شار التي يتوقف عندها المعرض بشكلٍ خاص : طفولته في مقاطعة »فوكلوز« الفرنسية، في ظل والد مميز ولامع غادر الحياة بسرعة تاركا ابنه يترعرع في محيطٍ يطغى عليه العنصر النسائي، مما يشرح ولع الشاعر اللاحق بالمرأة، مرحلة انخراطه في الحركة السريالية (1929 ـ 1935)، التي شارك خلالها في نشاطات جماعية مختلفة ووقّع عشرات البيانات وساهم بنصوص رائعة في مجلتي "الثورة السريالية«، و»السريالية في خدمة الثورة«، مرحلة انخراطه في المقاومة الفرنسية برتبة نقيب، أثناء الاحتلال النازي، التي أوحت إليه بأحد أفضل كتبه، »أوراق مغناطيسية"، ومرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت إنجازات كثيرة، ليس فقط على المستوى الشعري.

يعتبر رينه شار واحدا من أهم شعراء فرنسا في القرن العشرين (1907ـ 1988)، وقد اعتبره كثير من النقاد من منتجي الحداثة الشعرية ليس في فرنسا وحده بل في العالم، وكان صديقا لكبار الشعراء أيضا من أمثال بول اليوار وأندريه بروتون.

كانت شعرية رينه شار تتحدث عن الحياة والجمال والطبيعة، كما تؤكد ذلك مختلف المصادر التي تحدثت عن تجربته الابداعية، في أشعاره تختبىء دعوة تشبه ماقاله يوما نيتشه : (أترغبون في قطف ورودي) انحنوا، واختبؤوا بين الصخر والأشواك وأصابعكم غالباً إلعقوا(لأن حظي حظ منكد لأن حظي حظ معفرت).

حافظ رينيه شار على معادلات صعبة في الشعر فهو واضح غامض فج ووديع لطيف وفظ
غريب وألوف، نظيف، وقذر، ويرى النقاد أنه كان على يقين بأنه "لايوجد شاعر كبير دون هذيان "وكانت مجلة ( لونوفيل ابستوفر) قد نشرت مقتطفات من كتاب ( مراسلات ) بين شار وكامو بالإضافة إلي مقتطفات من آخر حواراته، إذ تحدث شار عن لحظة الإبداع مؤكدا : أن »الشعر لا يجيء في اللحظة التي يريدها هو وبالتالي فما عليه إلا انتظار أن تأتي اللحظة الشعرية من تلقاء نفسها.

وفي أثناء هذا الانتظار يعيش الشاعر أحيانا لحظات قلق وخوف من أن يكون الشعر قد هجره إلى غير رجعة.

ومع ذلك فما عليه إلا ان ينهمك في الحياة وينسى انه شاعر، فالشاعر على عكس ما نتوهم لا يعيش حياته كلها شعرا بل يمكن القول بأن اللحظات الشعرية نادرة في حياته"ففي نظر شار، الشعر ليس بالكمية وإنما بالنوعية فكل أشعار رامبو، وبودلير أو لوتربامون يمكن جمعها في ديوان واحد صغير، ويضيف شار : الشعر لا يصنع صناعة أو لا يفبرك فبركة كما كان يتوهم بول فاليري، هذا كلام علماء منطق لا كلام شعراء.

الشعر يجيء أو لا يجيء، هذا كل شيء وكفى، وأهم شيء هو ألا يغش الشاعر عندما يكتب القصيدة، لأنه إذا ما غش انتهى وافتضح أمره عاجلا أو آجلا تماما مثل جان كوكتو الذي يغش أحيانا وآخرين كثيرين أيضا أما أنا فلا أغش أبدا.

وقد حصل لي أن انتظرت ستة أشهر من أجل أن أجد الكلمة التي أبحث عنها أو من أجل أن اختم قصيدة ما.

