ضربه بحجارة طائشة على رأسه وأدانته المحكمة بالسجن النافذ

صراع بين صديقين حول رهان ينتهي بجريمة قتل

الإثنين 11 يونيو 2007 - 09:19

تحول ملعب لكرة القدم لحلبة صراع دامية، تشابكت فيها الأيدي واستعملت فيها الآلات الحادة والحجارة، وتحول لعب مباراة حبية بين أبناء الدوار، يسودها الحماس والمثابرة.

لتحقيق الفوز، إلى معركة شرسة، تبادل فيها الفريقان الركل والرفس والضربات الموجعة، فقد تسبب هدف خاطئ في إشعال النار بين اللاعبين.

لم يدم الجو الحبي طويلا بين الفريقين، فقد حولوه إلى جو غائم، أمطر دماء و أسقط ضحايا مجروحين، لكن من بين هؤلاء، ظل اثنان من أبناء الدوار يتشاجران، وحولا الصراع حول الكرة إلى صراع شخصي، وجه خلاله كل واحد منهما للآخر السباب والشتائم قبل أن يدخلا من جديد في شجار عنيف، انتهى بتوجيه أحدهما ضربة قوية للآخر بواسطة حجارة، سددها بكل قوته لتصطدم بمؤخرة رأسه.

لم يكن الشابان المتعاركان، حميد وهيثم (اسمان مستعاران)، كباقي الشباب في ملعب كرة القدم، فهما وقبل أن تجمع بين عائلتيهما العداوة، كانا صديقان حميمان، تجمع بينهما مجموعة من المميزات المشتركة، كانا دائما معا يلعبان ويذهبان للمدرسة معا، لكن الأمور تغيرت بينهما، وانعكس شجار عابر بين أسرتيهما على علاقة صداقتهما المميزة، التي كان يشهد بها جميع أبناء الحي

فهما ينحدران من منطقة واحدة ويقطنان بالدوار نفسه (أحد الدواوير في منطقة عين تاوجطات)، باقليم الحاجب، تربيا وسط عائلتين فقيرتين، لكن الصداقة التي جمعتهما رغم انقطاعهما عن الدراسة في وقت مبكر، كان الكل يشهد بها، لأنهما من ساهما في توطيد العلاقات بين الأسرتين.

أمام الفراغ الذي كان يعم حياة الصديقين، احترفا وباتفاق بينهما السرقة، فهما شابان في عقدهما الثاني، ووجدا نفسيهما يدمنان التدخين وبعض المخدرات الخفيفة، فنفذا معا مجموعة من السرقات الناجحة لتغطية مصاريفهما.

في أحد الايام، وبحكم الجوار الذي يربط بين عائلتي هيثم وحميد، نشب بين الأسرتين خلاف بسبب هذه الجيرة، وتفاقم الوضع بينهما لأزيد من أربع سنوات، إذ وصلت العائلتان بسبب هذا النزاع البسيط إلى مصالح الشرطة وأمام المحاكم، وبالتالي انعكس الوضع المتوتر على صداقة هيثم وحميد.

حاولا جاهدين أن يحافظا على علاقتهما، لكن تدخل الأسرتين حتى في شؤونهما الخاصة، ومتابعة والديهما لكل منهما على احتفاظه بصداقة مع شخص تربطه بالعائلة علاقة نفور وعداوة، تنتهي دائما بتبادل الشتائم والضرب والجرح قبل أن تتحول إلى شكايات أمام السلطات الأمنية والمحلية ثم المحاكم، رغم أنهما كانا يلتقيان يوميا رفقة باقي شباب الدوار، من أجل لعب الكرة أو السمر في الليل ومعاقرة الخمر أو السباحة في الواد المجاور .

أصبح الصديقان أمام هذا الوضع القائم، لا يطيقان بعضهما البعض، وتحولا إلى عدوين، كل واحد منهما يتحين الفرصة لينقض على الآخر وكانت الفرصة المواتية، هي مباراة كرة القدم الحبية بين أبناء الدوار، اجتمع شباب القرية كعادتهم في ملعب محاذي للدوار، استعدادا لخوض المباراة، وكان هيثم في مواجهة حميد، وتراهن الفريقان على قدر من المال، يوزع بعد انتهاء المباراة، وفوز أحد الفريقين، بين عناصره عن طريق القرعة.

فتحول الصراع بين الفريقين إلى نزاع دموي متأجج بين الصديقين، خلص إلى وفاة هيثم الذي تلقى ضربة قوية على مؤخرة رأسه، فقد سقط هيثم على الأرض، ونزفت الدماء من رأسه بغزارة، بدا في الاستغاثة بباقي أبناء الدوار، حاول هؤلاء تقديم الإسعافات الأولية له، لكنهم فشلوا في محاولاتهم لإيقاف النزيف، فاتصلوا بسيارة الإسعاف، التي حضرت ونقلته وسط صراخه واستغاثته، لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة وسط الدماء الغزيرة التي انسابت من رأسه، وهو على سرير الانعاش بالمستشفى القريب من الدوار، حيث كان يتلقى الإسعافات الضرورية لإنقاذ حياته.

قبل نقل الضحية هيثم إلى المستشفى، علم أفراد أسرته بخبر إصابته، فانتقلوا على الفور إلى هناك، واحتشدوا حوله رفقة باقي سكان الدوار وأفراد أسرة حميد، الذي اختفى عن الأنظار وهرب نحو وجهة مجهولة، فنشب مرة أخرى النزاع بين الأسرتين، تبادلا خلاله الضرب والجرح، قبل أن يتدخل بعض الجيران ليطلبوا منهم الهدوء وفض النزاع.

وبعد نحو ساعتين من نقل الضحية إلى المستشفى الإقليمي بمكناس، وصل خبر وفاته إلى أسرته وقريته، التي عم فيها الحزن والأسى، والرغبة القوية في الانتقام، فلم تجد أسرة حميد الجاني من وسيلة لتلطيف الأجواء، سوى رحيلها المؤقت لدى بعض أقربائها في مدينة مكناس.

انطلقت تحريات الشرطة للبحث عن المتهم، وتمكنت من إلقاء القبض عليه بعد مضي ساعات على الحادث، وأثناء التحقيق معه من لدن الضابطة القضائية للدرك الملكي بالحاجب، اعترف بارتكابه للجريمة في حق صديقه الوحيد، جمعته به لحظات جميلة جدا وأبدى ندمه الشديد لأنه ضرب صديقه في لحظة غضب، ولم يعتقد للحظة أن الحجر الذي ألقى به نحوه، سيؤدي إلى وفاته.

وبعد تدوين اعترافاته في محاضر قانونية، أحيل المتهم على النيابة العامة بمحكمة الاستئناف في مكناس، التي أحالت أوراق قضيته على غرفة الجنايات.

تمسك حميد أمام هيئة الحكم، بأقواله أمام الضابطة القضائية وقاضي التحقيق، إذ أصر على إبعاد نفسه عن اقتراف جريمة القتل عن سبق إصرار وترصد، وأن إصابة صديقه جاءت نتيجة لحجارة طائشة ضربت رأسه، وكان يذكر دائما بعلاقة الصداقة التي جمعته بالضحية.

لكن عائلة الضحية أصرت على متابعته وإدانته، لكونه ارتكب الجريمة نتيجة للعداوة التي أضحت تجمع بين الأسرتين.

وبين مطالب ممثل الحق العام ودفاع المطالب بالحق المدني بانزال أقصى العقوبة على المتهم، ومطالب دفاع هذا الأخير بتمتيع موكله بأقصى ظروف التخفيف، لانتفاء عامل القصد في ارتكابه للجريمة، قضت هيئة الحكم بغرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف في مكناس، وبعد المداولة، بإدانة حميد بالسجن النافذ لمدة 15 سنة بعد متابعته بتهمة "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد".




تابعونا على فيسبوك