وهذا ما حصل لي بالفعل عندما تعذبت كثيرا قبل أن أجد خاتمة قصيدة بعنوان »عطلة إلى الريح« فبعد انتظار طويل ومحاولات يائسة وترقب وعذاب جاءتني العبارة المناسبة في آخر لحظة وكان شار يردد دائما أن الشاعر ليس رجل حسابات أو علاقات عامة أو مقاولات ومساومات.

فهو لم يعرف، تقول بعض المصادر، كيف ينال جائزة نوبل مثلا ولم يخطط لذلك على مدار عشرين أو ثلاثين سنة متواصلة، ولكنه لم يقبل إلا جائزة واحدة في حياته، وكان هو الذي طلبها من أجل تسديد بعض ديونه.

وعندما فاز صديقه ألبير كامو بجائزة نوبل قال للجنة في استوكهولم : رينيه شار هو أكبر حدث في تاريخ الشعر الفرنسي منذ رامبو وكان هذا أكبر ترشيح له

استوحى الكثير من الفنانين الكبار من قصائد رينيه شار، أجواء لوحاتهم كما أن بيير بوليز المؤلف الموسيقي العالمي وقائد الأوركسترا المشهور استوحى أهم أوبرات له من ديوان Le marteau sans maître وقد ركز فيها خاصة على قصيدتي »وجه عرسي«، و»شمس المياه« اللذين كان الشاب بوليز (بين سنتي 1953 و 1956) مفتتنا بتداعياتهما فذهب بهما إلى أقاصي لغة موسيقية جديدة جعلها ترتقي مراقي لا تسلم نفسها لغير الصرف والجوهر من الكلمات الألحان المنثورة التي تنحت بذاتها قواعد نحوها وصرفها وسلمها ونوتاتها المنفلتة و التي لا ترضخ للتصنيف أو للتكريس عادة
يشار أن رينيه شار ولد في 14 يونيو 1907 بمدينة ( ليل سور لا سورج ) بجنوب فرنسا لأب يعمل رجل أعمال، وفي العاشرة من عمره توفي والده مما أثر بالسلب على حالته النفسية.

فأصبح أكثر ميلا للعزلة والاكتئاب وفي عام 1927، أدى الخدمة العسكرية الإجبارية في وحدة سلاح المدفعية ونشر أول مجموعة الشعرية ـ أجراس على القلب، وهو الكتاب الوحيد الذي نشر باسمه الأول إميل رينيه شار.

بعدها انضم إلى الحركة السريالية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الأولي وكانت شكلا من أشكال التمرد والاحتجاج على وحشية هذه الحرب وبعد أن تعرف عليه بول إيلوار في مدينته التي تكاد تكون معزولة أقنعه بالسفر إلى باريس حيث أمكنه من التعرف إلى فرسان هذه الحركة وعلى رأسهم مؤسسها أندريه بريتون.

وفي عام 1930، ساهم مع اندريه بريتون وبول إيلوار في تأليف كتاب مشترك بعنوان ( أعمال بطيئة ) إلا أنه سريعا ما انفصل عن المجموعة بالرغم من تحمسه في البداية لمشروعهم.

وفي السنوات من 1950 إلى 1962، اتسعت شهرة شار كشخصية أدبية مؤثرة، ونال احترام وتقدير العديد من الكتاب والتشكيليين والموسيقيين، وتعاون مع عدد من الفنانين في أعمال مشتركة، في مجالي التشكيل والموسيقي.

وكان صديقا حميما للعديد من الرسامين والكتاب مثل : براك، جياكوميتي، بيكاسو، ألبير كامو.

وفي 1971 أصدر كتابه ـ العري الضائع ـ الذي جمع فيه القصائد التي كتبها منذ 1964، وفي أواخر 1987 أرسل شار كتابه الشعري الأخير إلى الناشر، لكن طباعته لم تجهز إلا بعد أشهر من وفاته .




تابعونا على فيسبوك